جورج بوش و الحروب الصليبية

ألن وودز

 

 في عشية الحرب في العراق تحدث جورج بوش عن "حرب صليبية". و كان مسرورا بنفسه جدا لجذابة الكلمة التي خطرت على باله. الا انه سرعان ما اسكته مستشاروه الذين اشاروا له بان كلمة "صليبية" بالنسبة للعالم الاسلامي لديها معان دلالية مليئة حزنا. و اثر ذلك لم يعد يستعمل العبارة في خطاباته اللاحقة.

ان فكرة ان كلمة صليبية تحمل دلالة سلبية في الشرق الاوسط ليس بالامر المستحب في الغرب و ذلك لانهم قليلون الذين كلفوا انفسهم عناء دراسة الحروب الصليبية. فالبنسبة لمعظم الناس – بما فيهم المقيمين الحاليين في البيت الابيض – هي ما بالكاد تذكره من الافلام التي صورت الحروب الصليبية  في رؤية ساحرة و رومنسية – حروب هي قمة في التعبير عن المروءة المسيحية. الا ان الواقع كان جد مختلفا عن هذه الصورة.

ما هي الحروب الصليبية؟

اشار ماركس الى ان العصور الوسطى رافقها "عرض همجي شرس". فقد حدث تغيير في فن الحرب بتطوير فرسان مدججين بالسلاح كانت لديهم القدرة على الحاق ضرر بليغ بالمنافس في ساحة الوغى. و هذا هو الاصل الحقيقي لكلمة "فتوة" التي تعني فروسية. كان كل ذلك نتاج مجتمع عسكري و كان العراك يمثل النشاط الاساسي للارستقراطية في ذلك المجتمع. و كان العنف عنصرا لازما في ذلك العالم. فقد كان لدى النبلاء الاقطاعيين هدفان في الحياة: ان تكون محاربا جيدا و كثير الانجاب. و في حقيقة الامر اقترنت هذه الاهداف باولائك الفحول الذين غالبا ما كان مستوى ذكائهم ضحلا.

الا ان الطبقة الحاكمة لا تقبل بان يقع تذكرها لاعمالها الاجرامية بل تامل ان يحكم عليها خلفها بما كانت هي تعتقد في نفسها. و هكذا تنسج من حولها اسطورة عن نزوعها الفطري للشرف و العدالة - و هو فحوى الفتوة. في الواقع لم يكن ذلك طبعا الا لغاية  تزويقية. فالوجه الهمجي الحقيقي لاوروبا المسيحية تجلى في مغامرات سفك الدماء المعروفة بالحروب الصليبية, تلك الحروب المريعة بين اوروبا و الاسلام التي امتدت طوال 100 سنة.

في سنة 1076م استولى السلاجقة الاتراك عل القدس. وهو ما مثل صدمة شديدة للكنيسة التي كانت في القرن الحادي عشر تهيمن هيمنة كاملة على اوروبا و على المجتمع الاوروبي في كافة مستوياته. ففي كل قرية كانت الكنيسة هي اكبر بناية تعلوها صورا مخيفة عن جهنم و اللعنة الابدية. اولائك المؤمنون بحق الذين تقبلوا رسالة الكنيسة سيكون مصيرهم الجنة اما الكافرون فمصيرهم نار جهنم يشقون فيها عذابا لا ينتهي على ايدي الجن و العفاريت. تلك كانت صورة العالم الذي امن به الرجل و المراة بحمية.

في سنة 1095 حرض البابا اوربان الثاني الالاف من الناس بالتخلي عن كل شيء و الذهاب الى القدس لتحريرها من السلاجقة. بالمقابل فقد وعدوا بالغفران في الحياة الاخرى. ولبت جموع من عامة الناس النداء و تهافتت على رايات الحرب الصليبية الاولى ملهمة برؤيا القدس الجديدة. و تردد نداء المعركة في كل قرية و ساحة مدينة:"بمشيئة الرب!" و اثارت الكنيسة التعصب الديني بادعائها ان الاماكن المقدسة في خطر. وقد كان ذلك طبعا مجرد هراء.

فالاماكن التي كانت تعتبر مقدسة لدى المسيحيين كانت ايضا كذلك بالنسبة للمسلمين الذين احتلوها منذ سنة 638م.  و بخلاف المسيحيين الذين كانوا متعصبين جدا تجاه المعتقدات الدينية الاخرى سلك المسلمون في العموم سياسة تسامح مع المسيحيين و المعتقدات المخالفة للاسلام ما دامت تلك المجموعات تدفع الضرائب و لا تسبب المشاكل. فصحيح ان محمدا قال: "ان لقيتهم اقطعوا رؤوسهم" و لكنه ايضا قال: "وعاملهم بالحسنى و اجنح للسلم." و كان يعني المسيحيين. فقد كان يعتبرهم من "اهل الكتاب" و بالتالي "الاقرب من المؤمنين". ان استفزاز و عدوانية اوروبا المسيحية هي التي اثارت رد فعل المسلمين.  

لعب التعصب الديني دورا مركزيا في النزاع الدموي بين اوروبا و العالم الاسلامي الا انه كانت هناك اعتبارات اخرى مثل امكانية النهب و السلب. و لم تكن غايات اولائك الذين نظموا المغامرة تحمل خصوصية قدسية بالاساس. اذ كان النبلاء المسيحيون كما هو الحال دائما يبحثون عن تعلة للقتل و ان يضمن ذلك الغفران من ذنوبهم الكثيرة فانه كلما كانت اعمال القتل اكبر كانت النتائج افضل. و كانت الكنيسة سعيدة برؤية هؤلاء العناصر الحرنة المستعدة للقتال. كذلك عززت الحروب الصليبية مكانة و سلطة الكنيسة.

بل و كان التجار اكثر اهتماما بهذه المضاربة. فقد كان الاتراك يسيطرون على طرق التجارة المربحة نحو الشرق. طريق الحرير مثلا. و كان اغلب تجار جنوة و البندقية و موانئ اوروبية اخرى مقصين تماما. فارادوا الحصول على نصيب من العملية. و كانت الحروب الصليبية افضل فرصة لهم لتحقيق ذلك علاوة على انها ستكون تحت راية العلي القدير. لقد كانت فرصة لا تعوض.

اما بالنسبة للرعاع الذين اندفعوا من كل حدب و صوب رافعين راية الصليبيين كانت بالنسبة لهم فرصة للهروب من العمل الاقطاعي الشاق و رؤية العالم. فانجذب المجرمون على اختلاف انواعهم نحو هذا المستقبل الواعد من النهب و السلب و القتل و الاغتصاب. و قيل لهم ان يمضوا في مسعاهم فانهم بذلك يضمنون نجاة النفس – عطاء معتبر و لا شك – ما دامت ستكون ضحاياهم الكفرة.

على حد تعبير سان برنار – وهو وجه بارز في مؤسسة التنظيمات الدينية-العسكرية – كان القتل من اجل المسيح قتل لفاعل الشر و ليس مثل اي قتل فهو قضاء على الظلم لا على الظالم و بالتالي فهو شيء مرغوب. في الواقع ان قتل الوثني يمنح فخرا لانه فخر للمسيح." وعمل الصليبيون بكلماته بل ان بعضهم لم يكترث لدين المعتدى عليهم. و كما اشار دازموند سوارد:

" عديد من الفرنجة الذين ارسلوا الى الحرب الصليبية كتوبة لهم من الجرائم الوحشية التي اقترفوها مثل الاغتصاب و القتل عادوا الى افعالهم تلك. وكان الحجيج فريسة سهلة مع ان احدى اهداف الصليبيين كانت جعل الاماكن المقدسة امنة للزائرين (د. سوارد, رهبان الحرب, ص33(1)).

الحروب الصليبية و اليهود

تعرض الحرب الصليبية الاولى – و كذلك الحروب اللاحقة منها – صورة بشعة عن الذبح العشوائي و الاغتصاب و اعمال النهب. وترك الصليبيون في طريقهم دمارا و فوضى مثل جيش من الجراد الجائع يبيد كل ما يحط عليه. تمثل اختصاص الصليبيين في ارتكابهم مجازر ضد اليهود الذين لم يسلم منهم الا القليل. وقد تروي بعض الوثائق للصليبيين عن اعمال هؤلاء ضد اليهود و تكشف عن عقليتهم:

"كان علينا قطع طريق طويلة باتجاه الشرق لمحاربة اعداء الرب. و شاهدنا امامنا اكثر اعدائه:اليهود. فكان علينا التخلص منهم." كذلك: "انتم ذرية اولائك الذين صلبوا وقتلوا الهنا وهو القائل:' وياتي يوم ينتقم فيه ابنائي لدمي." نحن ابناؤه و مهمتنا ان ننتقم له منكم لما كنتم عليه من تعنت و كفر تجاهه...لقد هجركم الرب وهل بنوره علينا و جعلنا من اهله." (2)

كان السكان اليهود بالمدن التجارية في الراين و موزال يعيشون تحت حماية الامبراطور و الاساقفة  الا ان ذلك لم ينج الكثير منهم:

"في بداية شهر ماي من سنة 1096 خطط الصليبيون خارج مدينة سباير- Speyer-  لمهاجمة اليهود في معبدهم يوم السبت  لكنهم احبطوا و لم يتمكنوا من قتل الا بضع عشرة من اليهود في الشارع. ومنح  الاسقف البقية منهم الاقامة في قلعته وسلط العقاب على بعض من القتلة. اما في مدينة وومز-Worms- كان اليهود اقل حظا. فقد لجؤوا الى الاسقف و الى المواطنين المتمتعين بالحكم الذاتي طالبين المساعدة ولكن لم يكن احد قادرا على حمايتهم عندما قدم رجال من صليبية الشعب وقادوا اهالي المدن في هجوم على حي اليهود. ونهب المعبد و سلبت البيوت وقتل ساكنوها الكهول الذين رفضوا التعميد. اما الاطفال فقد قتل بعضهم و اخذ الاخرون ليقع تعميدهم وتربيتهم كمسيحيين. كان بعض اليهود قد لجا الى قلعة الاسقف و حينما هوجمت القلعة اقترح الاسقف نفسه ان يقوم بتعميدهم و انقاذ حياتهم الا ان جميعهم فضل الانتحار. واجمالا يرجح ان حوالي 8 الاف يهودي لقوا حتفهم في وومز (المصدر السابق ص 69 ).

وقد تكررت احداث مشابهة في كل من فاردون –Verdun- و تريف –Treves-  و  مانز-Mains- وترايه -Trier – و كولونيا و ماتز-Metz- ومدن اخرى. والقى اليهود البائسين بثروتهم و عائلاتهم و بانفسهم في النيران و الانهار هروبا من بطش الرعاع و غضبهم. وقد اختبا يهود كولونيا في القرى المجاورة و لكن اكتشف امرهم من قبل الصليبيين فذبحوا بالمئات وقتل جميع يهود ماتز. واجمالا كان مصير عدة الاف

الهلاك.

وقد اسس ذلك لنموذج تكرر في بداية  كل حرب صليبية لاحقة. و في كل حالة كان الصليبيون وراء مذابح اليهود.  

الصليبيون في القدس

ولكن  جميع هذه البشاعات لا تساوي شيئا اذا ما قورنت بما حدث عندما دخل الصليبيون القدس في جويلية 1099. كان ذلك الفصل وصمة عار في التاريخ الانساني. لقد روع العالم الاسلامي برمته و نقش في ذاكرته للابد. مدفوعين برغبة سفك الدماء انغمس الصليبيون في عربدة من الذبح لم يسلم منها لا النساء و لا الاطفال. فقد شمل الذبح معظم سكان المدينة البالغ عددهم حوالي 700 الف في ابادة امتدت على طول ثلاثة ايام. وبكى التقاة من الصليبيين وهم حفاة  في خشوع امام الضريح المقدس قبل ان يعودوا الى اتمام مجزرتهم. كتب احد الاخباريين المسيحيين: "كان رجالنا يلاحقون الهاربين وطاردوهم الى حد معبد سليمان وكانت اقدامهم تسبح في دم المسلمين."

كتب المؤرخ الانجليزي الشهير ادوارد غيبون-Edward Gibbon - : "في نهبهم للاملاك العامة و الخاصة كان المغامرون قد اعملوا رايهم على احترام ملكية المحتل الاول. اما الغنائم من المسجد  الكبير و المصابيح السبعون و المزهريات الذهبية والفضية الضخمة فقد منحت للمجاهد  وعبرت عن كرم تانكرد- Tancred – امير انطاكيا. وقدمت ضحايا من طرف مريدي رب المسيحيين. واثار الصمود فيهم  غضبا عنيدا  لم يثنيه  لا سن و لا جنس الضحية ولمدة ثلاثة ايام اشبعوا نزواتهم بالذبح بدون تمييز الى حد ان تعفن الجثث تسبب في انتشار العدوى. هكذا حصدت السيوف 70 الف مسلما وحرق يهود ابرياء في معبدهم..."(انحطاط و سقوط الامبراطورية الرومانية(3), الكتاب 6, ص 84).

 

لقد تعدت وحشية الصليبيين ضد "الكفار" جميع الحدود. فخلال حصار واحد قاموا بشي الاسرى المسلمين بما فيهم الاطفال والتهموهم. وقصص اخرى شبيهة لا تزال تروى في زمن الحرب بغاية ذم الاعداء. الا ان هذه القصة الاخيرة حدثت فعلا وقد اثنى بابا روما على عملية الذبح و منح مغفرة كاملة للذين ارتكبوها.

التنظيمات الدينية-العسكرية

مع ذلك بالتاكيد ان لهذه الحركة المدفوعة بالتعصب الديني اساسا اقتصاديا. فالنمو الديمغرافي في اوروبا تبعه ان عددا كبيرا من ابناء طبقة النبلاء لم يكن يملك اراض. وهو ما انتج جيوشا من القتلة و اللصوص التفت تحت راية الصليب. وانكشفت النوايا الحقيقية للصليبيين الجدد عندما وجهوا اهتماما مباشرا لا للاماكن التي تحتضن المواقع المقدسة و انما الى الشمال حيث طريق الحرير.

تجلت الاهداف الحقيقية للغزاة في قيام الفرسان الفرنجة ببناء شبكة من الموانئ التجارية في المدن التي غزوها: انطاكيا  و طرابلس مثلا. القدس نفسها كانت ميناء تجاريا هاما. ويذكر في الانجيل ان المسيح طرد الصرافين من المعبد  المقدس الا ان الصليبيين اعادوهم اليه. و بسرعة اصبحت الاراضي المخضوعة موقع جذب لمختلف المغامرين من الاحياء الفقيرة وسجون اوروبا. لقد قدموا لا لنشر كلمة الرب و انما الانتزاع الاراضي التي كانت على ملك المسلمين:

"وضع 'الفرنجة' ثقتهم في البحر و الحصون. وسرعان ما سيطرت اساطيل جنوة و بيزا و البندقية في البحر يدفعها الحماس التجاري و انجذب  التجار الذين اقاموا في المدن الساحلية الى اغراء التوابل و الارز و قصب السكر و ريش النعام من افريقيا و الوبر من روسيا والزرابي من فارس و المعادن المرصة من دمشق و الحرير و القطن من الموصل و عدد اخر لا يحصى من وسائل الترف ( رهبان الحرب د. سوارد ص30).

فانشاوا هناك شريطا من الحصون يسكنها فرسان المعابد و الاسبتاريون. كانت تلك منظمات للطوائف الدينية المتعصبة التي اقسمت على الدفاع على المعتقد المسيحي حتى الموت. كانت المنظمات خليطا من الديرية و العسكرة تدمج الانضباط الشديد وصرامة الرهبان بعقلية العدوانية لدى البارونات اللصوص.

انشات التنظيمات العسكرية-الدينية مثل اهل الدير و الاسبتاريون في القرن الثاني عشر ونظرا للخلط المرعب بين التعصب الديني و القسوة فقد مثلوا قوات التدخل للكنيسة في العصور الوسطى وقد منحهم البابا امتيازات معتبرة بما في ذلك اعفاؤهم من دفع ضريبة العشر. وهكذا تحولوا الى كنيسة داخل الكنيسة و دولة داخل الدولة. و في الاخير كان لابد من  قمعهم و قد تم احراق اخرهم –السيد الكبير- حيا على نار هادئة بتهمة الهرطقة.

تميزت نشاطات التنظيمات الدينية-العسكرية تلك بالاعتماء العنيف و الوحشية الشديدة الى حد افناء شعوب باكملها. وهو ما حدث فعلا للبروسيين القدامى – شعب سلافي كان يعيش على سواحل البلطيق – فقد تم محقهم من قبل النظام النيوتوني بهدف اخلاء المنطقة للاستيطان الجرماني. كان ذلك مثالا مبكرا عن السياسة التي وصفها هتلر في ما بعد  بالبحث عن المجال الحيوي (Lebensraum). تلك ايضا كانت تعتبر حروبا صليبية. ووصفت الحملات المرعبة للنظام النيوتوني ضد الليتوانيين باعنف حروب القرون الوسطى. وقد استعار المخرج السينمائي السوفياتي العظيم ايزنشتاين موضوع رائعته الكسندر نافسكي (Alexander Nevsky)  من الهزيمة الدامية للفرسان النيوتونيين في المعركة التي دارت رحاها على الجليد على بحيرة بيبس(Peipus) سنة 1242.  

ويعلق ديزموند سوارد على ذلك بالقول: "نظريا كانت التنظيمات بمثابة الحماية من الكفار, عمليا كانت اعتداءات وحشية.  ان الافناء المقصود الذي مارسه النظام النيوتوني ضد العرق البروسي هي شهادة كافية. و كما سجل احد القساوسة الاخباريين مفتخرا: "وطاردوهم بلا هوادة و لم ينج احد من نير العقيدة – كان ذلك بمساعدة الرب المسيح المبارك ابدا."(المصدر السابق, ص 21).

مصالح اقتصادية

التاريخ يعيد نفسه. فمشاعر شبيهة نجدها اليوم لدى جورج بوش و عصابته من المحافظين الجدد المتدينين (الجمهوريون اليمينيون المتعصبون). ومثلما هو الحال في القرن الواحد و العشرون حيث يخفي التشدق الديني مصالح مادية حقيقية كان هو الحال كذلك في العصور الوسطى. فدوافع الصليبيين بما فيها التنظيمات لم تكن خالصة و نقية كما يعتقد. اذ كانت خمرة التصب الديني ممزوجة بكمية من المصالح الاقتصادية المعقولة. من ذلك ان فرسان الهياكل مثلا اصبحوا مصرفيين ناجحين استبقوا المصارف الايطالية الكبرى لاواخر العصور الوسطى:

"واصبح فرسان الهياكل مصرفيين محترفين. فكانوا ينقلون الاموال التي تجمع للارض المقدسة الى المعبد في القدس في حين كان الحجيج و حتى التجار المسلمون يودعون اموالهم في المعبد المحلي. وكانت هناك حاجة للمال لشراء السلاح و الاجهزة و لبناء الحصون و استخدام المرتزقة و لشراء الاعداء كذلك. لذلك لم يكن من المعقول ان تظل الاموال المخزنة عاطلة. فرفع الحظر المفروض من طرف الكنيسة على الربا باضافة الفائدة الى المبلغ الجملي المطلوب دفعه و تم استخدام اخصائيين عرب للمعاملات في الاسواق المالية ببغداد و القاهرة..."(المصدر السابق ص 50).

كما انهم تعاطوا التجارة و السياحة: "استخدم فرسان الهياكل و الاسبتاريون سفنهم لنقل الجنود لان ذلك كان اقل تكلفة. كما توفرت للحجيج فرص السفر فقد كان فرسان الهياكل ينقلون 6000 حاج في السنة. و كانت سفنهم ذات شعبية لانها كانت تملك اسطولا من السفن الصغيرة المرافقة التي يمكن الوثوق بها لمنع بيع الركاب للمسلمين كعبيد. كما كان يفعل التجار الايطاليون.  و كانوا يخصصون مكانا في السفينة لنقل البضائع فكانوا يصدرون التوابل و الحرير و الصبغ و الخزف و البلور مغتنمين فرصة اعفائهم من الرسوم. و سرعان ما نافسوا تجار الشرق و اصبحوا يتعاملون معهم."( المصر السابق).

واكتسبت هذه التنظيمات- التي كانت في الاصل مدفوعة بحافز التعصب الديني- فيما بعد اكتسبت صبغة مادية حقيقية. فتمكنوا من الوصول الى ثروة هائلة عن طريق نهب ما كان يعتبر في حقيقة الامر اول مستعمرة اوروبية. وهكذا عاش السادة المستعمرين عيشة الملوك.

" وقد فضل العديد من الاسياد الانسحاب ليسكنوا قصورا انيقة على الساحل في حين كان لاتباعهم المال و الرجال لادارة الحصون السورية الكبيرة و كذلك لحل المشاكل المزعجة من قبيل ايجاد ازواج للورثة من النساء او توفير الحراس. و انهمرت العطايا و التجنيد من اوروبا بشكل مستمر." (المصر نفسه ص49).

لقد دافع "رهبان الحرب" عن مصالحهم مستعملين الة حربية هائلة بقيادة قواد بارعين و لم تمنعهم معتقداتهم الدينية من اقتراف المذابح اينما ذهبوا. بل و لقد اعتبروا ذلك واجبا دينيا. الا انه بغطرستهم تلك مكنوا جميع العرب من الاتحاد ضدهم. هذا الانجاز الاخير كان قد تحقق بفضل احد ابرز القواد العسكريين في تاريخ الشرق الاوسط: صلاح الدين يوسف بن ايوب المعروف لدينا باسم صلاح الدين الايوبي.

صلاح الدين

على نقيض قطاع الطرق المسيحيين فان الفتوة الحقيقية وجدت بين الشرقيين "الكفار" من امثال القائد المسلم صلاح الدين. كان محاربا مقداما ذو دراية بفنون الحرب لم يضاهيه فيها احد في عصره. وكان كذلك رجلا شجاعا و مخلصا و كريما. ونظرا لانه ولد كرديا فقد كان العرب ينظرون اليه بعين الاحتقار الا انه  نجح في الارتقاء من مرتبة جندي ليحتل مكانة احد حراس السلطان الثقات. لقد  كان صلاح الدين يعرف كيف يتم الاستيلاء على المدينة و كيف يقع المحافظة عليها.

عندما توفي نور الدين خلفه  اللواء الكردي شركوح. و لكن سرعان ما مات شركوح و يبدو انه توفي من جراء الافراط في الاكل. واخذ ابن اخيه صلاح الدين مكانه واصبح وزيرا. لقد كان هذا الرجل تقيا زاهدا فكان يصوم و ينام على الحصير و يعطي الزكاة للفقراء. واقر عليه عقله الباحث ان في المسيحية كثير من الخير و لذلك نال الاحترام حتى من اعدائه الصليبيين.

لقد وحد صلاح الدين جميع الدول العربية- وهو انجاز عظيم. وكون ابرع قوة حربية في العالم. واصبح ملكا لمصر و سوريا في 1176 بتزكية من الخليفة في بغداد. ونظم الجهاد ضد الغزاة و اكد انه بارع في التكتيك الحربي مجبرا الفرنجة على القتال حسب شروطه و في اماكن من اختياره.

وفي تباين تام تظهر الشخصية الاخلاقية للزعماء الفرنجة في سلوك رجل يدعى راينو-Reunault. فهذا الفارس المسيحي بحق كان قد عذب قسا حتى الموت. وذلك  باحداث جروح عديدة في راسه ملاها بالعسل وترك الامر للنحل. وقد دحر صلاح الدين هذا  المجرم مستعملا اسلوب حرب الغوار في معركة مشهورة في جويلية 1187.  فقد استدرج الفرنجة الى الصحراء ليعانوا الحر و العتاد الثقيل الذي كان لديهم. اثرها تم الاجهاز عليهم من قبل رماة صلاح الدين الذين امطروهم بالنبل و اختفوا و بدون ان يقعوا في معركة مباشرة معهم.

لم يكن للفرنجة ماء و كان العياء قد انهكهم. فقام رجال صلاح الدين باضرام النار في العشب اليابس مما احدث سحابة من الدخان الخانق.  وعلى صوت الطبول الابواق المرعب الذي زاد في الضغط النفسي قام الشرقيون في البداية برمي النبال من خلال الدخان لقتل جياد اعداءهم ثم انقضوا عليهم. وكان هناك كثير من العبيد بعد المعركة الى حد يمكن شراء الواحد منهم بثمن حذاء. و قد كان صلاح الدين يميز بين الجنود العاديين و فرسان الهياكل. هؤلاء كان مصيرهم حد السيف بدون رحمة.

كانت معركة حطين عمليا نهاية للحكم الصليبي. فقد حاصرت قوات صلاح الدين القدس و استولت عليها. و بخلاف الصليبيين الذين ذبحوا جميع المسلمين و اليهود الذين كان بمقدورهم العثور عليهم عندما استولوا على المدينة  سلك صلاح الدين سياسة العفو عند المقدرة. فحرم على رجاله من الاخذ بالثار او قتل الناس. فلم تدمر ولو كنيسة واحدة. وساهم صلاح الدين بنفسه في تطهير المسجد الذي دنسه المسيحيون. وقد عرض على المنهزمين فرصة دفع  الفدية ليصبحوا احرارا. واولائك الذين لم يكن في استطاعتهم الدفع بيعوا كعبيد.

ريتشارد و صلاح الدين

صعقت اوروبا لما حدث. و يقال ان البابا اصابته نوبة قلبية قاتلة عند سماعه الاخبار. الا ان صلاح الدين قام بخطا فادح.  فلقد ترك مدينة تير و لم يدخلها مما مكن المسيحيين من  تعزيزها عن طريق البحر و حافظوا عليها كموطئ قدم لهم. وتم حصار عكا وتحركت كل اوروبا من اجل الحرب ضد العرب في الحرب الصليبية الثالثة. وتحرك فريدريك بربروسة – الذي كان يعتبر نفسه امبراطور الرومان – بجيش اول ولكنه غرق على ساحل صقلية. وسرعان ما تبعه اخرون من بينهم ريتشارد الاول المعروف في التاريخ ب "قلب الاسد" . هذا يذكرنا بما كتبه تروتسكي عن الجنرال القيصري كورنيلوف : "قلب الاسد و عقل النعجة." وكان ريتشارد هذا النوع من القواد.  

ومثل العديد من معاصريه "حمل ريتشارد الصليب" و ذهب الى الارض المقدسة – التي تبعد حوالي 2500 ميلا عن بلاده – من اجل نشر رسالة المسيحية بالحديد و النار. لقد كان بدون شك جنديا منضبطا وشجاعا. وقد دفع لجيشه عن طريق بيع القاب النبلاء و ممتلكات اخرى. و اشتهر جيشه بكونه افضل قوة منضبطة في اوروبا. اذ كان فرسانه المدججين قادرين على شن هجومات قاتلة. وكان القوس والنشاب اضافة جديدة الى عتاده. و في واقع الامر كان هذا السلاح يعتبر سلاحا لعينا و لا انساني مما حدا بالبابا الى تحريم استعماله – باس