الثورة الروسية

ليون تروتسكي

 

 

(ننشر فيما يلي نص محاضرة ألقاها ليون تروتسكي في 27 نونبر (تشرين الثاني) 1922 في كوبنهاغن (عاصمة الدانمارك) بدعوة من التجمع الدانماركي "الطلاب الاشتراكيون" وعنوان المحاضرة الأصلي هو "دفاعا عن الثورة الروسية"، إنما هذا الدفاع دراسة شاملة حول ثورة أكتوبر ودروسها. وأننا لا ننشر هذه المحاضرة إحياء للذكرى الـ55 للثورة الروسية فحسب، بل أيضا كمساهمة في دراسة تاريخ الثورات بعد ملف حول الثورة الصينية (العددان 11 و12) وملف حول الثورة الفيتنامية (العدد10).
عندما ألقى هذه المحاضرة، كان تروتسكي منفيا من الاتحاد السوفييتي. وسوف يطرد بعدها بقليل من الدانمارك.)
ـــــــــــــــــــــ


(...) تعني الثورة تغييرا للنظام الاجتماعي. إنها تنقل السلطة من أيدي طبقة أنهكت إلى أيدي طبقة أخرى صاعدة. وتشكل الانتفاضة اللحظة الأكثر حرجا وحدة في صراع  الطبقتين من أجل السلطة. ولا يمكن للانتفاضة أن تؤدي إلى انتصار الثورة الحقيقي والى انتصاب نظام جديد إلا في حالة استنادها إلى طبقة تقدمية قادرة على أن تجمع حولها أغلبية الشعب الساحقة.


إن الثورة بخلاف سيرورات الطبيعة، يحققها البشر بواسطة البشر. إلا أن البشر، في الثورة أيضا، يتصرفون تحت تأثير ظروف اجتماعية لم يختاروها بحرية، ولكنها موروثة عن الماضي وتدلهم على الطريق دونما خيار. ولهذا السبب بالضبط، ولهذا السبب وحده، للثورة قوانينها الخاصة.


لكن وعي الإنسان لا يعكس الظروف الموضوعية وهو سلبي. إنه عادة يظهر تجاهها رد فعل نشيط. وفي بعض الأحيان، يكتسب رد الفعل هذا طابعا جماهيريا، متوترا، حماسيا. ويطاح بحواجز الحق والسلطة. إن التدخل الفعال للجماهير في الأحداث هو بالضبط ما يشكل العنصر الأكثر أساسية في الثورة. بيد أنه حيث النشاط الأكثر جموحا يمكنه أن يبقى عند مستوى تظاهرة، أو تمرد، دون أن يرتفع إلى مستوى الثورة. على انتفاض الجماهير أن يؤدي إلى الإطاحة بسيادة طبقة وإرساء سيادة طبقة أخرى. وعندها فقط نكون أمام ثورة مكتملة. ليس انتفاض الجماهير محاولة معزولة يمكن للمرء إطلاقها عندما يطيب له. انه يمثل عنصرا محددا بصورة موضوعية في تطور الثورة، مثلما الثورة هي عملية محددة موضوعيا في تطور المجتمع. ولكن إذا ما إن وجدت ظروف الانتفاض، فيجب عدم الانتظار سلبيا، مفتوحي الفم: هنالك في القضايا البشرية أيضا، كما يقول شكسبير، مد وجزر: "هناك حركة مد وجزر في أعمال الناس، إذا أخذت في مدها، تؤدي إلى التوفيق".


لكي تقوم بتكنيس النظام المتعيش، على الطبقة التقدمية أن تفهم أن ساعتها قد دقت، وأن تطرح كمهمة على نفسها استلام السلطة. هنا يفتح حقل العمل الثوري الواعي حيث يتحد التوقع والحساب بالإرادة والإقدام. وبتعبير آخر: هنا يفتح مجال فعل الحزب.

 

"الانقلاب"


يضم الحزب الثوري خيرة الطبقة التقدمية. وفي غياب حزب قادر على تحديد توجهه حسب الظروف وعلى تقييم سير الأحداث ووتيرتها وعلى اكتساب ثقة الجماهير خلال الوقت المناسب، يستحيل على الثورة البروليتارية أن تنتصر. هذه هي علاقة العوامل الموضوعية للثورة والانتفاضة بعواملها الذاتية.


ولطالما سعى المتخاصمون كما تعلمون, وبشكل خاص في اللاهوت, إلى الحط في النقاشات من شأن الحقيقة العلمية, دافعين بها إلى العبث. وفي المنطق تنعت حتى مثل هذه الحقيقة: بقياس الخلف réduction ad absurdum أننا سنحاول أن ننتهج الخط المعاكس, أي أننا لنقرب بشكل أكثر تأكيدا من الحقيقة سنتخذ إحالة كنقطة انطلاق. ولا يمكننا على أي حال أن نشكو من قلة في الإحالات. فلنتناول إحداها الأكثر حداثة وفجاجة.


لقد وجد الكاتب الإيطالي مالابارت وهو شيء يمكن وصفه بالمنظر الفاشستي –هنالك مثل هؤلاء أيضا- في الفترة الأخيرة كتابا في تقنية الانقلاب، ويكرس المؤلف بطبيعة الحال عددا لا يستهان به من صفحات "بحثه" لانتفاضة أكتوبر.


بخلاف "استراتيجية" لينين، التي تبقى مرتبطة بالوضع الإجتماعي والسياسي لروسيا سنة 1917، لا يمت تكتيك تروتسكي –حسب تعابير مالابارت- على العكس، بأية صلة لأوضاع البلاد العامة". هذه هي فكرة الكاتب الرئيسية ! ويرغم مالابارت لينين وتروتسكي، من خلال صفحات كتابه، على القيام بحوارات عديدة، يظهر فيها كلا المحاورات تفكيرا قليل العمق بقدر ما وضعت الطبيعة في حيازة المدعو مالابارت. وردا على اعتراضات لينين حول المقدمات الاجتماعية والسياسية للانتفاضة ينسب مالا بارت لتر وتسكي الجواب الحرفي المزعوم الآتي: "إن استراتيجيتك تستلزم كثيرا من الظروف المؤاتية. أما الإنتفاضة فلا تحتاج شيئا، إنها تكفي ذاتها " أتسمعون ؟ "الإنتفاضة لا تحتاج شيئا", هذه هي بالضبط، أيها المستمعون الأعزاء, الإحالة التي سنستخدمها لنقرب من الحقيقة. وأن الكاتب يردد بإصرار أن الذي انتصر في أكتوبر ليس استراتيجية لينين وإنما تكتيك تروتسكي. ومازال هذا التكتيك الآن يهدد، حسب تعبيره بالذات، طمأنينة الدول الأوروبية. "لا تشكل استراتيجية لينين –وهنا أنقل حرفيا عنه- أي خطر فوري على حكومات أوروبا. أما تكتيك تروتسكي فيشكل بالنسبة لها خطرا راهنا، بالتالي دائما." وبكلام ملموس أكثر :"لو أحللنا بونكاري محل كيرنسكي، لحقق الانقلاب البلشفي أكتوبر 1917 تماما النجاح نفسه." من الصعب التصديق بأن كتابا كهذا تجري ترجمته إلى لغات مختلفة ويتم استقباله بجدية.


عبثا، نسعى إلى إيضاح لماذا استراتيجية لينين، الخاضعة لشروط تاريخية, ضرورية بصورة عامة، إذا سمح "تكتيك تروتسكي" بحل المهمة نفسها في أي ظرف. وان كان يكفي الثورات الظافرة، لتنجح، بعض الوصفات التقنية، فلم هي بهذه الندرة؟


إن الحوار الدائر بين لينين وتروتسكي كما يقدمه الكاتب الفاشستي هو من حيث روحه كما من حيث شكله بدعة بلهاء من البداية إلى النهاية. ومثل هذه البدع منتشرة كثيرا في العالم. وعلى سبيل المثال, يجري الآن في مدريد طبع كتاب منسوب إلى :"حياة لينين" ومسؤوليتي عنه بنفس قدر مسؤوليتي عن وصفات ملا بارت التكتيكية. وقد عرضت مجلة مدريد الأسبوعية "أستمبا" على أفضل الأوراق فصولا كاملة من هذا الكتاب المزعوم لتر وتسكي حول لينين، تحتوي على إهانات شنيعة لذكرى الإنسان الذي قدرته وأقدره أكثر بما لا يقاس من أي من معاصري.


ولكن، لنترك الملفقين لمصيرهم. كان يحلو لويلهام ليبنخت العجوز، والد المقاتل والبطل الخالد كارل ليبنخت، الترداد: على الإنسان السياسي الثوري أن يتمتع بجلد غليظ. وكان الدكتور ستوكمن، بصورة أكثر تعبيرا أيضا، يوصي الذي ينوي مجابهة الرأي العام الإجتماعي أن لا يلبس سراويل جديدة.


إننا نسجل هاتين النصيحتين المفيدتين وثم ننتقل إلى جدول الأعمال.
فما هي التساؤلات التي توقظها ثورة أوكتوبر عند إنسان يفكر؟
1) لماذا وكيف انتصرت هذه الثورة ؟ وبدقة أكثر: لماذا انتصرت الثورة البروليتارية في أحد أكثر بلدان أوروبا تأخرا؟
2) بماذا أتت ثورة أكتوبر؟
وأخيرا :
3) هل أثبتت قدرتها؟ 

أسباب أكتوبر


ومن الآن يمكننا أن نعطي جوابا كاملا على السؤال الأول, المتعلق بالأسباب. وقد حاولت القيام بهذا الشكل الأكثر وضوحا في كتابي "تاريخ الثورة الروسية". ولا يسعني هنا إلا أن أعرض أهم الاستنتاجات.


ان كون البروليتاريا قد توصلت لأول مرة إلى الحكم في بلد بمثل تخلف روسيا القيصرية القديمة لا يبدو غامضا إلا لأول نظرة. أما في الواقع، فهو منطقي تماما. وكان يمكن توقعه وقد تم ذلك. لا بل أكثر من ذلك: لقد وضع الثوريون الماركسيون استراتيجيتهم حول النظرة لهذا الواقع، قبل وقوع الأحداث الحاسمة بفترة طويلة.


إن التفسير الأولي هو الأعم: فروسيا بلد متأخر ولكنها ليست إلا مجرد جزء من الإقتصاد العالمي، إلا عنصرا في النظام الرأسمالي العالمي. وقد حل لينين لغز الثورة الروسية بهذا المعني في تعبير قاطع: أن السلسلة قد انقطعت عند حلقتها الأكثر ضعفا.


إن أبانة واضحة هي:  أن الحرب الكبرى التي انبثقت عن تناقضات الإمبريالية العالمية قد جرت في دوامتها بلدانا على مراحل مختلفة من التطور، ولكنها أرغمت كافة المشاركين على أداء نفس المتطلبات. ومن الجلي أنه لابد أن أعباء الحرب شكلت أول من أجبر على الإنسحاب. ولكنه توجب على الشعب الروسي القضاء على الطبقات المسيطرة، في سبيل تركه الحرب. وهكذا انقطعت سلسلة الحرب عند أضعف حلقاتها.


بيد أن الحرب على خلاف الهزة الأرضية لا تمثل كارثة حلت من الخارج، إنها كما يقول كلاوزفيتز العجوز، استمرار للسياسة بوسائل أخرى. ولم يكن من اتجاهات النظام الإمبريالي الرئيسية أيام "السلم" إلا أن تجلت أثناء الحرب بجدة أكثر. وكلما كانت القوى المنتجة العامة على مستوى أعلى. والمنافسة العالمية أكثر تأزما، والتنافرات أكثر حدة، والسباق إلى التسلح أكثر جموحا، كلما أصبح وضع أضعف المشاركين شاقا. لذلك بالذات تحتل البلدان المتأخرة المراتب الأولى في سلسلة الانهيارات. إن سلسلة الرأسمالية العالمية تميل دائما إلى الانقطاع عند أضعف حلقة.


ولو أعيدت الرأسمالية الروسية على امتداد الأراضي السوفياتية الشاسعة على إثر بعض الظروف الاستثنائية أو غير المؤاتية للغاية (مثلا تدخل عسكري ظاهر من الخارج، أو أخطاء لا تعوض للحكومة السوفييتية نفسها)، فسيعاد معها في الوقت نفسه بصورة حتمية عجزها التاريخي، وستقع هي بالذات بعد مدة وجيزة ضحية نفس التناقضات التي أدت بها في سنة 1917 إلى الانفجار. فما من وصفة تكتيكية كان بوسعها أن تهب الحياة لثورة أكتوبر لو لم تكن روسيا تحملها في جسمها. وليس في وسع الحزب الثوري في النهاية أن يطمح لنفسه إلا بدور المولد المضطر إلى اللجوء الى عملية قيصرية.


وقد يمكن لإمرىء أن يعترض قائلا: يمكن لتأملاتك العامة أن تفسر بشكل كاف لماذا كان على روسيا القديمة، ذلك البلد حيث تتوج وجود الرأسمالية المتأخرة بقرب الفلاحين البائسين طبقة نبلاء طفيلية ونظام ملكي متعفن، كان عليها أن تغرق. ولكن مازال ينقص صورة السلسلة والحلقة الأضعف مفتاح اللغز بحد ذاته: كيف كان بوسع الثورة الإشتراكية أن تنتصر في بلد متأخر؟ ان التاريخ يعرف الكثير من أمثال انحطاط بلدان وثقافات مع انهيار الطبقات القديمة معا لعدم وجود أي بديل تقدمي. وكان على انهيار روسيا القديمة، للنظرة الأولى, أن يحول البلاد إلى مستعمرة رأسمالية بدلا من تحويلها الى دولة اشتراكية.


إن هذا الاعتراض لجدير بالانتباه. فهو يقودنا مباشرة إلى قلب المشكلة كلها. ومع ذلك فهذا الاعتراض خاطئ ، وقد أقول انه عديم التناسب الداخلي . انه ينبع من جهة من تصور مبالغ في ما يخص تأخر روسيا، ومن جهة أخرى من مفهوم نظري خاطئ فيما يخص ظاهرة التأخر التاريخي عامة.


تمر الكائنات الحية، والبشر طبعا كذلك كغيرهم، تبعا لأعمارها بأطوار نمو متشابهة. فثمة تقابل معين بين الوزن ودائرة الخصر والأعضاء الداخلية، عند طفل عادي في الخامسة من عمره. ولكن الأمر يغدوا، حتى هنا، مختلفا لوعي الإنسان. وتتميز البسيكولوجية ، بسيكولوجية المرْء مثل بسيكولوجية الجماعة، وبعكس التكوين الجسمي والفيزيولوجيا بقدرة الاستيعاب الفائقة, وبالمرونة والمطاطية: وفي هذا بالذات يمكن أيضا التفوق الأرستقراطي للإنسان على أقرب أقاربه الحيوانيين من نوع القرود. ان الوعي القادر على الاستيعاب والمرن، يكسب "الأجسام" المسماة بالاجتماعية، كشرط ضروري للتقدم التاريخي، وبخلاف الأجسام الفاعلة أي البيولوجية, إمكانية فائقة في تغيير البنية الداخلية. فليس في تطور الأمم والدول، والدول الرأسمالية بالأخص، لا مشابهة ولا تماثل. فكثيرا ما تقاربت وتركبت درجات مختلفة من الثقافة، وحتى في أقطابها، في حياة بلد واحد لا غير.


دعونا لا يغيب عن بالنا، أيها المستمعون الأعزاء، أن التأخر التاريخي مفهوم نسبي, وان وجدت بلدان متأخرة وأخرى متقدمة، فهناك أيضا تأثير متبادل فيما بينها. هناك ضغط البلدان المتقدمة على المتأخرة. وهنالك بالنسبة للبلدان المتأخرة ضرورة اللحاق بالمتقدمة، والاستعانة بتقنيتها وعلمها، الخ. هكذا ينبثق نموذج مركب من التطور: فتقترن سمات تأخر بأخر إنجازات التقنية العالمية والفكر العالمي. وأخيرا فقد ينجم أحيانا على البلدان المتأخرة تاريخيا أن تتجاوز المتقدمة، في سبيل تخطي تأخرها.


ان مرونة الوعي الجماعي تمكن في ظروف معينة من التوصل على الساحة الاجتماعية إلى النتيجة المسماة في مجال علم النفس الفردي ب"التعويض". وبهذا المعنى باستطاعتنا القول أن ثورة أكتوبر شكلت بالنسبة لشعوب روسيا وسيلة بطولية من أجل تخطي نقصها الإقتصادي والثقافي الخاص.
ولكن فلنتخط هذه التعميمات التاريخية-السياسية، لبتي قد تكون زائدة التجريد بعض الشيء، إلى طرح السؤال نفسه بشكل ملموس أكثر، أي من خلال الوقائع  الاقتصادية الحية. ويعبر تأخر روسيا القرن العشرين عن نفسه على أوضح صورة كالتالي: تحتل الصناعة مكانا ضئيلا بالمقارنة مع القرية، وكذلك البروليتاريا مقابل الجماهير الفلاحية. وهذا بالإجمال يعني إنتاجية منخفضة للعمل القومي. ويكفي القول بأن الدخل القومي عشية الحرب، عندما بلغت روسيا القيصرية أوج ازدهارها، كان من ثماني إلى عشر مرات أقل منه من الولايات المتحدة. إن هذا يعبر رقميا عم "مدى" التأخر، هذا إذا كان ممكنا بوجه عام استعمال كلمة مدى بالنسبة للتأخر.


في الوقت نفسه يعبر قانون التطور المركب عن نفسه في المجال الإقتصادي عند أي خطوة، في الظاهرات البسيطة كما في الظاهرات المعقدة. لقد وجدت روسيا نفسها مضطرة إلى بناء خطوط حديدية، دون أن يكون لديها تقريبا طرق معبدة كبيرة. وقد انتقلت روسيا مباشرة إلى المؤسسات الممكنة دون أن تمر بالحرفية على الطراز الأوروبي والمانيفاكتوره. إن القفز عن المراحل الوسطية هو مصير البلدان المتأخرة.


كانت الصناعة في روسيا، إن لم يكن بطاقتها فعلى الأقل بنموذجها، في مستوى تطور البلدان المتقدمة وكانت تتجاوزها من نواح عديدة، بينما كان اقتصادها الزراعي في أماكن كثيرة في مستوى القرن السابع عشر. ويكفي القول أن المؤسسات العملاقة التي تضم أكثر من ألف عامل كانت تشكل في الولايات المتحدة أقل من  18% من مجموع العمال الصناعيين مقابل أكثر من 41% في روسيا. ويصعب التوفيق بين هذا الواقع والمفهوم المبتذل لتأخر روسيا الإقتصادي. غير أنه مع ذلك لا يتناقض والتأخر بل يكمله ديالكتيكييا.


وكانت بنية البلد الطبقية تحمل أيضا نفس الطابع المتناقض. لقد صنع الرأسمال المالي الأوروبي الإقتصاد الروسي بوثيرة متسارعة. فاكتسبت البورجوازية الصناعية حالا مذاك طابع الرأسمالية الكبيرة، عدوة الشعب. وزيادة على ذلك، كان أصحاب الأسهم الأجانب يعيشون خارج البلد. بينما كان العمال بالمقابل روسيا بالطبع. وهكذا أصبحت بورجوازية روسية ضعيفة عدديا لا تملك أية جذور قومية، بمواجهة بروليتاريا قوية نسبيا وتملك جذورا قومية وعميقة في الشعب.


وساهم في الطابع الثوري للبروليتاريا أن روسيا، وبالضبط بوصفها بلدا متأخرا ومضطرا إلى اللحاق بالأخصام، لم تكن توصلت إلى إنتاج نزعة محافظة اجتماعية أو سياسية خاصة بها. إن أقدم بلد رأسمالي، أي إنكلترا، يؤكد ما سبق وذكرت، بوصفه البلد الأكثر محافظة في أوروبا وحتى في العالم أجمع. وقد تكون روسيا البلد الأوروبي الأكثر تحررا من النزعة المحافظة.
إلا أن البروليتاريا الروسية الفتية، الندية، المليئة بالعزم، كانت ما فتئت لا تشكل إلا أقلية ضئيلة من الأمة. وكان احتياطي قوتها الثورية موجودا خارج البروليتاريا بالذات:   في الفلاحين، الذين كانوا يعيشون في نصف قنانة، وفي القوميات المضطهدة.

 

الفلاحون


كانت المسألة الزراعية تشكل قاعدة الثورة. وكان نظام قنانة الدولة-الملكية القديم لا يحتمل بصورة مضاعفة في ظروف الاستغلال الرأسمالي الجديد.  إن مجموع الأراضي الزراعية كان يحتل حوالي 140 مليون دسياتينة.  وكان 20 ألفا من كبار الملاكين العقاريين الذين يمتلك كل منهم    كمعدل 2000 دسياتينة يحوزون على ما مجموع 70 مليون دسياتينة أي نفس ما تحوز عليه 10 ملايين عائلة فلاحية، أو 50 مليون نسمة تؤلف السكان الزراعيين. إن هذا الإحصاء للأرض كان بحد ذاته برنامجا كاملا للتمرد الفلاحي.


لقد كتب أحد النبلاء، بوبوركين، عام 1917 إلى حاجب الملك رودزيانكو رئيس آخر دوما للدولة، قائلا: "إنني ملاك عقاري ولا يطرق بالي أنني يتوجب علي خسارة أرضي، وخاصة من أجل هدف لا يصدق، من أجل اختبار التعليم الإشتراكي" إنما مهمة الثورات هي بالضبط انجاز مالا يدخل في قناعة الطبقات السائدة.


في خريف 1917 بلغت الإنتفاضة الفلاحية تقريبا البلاد كلها. فقد طالات الحركة، من أصل 621 مقاطعة لروسيا القديمة، 482 واحدة أي 77% منها. كان وهج حريق القرية يضيء ساحة الإنتفاضة في المدن.


ولكنكم ستعترضون قائلين أن الحرب الفلاحية ضد الملاكين العقاريين هي أحد العناصر الكلاسيكية للثورة البورجوازية وليس أبدا للثورة البروليتارية !


وأنا أجيب: ذلك صحيح تماما، هكذا كان في الماضي ! إنما عجز المجتمع البرجوازي عن الحياة في بلد متأخر تاريخيا هو بالضبط ما يعبر عنه بالذات أن الإنتفاضة الفلاحية لا تدفع بالطبقات البرجوازية في روسيا إلى الأمام ولكنها على العكس ترميها نهائيا في معسكر الرجعية. وإذا لم يرد الفلاحون أن يغرقوا فلم يبق أمامهم شيء غير التحالف مع البروليتاريا الصناعية. لقد تنبأ لينين بصورة عبقرية بهذا الوصل الثوري بين الطبقتين المضطهدتين، وهيأ له طويلا.


لو تم حل المسألة الزراعية بشجاعة من قبل البورجوازية لما توصلت البروليتاريا الروسية، بالتأكيد، أبدا إلى استلام زمام السلطة  (كلمات غير واضحة في الورقة الأصلية) بيد أن البورجوازية الروسية، التي جاءت متأخرة، والتي أصابها التداعي باكرا، والجشعة والجبانة، التي لم تجرؤ على أن ترفع يدها ضد الملكية الإقطاعية، هكذا سلمت السلطة للبروليتاريا وسلمتها في الوقت نفسه الحق في تقرير مصير المجتمع البورجوازي.


لتتحقق الدولة السوفييتية، كان ضروريا بالتالي الفعل المركب لعاملين من طبيعة تاريخية مختلفة: الحرب الفلاحية، أي حركة تميز بزوغ التطور البورجوازي، والانتفاضة البروليتارية التي تعلن غروب الحركة البرجوازية. وفي هذا بالذات يكمن الطابع المركب للثورة الروسية.


فليقف  الدب الفلاحي مرة على قدميه الخلفيتين، وسيغدو مخيفا في غضبه. بيد أنه ليس بوسعه إعطاء سخطه تعبيرا واعيا. انه بحاجة لقائد. وقد وجدت الجماهير الفلاحية المنتفضة للمرة الأولى في تاريخ العالم قائدا مخلصا في البروليتاريا.


 4 ملايين عامل في الصناعة والمواصلات يقودون 100 مليون فلاح. تلك كانت النسبة الطبيعية الحتمية بين البروليتاريا والفلاحين في الثورة.


المسألة القوميـة


لقد شكلت الأمم المضطهدة، وهي أيضا على كل ذات تركيب فلاحي مهيمن، الاحتياطي الثوري الثاني للبروليتاريا. ويرتبط الطابع التوسعي لنمو الدولة، التي تمتد كبقعة دهنية من المركز الموسكوبي حتى الدائرة الخارجية، ارتباطا وثيقا بتأخر البلاد التاريخي. إنها تخضع في الشرق شعوبا أكثر تأخرا أيضا، محاولة بالاستناد عليها أن تخنق بصورة أفضل القوميات الأكثر تطورا في الغرب. وانضم بالتتابع إلى العشر ملايين من الروس الذين كانوا يشكلون جمهور السكان الأساسي، 90 مليونا من "الدخلاء".


هكذا تكونت الإمبراطورية التي لم تكن الأمة المسيطرة تؤلف في تركيبها سوى 42 % من السكان في حين كان 75% الباقون ينتمون الى القوميات ذات ثقافة ونظم مختلفة. وكان الضغط القومي في روسيا أعنف بما لا يقاس منه في الدول المجاورة، والحق يقال ليس فقط بالنسبة للبلدان التي تقع في الطرف الآخر من الحدود الشرقية أيضا. مما أعطى المشكلة القومية قوة متفجرة هائلة.


لم تكن البورجوازية الليبرالية الروسية تريد, لا في المسألة القومية ولا في المسألة الزراعية، أن تتجاوز بعض التخفيفات في نظام الاضطهاد والعنف. وقد سارعت حكومات ميليوكوف وكرنسكي "الديموقراطية" التي تعكس مصالح البورجوازية والبيروقراطية، خلال الأشهر الثمانية من وجودها، إلى إفهام الأمم المستاءة هذا الشأن بالضبط: لن تنالوا الا ما ستنتزعونه بالقوة.


كان لينين قد اخد بعين الاعتبار منذ وقت مبكر جذا حتمية نمو الحركة القومية التي تميل الى الانفلات عن المركز. وقد ناضل الحزب البلشفي طوال سنوات بعناد في سبيل حق الأمم في تقرير مصيرها، أي في سبيل الحق في تشكيل دولة منفصلة كليا. ولم تنجح البروليتاريا الروسية شيئا فشيئا في كسب ثقة الشعوب المضطهدة إلا من خلال هذا الموقف الجريء تجاه المسألة القومية. وقد استدارت حركة التحرر القومي، ومثلها أيضا الحركة الفلاحية، بطبيعة الحال في وجه الديموقراطية الرسمية، معززة البروليتاريا ومندفعة في تيار انتفاضة أكتوبر.


الثورة الدائمـة


هكذا يتضح لنا، شيئا فشيئا، لغز الانتفاضة البروليتارية في بلد متأخر تاريخيا.


لقد توقع الثوريون الماركسيون قبل وقوع الأحداث بوقت طويل سير الثورة والدور التاريخي للبروليتاريا الروسية الفتية. وقد يسمح لي بان أقدم هنا مقتطفا من كتابي الخاص حول سنة 1905:
"يمكن للبروليتاريا في بلد أكثر تأخرا من الناحية الاقتصادية أن تستلم السلطة قبلها في بلد رأسمالي متقدم...
"إن الثورة الروسية ستخلق ... الظروف التي يمكن للسلطة معها (ومع انتصار الثورة يجب عليها) المرور الى أيدي البروليتاريا قبل أن يتسنى لسياسة الليبرالية البورجوازية إظهار براعتهم كاملة كرجال دولة.


"... يرتبط مصير المصالح الثورية الأولية للفلاحين... بمصير الثورة، أي بمصير البروليتاريا. المستلمة للسلطة ستظهر للفلاحين كالمحرر الطبقي.


"وتدخل البروليتاريا إلى الحكومة كممثلة للامة، كقائد معترف به من قبل الشعب المناضل ضد الحكم المطلق وضد بربرية القنانة...


"ويستوجب على النظام البروليتاري منذ البداية أن يسعى لحل المسألة الزراعية التي ترتبط بها مسألة مصير جماهير شعبية غفيرة في روسيا."
لقد أجزت لنفسي أن أتقدم بهذا الاستشهاد، لأظهر أن نظرية ثورة أكتوبر كما أقدمها اليوم ليست ارتجالا سريعا ولم توضع لاحقا في اثر ضغط الأحداث. لا، بل أنها طرحت بشكل تكهن سياسي قبل انتفاضة أكتوبر بزمن طويل. إنكم توافقون على أن النظرية لا قيمة لها بصورة عامة إلا بقدر ما تساعد في توقع مجرى التطور وفي التأثير عليه نحو أهدافها. وفي هذا بالذات تكمن، إذا تكلمنا بشكل عام، أهمية الماركسية التي لا تقدر بثمن، كسلاح للتوجه الإجتماعي والتاريخي. وأنني آسف لأن الإطار الضيق للعرض لا يسمح لي بتوسيع الاستشهاد السابق، ولذا فسأكتفي بتلخيص موجز لكل كتاب سنة 1905.


إن الثورة الروسية هي من حيث مهامها المباشرة ثورة برجوازية. ولكن البرجوازية الروسية معادية للثورة. وبالتالي فليس انتصار الثورة ممكنا إلا كانتصار للبروليتاريا. لكن البروليتاريا المنتصرة لن تتوقف عند برنامج الديموقراطية البورجوازية، بل ستنتقل إلى تحقيق برنامج الإشتراكية. وستصبح الثورة الروسية المرحلة الأولى للثورة الإشتراكية العالمية.


هذه كانت نظرية الثورة الدائمة التي وضعتها في سنة 1905 والتي تعرضت مذاك لالذع النقد تحت إسم "التروتسكية".


وبكلام أفضل: ليس هذا إلا جزءا من هذه النظرية. أما الجزء الآخر وهو الآن شديد الحالي