الثورة المغدورة

الفصل الثامن

 

السياسة الخارجية و الجيش

 

 من الثورة العالمية الى "الوضع الراهن

تعتبر السياسة الخارجية دائما و في كل مكان استمرارا للسياسة الداخلية لانها سياسة الطبقة الحاكمة نفسها و تتبع الهدف ذاته. لذا رافق انحطاط الفئة الحاكمة في الاتحاد السوفيتي تعديل ملائم لاهداف و اساليب الديبلوماسية السوفياتية. و ظهرت "نظرية" الاشتراكية في بلد واحد للمرة الاولى في خريف 1924 و كانت تعني محاولة تخليص السياسة الخارجية السوفياتية من برنامج الثورة العالمية. لم تضع البيروقراطية نصب عينها مع ذلك قطع علاقتها مع الاممية الشيوعية خوفا من انقلاب هذه الاممية الى معارضة عالمية ضدها و ما يمكن ان يحدثه ذلك من خلل في توازنات القوى داخل الاتحاد السوفياتي نفسه. على العكس من ذلك فكلما قل استرشاد الكرملين بالروح الاممية القديمة كلما كان زعماء الكرملين يتمسكون بالاممية الثالثة بشدة اكبر. كان على الاممية الشيوعية  ان تخدم اهدافا جديدة في الوقت الذي تحتفظ فيه بتسميتها ذاتها. من هنا كان عليها ان تاتي برجال جدد. و اعتبارا من عام 1923 يتلخص تاريخ الاممية الشيوعية في عمليات تجديد قيادتها الموسكوفية و قيادات الفروع القومية عن طريق ثورات القصر و عمليات التطهير على الطلب و عمليات الطرد...الخ. و لم تعد الاممية الشيوعية في الوقت الحاضر سوى اداة طيعة جاهزة لتقبل كل التعرجات في خدمة السياسة الخارجية السوفياتية1.

لقد  قطعت البيروقراطية صلاتها مع الماضي. ليس هذا و حسب بل فقدت كذلك القدرة على فهم الدروس الاساسية و اهمها ان سلطة السوفياتات لم تكن لتصمد سنة واحدة لولا دعم البروليتاريا العالمية عامة و الاوروبية خاصة و لولا الحركة الثورية لشعوب المستعمرات. ان العسكرية الالمانية – النمساوية اذا كانت لم تستطع تعميق هجومها ضد روسيا السوفياتية الى اقصى مداه فلانها شعرت على عنقها باللهاث الحارق للثورة. فثورات المانيا و النمسا و المجر ادت في  ظرف تسعة اشهر  الى الغاء معاهدة بريست- ليتوفسك،  و انتفاضات اسطول البحر الاسود في نيسان / ابريل 1919 اجبرت حكومة  الجمهورية الثالثة2 على التخلي عن فكرة توسيع العمليات العدوانية في جنوب البلاد السوفياتية.  وجلت الحكومة الانجليزية عن الشمال في ايلول / سبتمبر 1919 تحت ضغط العمال البريطانيين بالذات.  كما ان موجة من الاحتجاجات  الثورية منعت دول الوفاق بعد تراجع الجيوش الحمراء عن فرصوفيا في عام 1920 من مساعدة بولونيا لتوجيه ضربة حاسمة للسوفياتات.  و في عام 1923 اطلق كورزون3 انذاره ضد موسكو  و لكنه وجد يديه مقيدتين نتيجة مقاومة التنظيمات العمالية الانجليزية. و ليست هذه الحلقات منعزلة انها تحدد اولى مراحل حياة السوفياتات و اكثرها صعوبة. و مع ان الثورة لم تنتصر الا في روسيا فان الامال التي كانت معقودة على الثورات الاخرى لم تكن بدون جدوى. و لقد وقعت الحكومة السوفياتية نذ ذاك عدة معاهدات مع دول برجوازية: معاهدة بريست – ليتوفسك  في اذار / مارس 1918 و معاهدة مع استونيا في شباط / فبراير 1920 و معاهدة راباللو مع المانيا في نيسان / ابريل 1922 و اتفاقات ديبلوماسية اخرى اقل اهمية. و لكن الحكومة السوفياتية لم تفكر لحظة  بتقديم شركائها البرجوازيين "كاصدقاء للسلام" كما لم تفكر  بدعوة  الاحزاب الشيوعية  في المانيا و استونيا و بولونيا الى دعم الحكومات البرجوازية التي وقعت هذه المعاهدات باصواتها الانتخابية. و هذا امر هام بالنسبة لتربية الجماهير ثوريا. و لم تكن السوفياتات قادرة على رفض السلم في بريست -  ليتوفسك تماما كما لا يستطيع المضربون المنهكون رفض الشروط القاسية التي يمليها صاحب العمل. و لكن موافقة الاشتراكيين- الديمقراطيين الالمان على هذه المعاهدة بامتناعهم المنافق عن التصويت فضحها البلاشفة و كشفوا حقيقتها كدعم للقراصنة و عنفهم. و مع ان معاهدة راباللو قد عقدت بعد اربع سنوات على اسس الحقوق المتساوية للاطراف الموقعة عليها لم يفكر الحزب الشيوعي الالماني بتاييد ديبلوماسية بلاده و لو فعل هذا لطرد من الاممية فورا. لقد كانت فكرة السياسة الخارجية  السوفياتية الاساسية ترتكز  على اعتبار الاتفاقات التجارية  و الديبلوماسية و العسكرية مع الاستعماريين وهي اتفاقات لا بد منها لا يجب ان توقف نضال البروليتاريا في البلاد الراسمالية صاحبة العلاقة او تضعفه لان انقاذ الدولة  العمالية لا يتم الا بتطور الثورة العالمية. وعندما عرض تشيتشرين4 خلال التحضيرات لمؤتمر جينيف فكرة القيام بتعديلات "ديمقراطية" للدستور السوفياتي بغية ارضاء "الراي العام" الامريكي اصر لينين برسالة رسمية في 22 كانون الثاني / يناير 1922 على ارسال تشيتشرين بدون ابطاء الى مصحة للراحة. و لو سمح احدهم لنفسه انذاك بعرض شراء  تاييد الاستعماريين بالانضمام مثلا الى معاهدة جوفاء كاذبة من مثل معاهدة كيللوغ او بالحد من نشاط الاممية الشيوعية لما تاخر لينين بارسال هذا المجدد الى مستشفى الامراض العقلية و لما عارضه في ذلك اي عضو من اعضاء المكتب السياسي. و

لم يكن مسؤولو تلك الايام يتسامحون اطلاقا تجاه الاوهام السلمية من مثل عصبة الامم و الامن الجماعي  و التحكيم و نزع السلاح...الخ. لانهم كانوا يرون فيها وسيلة لتخدير و اضعاف يقظة الجماهير العمالية بغية مفاجاتها عندما تندلع نيران الحرب الجديدة. و يتضمن برنامج الحزب الذي  وضعه لينين و تبناه مؤتمر 1919 مقطعا لا لبس فيه في هذا الصدد: "يؤدي ضغط البروليتاريا المتزايد و انتصاراتها على وجه الخصوص في بعض البلاد الى زيادة مقاومة  الاستغلاليين و يدفعهم نحو اشكال جديدة من التجمعات الراسمالية العالمية (عصبة الامم ...الخ) التي تنظم على المستوى العالمي استغلال شعوب الكرة الارضية و تحاول بالتالي قبل كل شيء لجم الحركة العمالية الثورية العالمية. و يؤدي هذا بصورة حتمية الى حروب اهلية في العديد من البلدان ترافقها حروب ثورية  في البلدان البروليتارية التي تدافع عن نفسها و عند الشعوب المسحوقة المنتفضة ضد القوى الامبريالية. في مثل هذه الظروف لا تصبح شعارات السلام مثل نزع السلاح العالمي في ظل النظام الراسمالي  و محاكم التحكيم ...الخ طوباوية رجعية و حسب بل تخدع العمال لنزع سلاحهم و ابعادهم عن مهمتهم الرامية  الى تجريد الاستغلاليين من السلاح". و تشكل هذه السطور الماخوذة من البرنامج البلشفي ادانة مسبقة قاسية للسياسة الخارجية السوفياتية الحالية و سياسة الاممية الشيوعية و سياسة كل "اصدقائها" دعاة السلام في كل اجزاء العالم..

لقد كان  الضغط الاقتصادي العسكري من جانب العالم الراسمالي على الاتحاد السوفياتي بعد انتهاء فترة العدوان و الحصار اقل قوة حقا مما كنا نخشاه و عاشت اوروبا وسط ذكريات الحرب الماضية لا في جو الحرب المقبلة. ثم جاءت ازمة اقتصادية عالمية اذهلت الطبقات الحاكمة في العالم اجمع. و سمحت هذه الظروف للاتحاد السوفياتي بتجربة الخطة الخمسية الاولى في حين وقعت البلاد من جديد فريسة الحرب الاهلية و المجاعة و الاوبئة. و لقد حملت السنوات الاولى للخطة الخمسية الثانية  تحسنا ملموسا للوضع الداخلي ترافق مع بداية خمود الازمة في البلدان الراسمالية و مع موجات الامل و المطامع و فقدان الصبر و اعادة التسلح. ان خطر عدوان مشترك على الاتحاد السوفياتي لا يشكل في نظرنا خطرا ملموسا الا  لان البلاد السوفياتية ما زالت منعزلة و لان معظم "الجزء السادس من العالم" عبارة عن مملكة للهمجية البدائية  و لان مردود العمل فيها ما يزال رغم التاميم اقل بكثير مما هو عليه في البلاد الراسمالية و اخيرا لان تجمعات البروليتاريا العالمية الرئيسية مهزومة تفتقد الى قيادة حقيقية و الى ثقة بالنفس. هكذا فان ثورة اوكتوبر التي كان زعماؤها يعتبرونها منطلقا للثورة العالمية لمنها اصبحت تحت ضغط الواقع عاملا لذاته تكشف في هذه الحقبة التاريخية الجديدة اعتمادها العميق على تطور الوضع العالمي. غدا بديهيا من جديد ان السؤال التاريخي "من سينتصر؟" لا يمكن الاجابة عليه ضمن الحدود القومية. كما ان النجاحات او الهزائم الداخلية تحفر الشروط الملائمة الى هذا الحد او ذاك لحسم المسالة عالميا.

لقد اكتسبت البيروقراطية السوفياتية  خبرة واسعة في التعامل مع الجماهيرالبشرية سواء لتنويمها او تجزئتها او اضعافها او لخداعها بغية فرض سلطتها المطلقة عليها .  الا انها لهذا السبب بالذات فقدت كل قدرة على تربيتها تربية ثورية. فبعد ان اخمدت عفوية اندفاع الجماهير الشعبية في بلادها اصبح من العسير عليها ان تثير في العالم الجراة الثورية و الفكر النقدي. وهي تفضل من حيث هي تشكيلة حاكمة متميزة صداقة و مساعدة البرجوازيين الراديكاليين او البرلمانيين الاصلاحيين او البيروقراطيين النقابيين الغربيين على صداقة  و مساعدة العمال الذين تفصلها عنهم هوة عميقة. و لن نبحث هنا  تاريخ انهيار الاممية الثالثة و انحطاطها فقد افرد لها كاتب هذه السطور عدة دراسات خاصة مترجمة الى كل لغات العالم المتقدم تقريبا. و لكننا سنذكر  ان البيروقراطية السوفياتية بوصفها قائدة للاممية الشيوعية قد سببت بجهلها و عدم تحملها اعباء المسؤولية و ميولها المحافظة  تشبعها بروح قومية قصيرة النظر كثيرا من الكوارث للحركة العمالية العالمية. و كما لو كان يدفع الاتحاد السوفياتي اليوم نوعا من الفدية التاريخية اذ يتاثر وضعه الحاضر بعزيمة البروليتاريا العالمية اكثر بكثير مما يتاثر بنجاحات الاشتراكية في بلد منعزل. و يكفي ان نتذكر ان هزيمة الثورة الصينية في اعوام 1925 –1927 التي اطلقت يدي العسكرية اليابانية في الشرق الاقصى و انهيار البروليتاريا الالمانية الذي قاد هتلر الى النصر و حمى  التسلح في الرايخ الثالث هما من ثمار سياسة الاممية الشيوعية ايضا. ان البيروقراطية التريموديرية التي خانت الثورة العالمية في حين اعتبرت انها ضحية خيانة تلك الثورة تحدد لنفسها هدفا رئيسيا هو "تحييد" البرجوازية. هكذا تجد لزاما عليها ان ترتدي مظهرا معتدلا قوميا و كانها حارس حقيقي للنظام. لكن من اجل ان تتخذ هذا المظهر باستمرار لا بد ان يصبح جوهرها مع مرور الوقت و قد ساعدها في ذلك التطور العضوي للاوساط الحاكمة. ان البيروقراطية التي تراجعت خطوة اثر خطوة بنتيجة فداحة اخطائها اصبحت تتصور ان تامين سلامة الاتحاد السوفياتي  كامن في ضم الاتحاد السوفياتي الى نظام "الوضع الراهن" في اوروبا الغربية. و هل هنالك افضل من معاهدة عدم اعتداء دائمة بين الراسمالية و الاشتراكية؟ ان الصيغة الحالية للسياسة الخارجية الرسمية التي تنشرها الديبلوماسية السوفياتية بشكل واسع و يسمح لها هكذا ان تتكلم اللغة المتعارف عليها في المهنة كما تنشرها كذلم الاممية الشيوعية فيتعين عليها التعبير عن نفسها بلغة الثورة هذه الصيغة تقول: " نحن لا نريد شبرا من الارض الاجنبية و لكننا لن نتخلى عن شبر واحد من ارضننا" و كان الامر صراع على الارض لا صراع عالمي لنظامين لا يمكن ان يلتقيا! عندما اعتقد الاتحاد السوفياتي ان من التعقل التخلي عن سكك حديد الصين الشرقية لصالح اليابان اظهرت الدعاية هذا العمل المستخذي الذي حضرت له هزيمة الثورة الصينية و كانه مظهر من مظاهر القوة و الحفاظ على السلام. علما بان اعطاء هذا الطريق الاستراتيجي بالغ الاهمية للعدو سهل مهمته و ساعده في معاركه و انتصاراته في شمال الصين و في اعتداءاته على منغوليا. و لم تؤد هذه التضحية الاجبارية الى تحييد الخطر و لكنها منحت الاتحاد السوفياتي في احسن الاحوال استراحة مؤقتة و اثارت في الوقت ذاته اطماع الطغمة العسكرية في طوكيو.

ان قضية منغوليا هي قضية  المواقع الاستراتيجية اليابانية الامامية في وجه الاتحاد السوفياتي. لذا اعلنت الحكومة السوفياتية انها سترد على اجتياح منغوليا بالحرب و الحال ان الامر لا يتعلق هنا بالدفاع عن "ارضنا" فمنغوليا دولة مستقلة5.

كان  الدفاع السلبي عن الحدود السوفياتية يبدو كافيا حين لم يكن هنالك من يهدد هذه الحدود جديا. و الدفاع الحقيقي هو اضعاف مواقع الامبريالية و تقوية مواقع البروليتاريا و الشعوب المستعمرة في العالم الاجمع. ان اضطراب ميزان القوى ضد مصلحتنا يمكن ان يؤدي الى تخلينا عن العديد من اشبار  الارض كما حدث اثناء معاهدة بريست – ليتوفسك ثم اثناء توقيع معاهدة  ريغا او عندما اضطررنا للتخلي عن سكك حديد الصين الشرقية. ان النضال من اجل  ميزان القوى العالمية يفرض على الدولة العمالية ضرورة مساعدة الحركات التحررية في مختلف البلدان بشكل متواصل و هذه مهمة رئيسية تتناقض كليا مع سياسة "الوضع الراهن" المحافظة.

 

عصبة الامم و الاممية الشيوعية

 

ان التقارب مع فرنسا العائد الى انتصار النازية و الذي تحول فيما بعد الى اتفاق عسكري يؤمن لفرنسا حارسة "الوضع الراهن" الرئيسية مزايا و مكاسب اكبر بكثير مما يقدمه للاتحاد السوفياتي. اذ يقدم السوفيات المساعدة العسكرية لفرنسا عند الضرورة دون شروط وفقا لبنود المعاهدة بينما لا تقدم فرنسا اية مساعدة للاتحاد السوفياتي دون الموافقة المسبقة من جانب انجلترا و ايطاليا الامر الذي يفتح مجالا واسعا ﻠﻸلاعيب ضد الاتحاد السوفياتي. و لقد اثبتت احداث اجتياح القوات الهتلرية منطقة الراين انه كان بامكان موسكو لو هي تصرفت بحزم ان تحصل من فرنسا على ضمانات في عصر انعطافات مفاجئة و ازمات ديبلوماسية دائمة و عمليات تقارب و تباعد بين الدول. كما اثبتت الاحداث المتتالية ان الديبلوماسية السوفياتية تتصرف ضد عمال بلدها بشدة تفوق شدتها خلال المباحثات مع الديبلوماسيين البرجوازيين. اما الحجة القئلة بان مساعدة الاتحاد السوفياتي لفرنسا ستكون قليلة الفاعلية نظرا لعدم وجود حدود مشتركة بين الاتحاد السوفياتي و الرايخ فقول عديم الاهمية . فاذا اراد الالمان الاعتداء على الاتحاد السوفياتي وجدوا دون صعوبة الحدود اللازمة لذلك. اما اذا ما اعتدى الالمان على النمسا او تشيكوسلوفاكيا او فرنسا فان بولونيا لا تستطيع الالتزام بالحياد يوما واحدا: فاما ان تنفذ واجباتها نحو فرنسا  فتفتح حدودها للجيش الاحمر فورا او تمزق المعاهدة فتصبح تابعة لالمانيا و يجد الاتحاد السوفياتي بذلك "حدودا مشتركة". و من المتوقع ان تلعب "الحدود" البحرية و الجوية في الحرب المقبلة دورا هاما لا يقل عن دور الحدود البرية. ان الدعاية السوفياتية الجديرة بغوبلز و التي تقدم عملية انضمام الاتحاد السوفياتي الى عصبة الامم كانها انتصار للاشتراكية و نتيجة "لضغوطات" البروليتاريا العالمية لم تصبح مقبولة لدى البرجوازية الا بعد ان ضعف الخطر الثوري بصورة قصوى و هذا الانضمام ليس انتصارا للاتحاد السوفياتي انه استسلام البيروقراطية التريميدورية امام مؤسسة جنيف التي يعتبر البرنامج البلشفي  انها "تكرس جهودها الفورية لوقف اندفاعة الحركات الثورية". فما الذي تبدل جذريا منذ اصدار دستور البلشفية؟ هل تغيرت طبيعة عصبة الامم؟ ام وظيفة الدعوة الى السلام في العالم الراسمالي؟ ام تبدلت سياسة السوفياتات؟؟ ان طرح هذه الاسئلة يعني الاجابة عنها.

 لقد اظهرت التجربة ان الاشتراك في عصبة الامم لا يضيف شيئا الى المنافع العملية التي كان يمكن تامينها عن طريق الاتفاقات المنفصلة مع الدول البرجوازية و لكنه يفرض على العكس قيودا وواجبات ينفذها الاتحاد السوفياتي بدقة ليحافظ على سمعته الجديدة كدولة محافظة. فلكي يستطيع الاتحاد السوفياتي ملائمة سياسته مع سياسة فرنسا و حلفائها اضطر الى اتخاذ موقف غامض خلال الصراع بين ايطاليا و الحبشة. ففي الوقت الذي عبر فيه ليتفينوف6 الذي لم يكن في جينيف غير ظل لافال7 عن عرفانه بجميل الديبلوماسيين الفرنسيين و الانجليز لجهودهم "من اجل السلام"، تلك الجهود التي تكللت باحتلال الحبشة  تابع الاسطول الايطالي الحصول على تموينه من بترول القفقاس. و قد نفهم رغبة حكومة موسكو بالمحافظة على اتفاق تجاري ما و لكن النقابات السوفياتية لم تكن ملزمة اطلاقا بالاخذ بالاعتبار التزامات مفوضية التجارة الخارجية.

و لو اوقفت النقابات السوفياتية تصدير البترول السوفياتي الى ايطاليا بقرار منها لكان عملها نقطة انطلاق لحركة مقاطعة عالمية اكثر فعالية من "العقوبات" المنافقة المترددة المحسوبة مسبقا من قبل الديبلوماسيين و القانونيين المتفقين في الاصل مع موسوليني. ان النقابات التي جمعت في عام 1926 ملايين الروبلات لدعم اضراب عمال المناجم البريطانيين علنا  لم تحرك هذه المرة ساكنا و هذا لان البيروقراطية  حرمت عليها مثل هذه الاعمال مرضاة لفرنسا. الا انه لن يعوض اي تحالف عسكري يعقده الاتحاد السوفياتي في الحرب القادمة  خسارته ثقة شعوب المستعمرات و الجماهير الكادحة اجمالا.

فهل  يعقل ان يجهل الكرملين هذا؟  تقول الجريدة شبه الرسمية في موسكو: "ان الهدف الرئيسي للفاشية الالمانية كان عزل الاتحاد السوفياتي... و ما معنى  هذا الكلام...؟ ان للاتحاد السوفياتي الان في العالم اجمع اصدقاء اكثر من اي وقت مضى" (ازفستيا 17-9-1935). ان البروليتاريا الايطالية مسحوقة تحت عقب الفاشية و الثورة الصينية المهزومة و البروليتاريا الالمانية مغلوبة على امرها الى حد انها لا تبدي اية مقاومة تجاه الاستفتاءات الهتلرية و البروليتاريا النمساوية مقيدة باقسى القيود و الاحزاب الثورية في البلقان مطاردة مضطهدة و يسير العمال في فرنسا واسبانيا وراء البرجوازية الراديكالية. و مع ذلك تدعي حكومة السوفيات ان لديها منذ انضمامها لعصبة الامم "اصدقاء اكثر من اي وقت مضى"!  ان هذا التبجح الذي يبدو غريبا للوهلة الاولى لا يعود تبجحا اذا لم ننسبه الى الدولة العمالية بل الى قيادييها. لان هزائم البروليتاريا العالمية القاسية  هي التي سمحت للبيروقراطية السوفياتية باغتصاب السلطة داخل بلادها و بكسب مودة "الراي العام" في البلدان الراسمالية. و كلما ضعفت امكانيات الاممية الشيوعية  و قدرتها على تهديد راس المال كلما بدت حكومة الكرملين مقبولة في اعين البرجوازية الفرنسية و التشيكية و غيرهما.  ان قوة البيروقراطية في الداخل و الخارج تتناسب عكسا مع قوة الاتحاد السوفياتي من حيث هو دولة اشتراكية و قاعدة الثورة البروليتارية العالمية. و لكن هذا وجه واحد للمسالة. و هنالك وجه اخر يستحق الدراسة.

في تشرين الثاني / نوفمبر 1934 وقف لويد جورج8 الذي لا تخلو تذبذباته و صراعاته المثيرة من ومضات فطنة فخطب في مجلس العموم محذرا و ناصحا بعدم ادانة المانيا الفاشية لانها ستكون اصلب حاجز يحمي اوروبا من الخطر الشيوعي. ثم  قال " سوف نحييها في يوم من الايام كصديقة لنا". و لكلامه هذا معنى كبير! ان المديح نصف الابوي نصف الساخر الذي تكيله البرجوازية العالمية للكرملين لا يضمن السلام ابدا و لم يقلل خطر الحرب. ان تطور البيروقراطية السوفياتية يهم على وجه الخصوص البرجوازية العالمية من زاوية تعديل اشكال الملكية. لقد قطع نابليون الاول الخيوط التي تربطه مع تقاليد اليعاقبة و ليس التاج و اعاد الدين الكاثوليكي و لكنه بقي مع هذا هدفا لحقد الدول الاوروبية نصف الاقطاعية لانه استمر في الدفاع عن الملكية الجديدة الناجمة عن الثورة. و مادام احتكار الدولة للتجارة قائما و ما دام راس المال فاقدا لحقوقه فان الاتحاد السوفياتي سيبقى بنظر برجوازية العالم رغم كل ميزات زعمائه عدوا لدودا لا صلح معه بينما تبقى الاشتراكية الوطنية الالمانية صديقة  اذا لم يكن اليوم فعلى الاقل غدا. و ابان المفاوضات التي قام بها بارتو و لافال  مع موسكو رفضت البرجوازية الفرنسية الكبيرة رفضا قاطعا ان تلعب بالورقة السوفياتية رغم جسامة الخطر الهتلري و اهتداء الحزب الشيوعي الفرنسي الى النزعة الوطنية.  و بعد توقيع المعاهدة الفرنسية – السوفياتية اتهم اليساريون لافال بانه فيما كان يلوح امام برلين بشبح موسكو سعى في الواقع للتقارب مع برلين  و روما  ضد موسكو. و هذا استباق للحوادث و لكنه استباق لا يتعارض مع ذلك مع مجراها العادي.

و مهما يكن راينا  في محاسن و مساوئ المعاهدة الفرنسية – السوفياتية فليس لاي سياسي ثوري جدي ان ينكر على الدولة السوفياتية بحثها عن دعم اضافي في اتفاقات مؤقتة مع هذه الدولة الامبريالية او تلك. و لكن يجب مصارحة الجماهير  بكل وضوح حول  موقع المعاهدات التكتيكية الجزئية وسط مجموع  القوى التاريخية. كما انه ليس من الضروري ان تدفعنا الرغبة  في استغلال الصراع بين فرنسا و المانيا الى جعل الحليف البرجوازي المؤقت او المحاولات الامبريالية المخفية تحت ستار عصبة الامم مثلا اعلى. و الحال ان الديبلوماسية السوفياتية التي تتبعها في هذا المجال الاممية الثالثة تحول حلفاء موسكو المؤقتين الى "اصدقاء للسلام" و تخدع العمال بالحديث عن "الامن الجماعي " و "نزع السلاح" فتصبح مذ ذاك فرعا سياسيا للشركة الامبريالية الام  وسط الجماهير العمالية.

 في اول اذار/ مارس 1935 ادلى ستالين بحديث صحفي ماثور للسيد روي هوفر رئيس صحيفة سكريب – هوفر. و يعتبر هذا الحديث وثيقة ثمينة تدل على العمى البيروقراطي في القضايا الكبرى للسياسة العالمية. فعندما سئل ستالين: هل يتعذر تلافي الحرب..؟ اجاب قائلا: "ان مواقع اصدقاء السلام تزداد قوة و يمكنهم ان ينشطوا في وضح النهار فهم يتمتعون بدعم الراي العام العالمي علاوة على امتلاكهم  وسيلة مثل عصبة الامم". و ليس في هذا الكلام ادنى اقتراب من الواقعية! ان الدول البرجوازية لا تنقسم اطلاقا الى "اصدقاء" و الى "اعداء"  للسلام لا سيما انه ليس هناك سلام لذاته. فكل بلد امبريالي يهتم بدعم سلامه وهو يهتم به بقدر ما يكون قاسيا على اعدائه. اما الصيغة التي يشارك بها  ستالين و بالدوين و ليون بلوم و التي تقول: "سوف يتحقق السلام حقا اذا انضمت جميع الدول الى عصبة الامم للدفاع عنه" فلا يعني الا ان السلام سيتحقق اذا لم يكن هنالك ما يستوجب خرقه. ان الفكرة في حد ذاتها صحيحة و لكنها بدون معنى عملي. فالدول العظمى التي بقيت بعيدة عن عصبة الامم تهتم بحرية حركتها اكثر من اهتمامها بفكرة "السلام" المجردة. فلماذا تبحث عن حرية حركتها؟ هذا ما سيكشفه المستقبل. ان الدول التي تنسحب من عصبة الامم كالمانيا و اليابان او "تبتعد" عنها مؤقتا كايطاليا تملك اسبابا كافية لمثل هذا التصرف. و هجرها عصبة الامم هو في الحقيقة تعديل للشكل الديبلوماسي للصراعات