الثورة المغدورة

الفصل السادس

 

تنامي اللامساواة و التضادات الاجتماعية

 

 

فاقة – بذخ – مضاربات:

 بعد البدء  "بالتوزيع الاشتراكي" وجدت سلطة السوفيات نفسها في عام 1921 مضطرة لاعادة السوق. ان النقص الكبير في الموارد خلال الخطة الخمسية الاولى ادى من جديد الى التوزيع بواسطة الدولة او العودة الى تجربة "شيوعية الحرب" على نطاق اوسع. ثم تبين ان هذه القاعدة  غير كافية ايضا. و في عام 1935 ترك نظام التوزيع المخطط مكانه من جديد للتجارة. و لقد ظهر مرتين ان الطرق الحيوية لتوزيع المنتجات تتوقف على مستوى التقنية و الموارد المادية اكثر مما على اشكال الملكية.

 ان زيادة  مردود العمل الناتجة بالاخص عن استخدام الاجر بالقطعة  تسمح بزيادة كمية البضائع و تؤدي الى انخفاض الاسعار الامر الذي يؤدي الى زيادة  رفاهية الجماهير. و ليس هذا اكثر من وجه للمشكلات امكن ملاحظته في النظام القديم خلال الازدهار الاقتصادي. ينبغي النظر الى الظواهر و السيرورات الاجتماعية انطلاقا من علاقاتها بعضها بالبعض الاخر و التداخل في ما بينها. ان زيادة مردود العمل الناتجة خصوصا عن حركة البضائع تعني ايضا زيادة عدم المساواة و يتجاوز ازدياد رفاهية الطبقات الحاكمة نزدياد رفاهية الجماهير بشكل  واضح. و فيما تثري الدولة يبدا المجتمع بالتمايز.

و يقسم المجتمع السوفياتي منذ الان من حيث ظروف حياته اليومية الى اقلية متميزة امنة على غدها و اغلبية تعيش في الفاقة و يسبب هذا الوضع تباينا واضحا بين القطبين المتعارضين. ان المنتجات المخصصة لاستهلاك الجماهير غالية السعر سيئة النوع و كلما ابتعدنا عن المركز غدا من الصعب ايجادها. و في مثل هذه الظروف تصبح السرقة و المضاربات وباء كان في الماضي مكملا للتوزيع المخطط فاصبح اليوم مصححا للتجارة السوفياتية.

و يكتب "اصدقاء" الاتحاد السوفياتي رايهم عادة و عيونهم مغمضة و اذانهم مسدودة لذا يصعب الاعتماد عليهم. اما الاعداء فيروجون اشاعات احيانا. فلنسال البيروقراطية نفسها.  انها ليسي عدوة نفسها لذا فان الاتهامات  التي توجهها لنفسها و تعللها دائما بحاجات ملحة و عملية  تستحق التصديق اكثر من تبجحاتها المعهودة الجوفاء. نحن نعرف انه قد تم تجاوز المخطط الصناعي لعام 1935. و لكن مخطط بناء المساكن لم ينفذ الا بمعدل 55.7 في المائة. ان بناء المساكن العمالية هو الاكثر بطئا و الاكثر رداءة و اهمالا. و يعيش فلاحوا الكولخوزات في الاكواخ كما في الماضي مع ابقارهم و حشراتهم. بينما يشتكي الاعيان السوفياتيون المحترمون من فقدان "غرف الخدم" في المساكن المبنية لهم.

و يعبر كل نظام عن نفسه باثاره و فن مبانيه و يتصف العصر السوفياتي الحاضر ببناء القصور و مساكن السوفياتات المنتشرة باعاداد كبيرة و التي تشكل معابد حقيقة للبيروقراطية (مكلفة احيانا عشرات الملايين) و مسارح مبنية بتكاليف باهظة و مساكن للجيش الاحمر اشبه بنواد معدة غالبا للضباط و مترو انيق لمن يستطع الدفع بينما يعاني بناء المساكن العمالية من التاخر بصورة مريعة و باستمرار حتى و لو كانت من نوع الثكنات.

هنالك انجازات على صعيد السكك الحديدية. و لكن المواطن السوفياتي البسيط لم يستفد من ذلك كثيرا. و تدل تقارير الكثير من  المسؤولين على "قذارة العربات و المحلات المفتوحة للعموم" و "النقص الشنيع في خدمة  المسافرين" و "عمليات السرقة و الاحتيال  في بيع تذاكر السفر و اخفاء الامكنة الخالية لبيعها في السوق السوداء و البقشيش و سرقة الامتعة اثناء الطريق". ان هذه الامور "اهانة للنقل الاشتراكي"! و يعتبرها النقل الراسمالي جرائم ضد الحق العام. و تثبت شكايات المديرين بما لا يقبل الشك ان  نقص وسائل المواصلات للشعب و النقص المدقع في الوسائط المعطاة للنقل و انعزال مدراء السكك الحديدية ككل المدراء عن المواطن العادي. اما البيروقراطية  فتعرف كيف تؤمن لنفسها الخدمة في البر و البحر و الجو. و الدليل على ذلك عدد عربات الصالون و القطارات الخاصة و المراكب الموضوعة تحت تصرفها و التي يتم استبدالها باستمرار بسيارات و طائرات اكثر راحة.

 و لقد تكلم جدانوف ممثل اللجنة المركزية في لينينغراد على نجاح الصناعة السوفياتية فصفق له المستمعون منتفعون مباشرة لدى وعده اياهم بانه "لن يحضر اعضاؤنا الفعالون الى الجمعيات في العام القادم في سيارات الفورد المتواضعة  بل بسيارات ليموزين". و هكذا انه بقدر ما تتجه التقنية السوفياتية نحو الانسان فانها تحاول قبل كل شيء تلبية الرغبات المتزايدة للاقلية ذات الامتيازات . و حافلات الترام ان وجدت فيه مزدحمة كما كانت في الماضي!!

لقد  تباهى  ميكويان مفوض الشعب للصناعة الغذائية قائلا: ان السكاكر سيئة النوع تزول يوما يعد يوم و يحل مكانها انواع افضل. و ان "نساءنا" تتطلب عطورا افضل. و هذا يعني حصرا ان العودة الى السوق جعلت الصناعة تتلاءم مع مستهلكين افضل. هذا هو قانون السوق  حيث يبرز تاثير نساء الشخصيات الكبيرة  التي تحتل المراكز العالية. و لكننا نعرف في الوقت ذاته انه في عام  1935 كانت السكاكر مفقودة في 68 تعاونية من اصل 95 تعاونية في اوكرانيا. و لا تتم تلبية الطلب من الحلويات الا بنسبة 15 في المائة و بانواع سيئة جدا. و تشتكي الازفستيا من "ان المصانع لا تاخذ مطالب المستهلكين بعين الاعتبار" عندما يكون الامر متعلقا طبعا بمستهلك يعرف كيف يدافع عن نفسه.

و يطرح الاكاديمي باخ الموضوع من ناحية الكيمياء العضوية فيقول: "ان خبزنا من نوعية سيئة احيانا". و العمال و العاملات الذين لا يعرفون سر التخمر هم من رايه ايضا و لكنهم عاجزون عن اعطاء رايهم  كالاكاديمي المحترم الى الصحف.

و يروج اتحاد صناعة الملابس الجاهزة في موسكو دعاية لملابس مصنوعة من اقمشة حريرية  مصممة في بيت الازياء.  بينما يقف العمال  في المحافظات لا بل المراكز الصناعية الكبرى ارتالا طويلة للحصول على قميص قطني رخيص لان هنالك نقصا كما كان في الماضي. و يدل التاريخ على ان تامين الضروريات لاكبر عدد من الناس اصعب بكثير من تامين الكماليات للقلة منهم. 

و يعدد ميكويان منجزاته مستدركا "ان صناعة المارغرين حديثة". صحيح انه لم يكن في النظام القديم مارغرين و لكن لا نستنتج من ذلك ان الوضع تفاقم: فالزبدة لم يكن يراها الشعب انذاك اكثر مما يراها اليوم الا ان ظهور مادة بديلة يعني على كل حال وجود طبقتين من المستهلكين في الاتحاد السوفياتي: تفضل احداهما الزبدة بينما تحاول الثانية الاكتفاء بالمارغرين. و يعلن ميكويان " نحن نلبي طلب الدخان الثقيل ماخوركا" ناسيا ان يضيف انه لا اوروبا و لا امريكا تستخدمان  دخانا بهذه النوعية السيئة.

ان  اكثر مظاهر اللامساواة وضوحا – ان لم نقل اثارة – فتح مخازن في موسكو و في مدن اخرى مهمة تبيع بضائع ممتازة و تحمل اسما اجنبيا معبرا جدا "لوكس" بينما تدل الشكاوي الدائمة من السرقات في مخازن البقالة  في موسكو و المحافظات على اه ليس هنالك منتجات كافية الا للاقلية و ان الجميع يودون مع ذلك الحصول على الغذاء...

ان العاملة التي لديها طفل مرتبطة بالنظام الاجتماعي و مقياس "الاستهلاك" لديها  - كما يقول بازدراء كبار الشخصيات الحريصون جدا على استهلاكهم الخاص بهم – هو الذي يقرر في نهاية المطاف. و في الصراع بين البيروقراطية و العاملة نضع انفسنا مع ماركس و لينين الى جانب العاملة ضد البيروقراطي الذي يبالغ في النتائج المتحصل عليها و يخفي التعارضات و يكتم مشاعر العاملة.

و اذا سلمنا ان المارغرين  و التبغ الثقيل ضروريان اليوم بشكل قاهر فلا يجب في هذه الحالة ان نمتدح انفسنا و نزخرف الحقيقة. ان سيارات ليموزين 'للفعالين' و عطورا ممتازة 'لنسائنا' و مارغرين للعمال و مخازن دو لوكس للمحظوظين و صورة اطعمة شهية معروضة في الواجهات للشعب هذه الاشتراكية لا يمكن ان تمثل في اعين الجماهير سوى راسمالية مقلوبة. و ليس هذا مبالغة  فعلى ارض "البؤس  المشرك" يهدد الصراع من اجل الضروريات بعودة "كل الركام القديم" وهو يعيد له الحياة جزئيا مع كل خطوة.

و تختلف السوق الحالية عن سوق السياسة الاقتصادية الجديدة في 1921 – 1928 من حيث عليها ان تتطور دون وسيط و دون تجارة خاصة و اضعة منظمات الدولة و التعاونيات و الكولخوزات و المواطن وجها لوجه. و لكن هذا من ناحية المبدا  فقط. ان الزيادة السريعة لتجارة المفرق (دولة و تعاونيات) ستصل بها الى 100 مليار روبل في عام 1936 و تجارة الكولخوزات التي تبلغ 16 مليارا في 1935 ستزيد كثيرا هذه السنة. و يصعب علينا ان نقول اي مكان يحتله الوسطاء غير القانونيين في هذا الرقم و الى جانبه، و لكنه مكان لا باس  به على كل حال. كما الحال مع المزارعين  نلاحظ ان الكولخوزات  و بعض اعضاء الكولخوزات ميالون الى الاستعانة بالوسطاء. و يسير الحرفيون و التعاونيون و الصناعات المحلية التي تتعامل مع الفلاحين على الطريق نفسها. و يتكشف فجاة بين ان و اخر ان تجارة اللحوم و الزبدة و البيض في منطقة كبيرة قد سقطت في ايدي "تجار فاقدي الذمة".

 اما  المواد الاكثر ضرورة كالملح و عيدان الكبريت و الدقيق و البترول فتشح طوال اسابيع و اشهرفي التعاونيات القروية  التي تهيمن عليها البيروقراطية رغم توفرها بكميات كبيرة في مستودعات الدولة. و من الواضح ان الفلاحين  يحصلون عليها من مكان اخر. و تتكلم الصحافة السوفياتية على من يبيعون بالمفرق  بصورة غير مشروعة كما لو كان الامر عاديا.

ان الوجوه الاخرى للمبادرة  و التراكم الفرديين تلعب بشكل واضح دورا اقل اهمية. ان الحوذيين الذين يملكون مركبة اجرةو الحرفيين المستقلين تماما كما المزارع المستقل تعترضهم صعوبات جمة. و في موسكو عدد كبير من دكاكين التصليح يملكها افراد و تتعامى العيون عنها لانها تسد ثغرات كبيرة. و هناك عدد اكبر بكثير ممن يعملون تحت اللافتات المزيفة لجمعيات و تعاونيات او يتغطون بالكولخوزات. و تعمل مصلحة الابحاث الجنائية كما لو كانت مهتمة بكشف الثغرات في جدار الاقتصاد فتوقف بين اونة و اخرى في موسكو نساء فقيرات جائعات يبعن قبعات او قمصانا قطنية مصنوعة بايديهن بتهمة المضاربة.

لقد قال ستالين في خريف عام 1935: "ان قاعدة المضاربة قد دمرت في بلادنا و ما وجود بعض التجار الغشاشين سوى نتيجة نقص اليقظة الطبقية لدى العمال و ليبيرالية بعض السلطات السوفياتية تجاه المضاربين" ، و هذا هو التفكير البيروقراطي المثالي!  اذا كانت القاعدة الاقتصادية للمضاربات قد دمرت فليس هناك ضرورة لليقظة. و و لو كانت الدولة مثلا قادرة على ان تقدم عددا كافيا  من القبعات  اية حاجة تبقى حينذاك لتوقيف البائعات البائسات في الشوارع. و على كل حال فان سجنهن غير ضروري حتى في الوضع الحالي.

و ليست انواع المبادرة الفردية التي ذكرناها  مخيفة في  حد ذاتها سواء من ناحية الحجم او الكمية. اننا لا نخاف ان يهاجم بعض سائقي العربات  او بائعات القبعات و مصلحي الساعات و بائعي البيض بالمفرق سور ملكية الدولة  المنيع! الا ان المسالة لا يمكن حلها  بواسطة النسب الحسابية و حسب. ان ظهور عدد كبير و متنوع من المضاربين و المتلاعبين على مختلف اشكالهم  من اول تساهل اداري على شكل بقع حمى فوق جسم مريض يدل على الضغط الدائم  للميول البرجوازية الصغيرة. ان درجة ضرر جرائم التلاعب  هذه التي تلحق بالمستقبل الاشتراكي تحددها القدرة العامة على المقاومة المتوفرة لدى الجهاز الاقتصادي و السياسي في البلاد.

ان الحالة الفكرية و السلوك عند العمال و شغيلة الكولخوزات اي  عند 90  بالمائة تقريبا من السكان تحددهما قبل كل شيء تعديلات اجورهم الفعلية. الا انه  ليس للعلاقة بين دخلهم و دخل الشرائح الاجتماعية الاكثر حصولا على امتيازات اهمية ادنى. و يظهر قانون النسبية مباشرة في حقل الاستهلاك! ان التعبير عن العلاقات  الاجتماعية جميعها  بالحسابات المالية يكشف حصة مختلف الشرائح الاجتماعية من الدخل القومي. فاذا ما رضخنا للضرورة التاريخية للامساواة و بقائها ايضا وقتا طوايلا نسبيا فان حدود هذه اللامساواة و فائدتها الاجتماعية في كل حالة ملموسة ما تزال مطروحة. و سينقلب الصراع على الحصص من الدخل القومي حتما الى صراع سياسي. و هنا لنا سؤال: هل النظام الحالي اشتراكي ام لا؟ ان سفسطات البيروقراطية عاجزة عن اعطاء الجواب الحاسم الذي لن يقدمه سوى موقف الجماهير اي العمال و فلاحي الكولخوزات.

 

تباين البروليتاريا:

 يجب ان تكون المعطيات المتعلقة بالاجر الحقيقي هدفا لدراسة دقيقة خاصة في دولة عمالية  كما يجب ان تكون احصائيات الدخل المتعلقة بفئات السكان واضحة في متناول الجميع و لكن هذا المجال الذي يهم مصالح العمال الحيوية يغطيه ضباب داكن. و تشكل ميزانية عائلة عمالية سوفياتية رقما غامضا اكثر غموضا منه في اي بلد راسمالي. و نحن نحاول دون جدوى رسم منحني الاجور الحقيقية لكل درجات العمال  خلال الخطة الخمسية الثانية نظرا لصمت الدولة و المسؤولين بهذا الصدد و عرضهم لارقام موجزة بلا مدلول.

و لقد صرح نيكيدزه مفوض الشعب للصناعة الثقيلة ان المردود الشهري المتوسط للعامل قد زاد 3.2 مرات في 10 سنوات ما بين 1925- 1935 بينما زاد متوسط الاجر 4.5 مرات. فكم يلتهم الاخصائيون و العمال ذوو الاجور العالية  من هذا الرقم الاخير الذي يبدو رائعا؟ و ما هي القيمة الفعلية لهذا الاجر – وهذا امر هام -؟ اننا عاجزون عن معرفة اي شيء من محتوى هذا التقرير او من تعليقات الصحف عليه. لقد قال كوساريف سكريتير الشبيبة الشيوعية في مؤتمر الشبيبة في نيسان / ابريل 1936 ما يلي: "لقد زاد اجر الشباب بمقدار 340 بالمائة اعتبارا من كانون الثاني / يناير 1931 حتى كانون الاول / ديسمبر 1936" و لكن هذا التبجح لم لم يثر التصفيق المنتظر حتى في صفوف الشباب الذين كانوا كالمحاضر نفسه يعرفون ان الانتقال السريع الى اسعار السوق زاد من خطورة وضع اغلبية العمال.

و في عام 1935 كان الاجر المتوسط  الناتج من جمع اجور كافة العاملين من مدير التروست الى الكناسة حوالي 23000 روبل و سيصل في عام 1936 الى حوالي 2500 روبل و هذا يعني بالسعر الاسمى للصرف 7500 فرنك تعادل قوتها الشرائية 3500 – 4000 فرنك فرنسي.  و يبدو هذا الرقم المتواضع اصغر حخما اذا عرفنا ان زيادة الاجور في عام 1936 ليست سوى تعويض جزئي من الغاء جوائز الامتياز و مجانية بعض الخدمات. و المهم في كل هذا ان الاجر 2500 روبل سنويا  اي 207 روبل شهريا ليس سوى متوسط اي وهم حسابي معد ليخفي حقيقة اللامساواة القاسية في اجور العمل.

و  مما لا جدال فيه ان وضع الشريحة العليا من العمال و خصوصا ما يسمى بالاستاخانوفيين قد تحسن بشكل واضح خلال السنة الماضية. و تذكر الصحف كم بذلة و حذاء و حاكيا و دراجة و علبة ماكولات محفوظة اشترى العمال الذين يحلمون الاوسمة. وهي تكشف بالمناسبة ذاتها كم هذه الاشياء بعيدة عن متناول العامل العادي. و يقول ستالين  عن الاسباب التي ولدت حركة استاخانوف: "اننا نعيش بشكل افضل و اكثر مرحا و عندما يعيش المرء بشكل اكثر مرحا فان العمل يسير بصورة افضل". و يوجد في هذا الكلام المتفائل الذي اختص به المسؤولون و المتعلق بالعمل بالقطعة جزء من الحقيقة: ان تشكيل ارستقراطية عمالية لم يصبح ممكنا الا بفضل النجاحات الاقتصادية السابقة. و دوافع الاستاخانوفيين  ليست في "المرح" بل في الرغبة في كسب اكبر. و لقد عدل مولوتوف تاكيدات ستالين بهذا الصدد قائلا: "لقد اندفع الاستاخانوفيون لتقديم مردود عمل كبير بسبب رغبتهم البسيطة بزيادة دخلهم". و في الحقيقة تشكلت فئة كاملة من العمال خلال بضعة اشهر اطلق عليها اسم  "جماعة الالف" لان دخلهم  كان يزيد عن  1000 روبل شهريا. و هنالك من يكسب اكثر من 2000 روبل بينما غالبا ما يكسب العامل من الفئة الادنى اقل من مائة روبل.

ان ضخامة الاختلاف في الاجور تولد لوحدها اختلافا كافيا بين العامل "المرموق" والعامل "العادي" و لكن البيروقراطية لا تكتفي بهذا. فالاستاخانوفيون مغمورون بالامتيازات انهم ياخذون مساكن جديدة و تتم في بيوتهم اصلاحات عديدة و يستفيدون من الاجازات الاضافية في بيوت الراحة و الاستجمام و يذهب المعلمون و الاطباء الى بيوتهم عند الحاجة بلا اجر و يدخلون دور السينما مجانا كما يحلقون شعورهم في محلات الحلاقة مجانا او دون انتظار دورهم. و تبدو بعض هذه الامتيازات   كانها مخصصة لجرح و ايذاء العامل البسيط. ان سبب المراعاة المفرطة من جانب السلطات عائد الى الوصولية  و في الوقت ذاته لسوء النية: ينتهز القادة المحليون الفرصة بشره لاجل الخروج من عزلتهم و ذلك عن طريق اعطاء امتيازات  للارستقراطية العمالية. و النتيجة ان يتجاوز اجر الاستاخانوفيين اجور العمال العاديين ب 20 الى 30 مرة. و اجور المختصين المحظوظين تكفي غالبا لدفع اجر 80 الى 100 اجير. و هكذا لحق الاتحاد السوفياتي البلاد الراسمالية و سبقها في مجال اللامساواة بالاجور.

ان افضل  الاستاخانوفيين الذين يعملون حقيقة بدوافع اشتراكية لا يغتبطون بالامتيازات بل يستاؤون منها. و نحن نفهمهم: ان التمتع الفردي بمختلف الخيرات في جو من البؤس الشامل  يحيطهم بحلقة من العداء و الحسد و يسمم حياتهم. و هذه  العلاقات بين عمال يجمعهم النضال المشترك بوجه الاستغلال.

و الحقيقة ان  حياة العامل المختص اليومية صعبة لا سيما في المحافظات. فبالاضافة انه تم التضحية اكثر فاكثر بيوم العمل المؤلف من سبع ساعات على مذبح زيادة مردود العمل هنالك ساعات كثيرة يلتهمها الكفاحي الاضافي لتامين الحياة. و هنالك دلالة خاصة على الرخاء مفادها  ان افضل العمال في السوفخوزات و سائقي الجرارات و الالات الذين يشكلون حاليا ارستقراطية واضحة يملكون ابقارا و خنازير. لقد هجرت اذا النظرية القائلة بان اشتراكية بدون لبن افضل من لبن بدون اشتراكية. و يجري الاعتراف حاليا بان عمال مشاريع الدولة الزراعية حيث تتوفر الابقار و الخنازير مضطرون كي يؤمنوا حياتهم لتربية بعض الحيوانات الخاصة. و هنالك تصريح  يدعو الى الدهشة يقول ان 96 الف عامل من خاركوف يملكون حدائق خاصة لزراعة الخضار. كما ان المدن الاخرى مدعوة لتقليد خاركوف. فاي تبذير خطير  للقوى البشرية يعنيه امتلاك "بقرة خاصة و حديقة خاصة"؟ و اي عبئ يتحمله العامل و زوجته و اولاده بالعودة الى عمل القرون الوسطى بالمجرفة و السماد و التراب؟

ان اغلب العمال لا يملكون طبعا بقرة او حديقة و ينقصهم غالبا سقف يؤويهم. و يبلغ اجر العامل اليدوي 1200 – 1500 روبل سنويا و قد ينقص عن ذلك و هذا يعني بالنسبة للاسعار السوفياتية منتهى البؤس. اما حالة الاسكان التي تدل بوضوح على الحالة المادية و الفكرية فسيئة و لا تحتمل احيانا. فاغلب العمال يتكدسون في مساكن جماعية اسوا من الثكنات. هل الامر يتعلق بتبرير اخفاقات في الانتاج و تقصيرات في العمل و سوء في نوعية البضائع؟ ان الادارة تقدم عبر صحفييها اوصافا من هذا النوع  لظروف سكن العمال: "العمال ينامون على الارض ذلك ان اخشاب الاسرة مليئة بالبق، الكراسي محطمة و ليس هنالك اقداح للشرب...". "تسكن عائلتان في غرفة واحدة سقفها مثقوب  و عندما تمطر يجمع الماء في دلاء". "المراحيض في حالة لا يمكن وصفها". و يمكن ان نذكر الى ما لا نهاية تفاصيل كهذه صالحة لوصف الوضع في البلاد باسرها. و لقد كتب مدير صناعة البترول ان ظروف الحياة القاسية ادت الى "ان يبلغ التميع في ملاك العمل نسبة كبيرة جدا...و يتم ايقاف استغلال الكثير من الابار بسبب نقص اليد العاملة". و في بعض المناطق النائية المهملةلا يقبل بالعمل سوى العمال المفصولين من اعمالهم لاسباب انضباطية. و هكذا يتشكل في قاع البروليتاريا شريحة من البؤساء المحرومين من كل الحقوق هم المنبوذون السوفيات و يضطر فرع هام من الصناعة كصناعة البترول الى استخدامهم. 

و لقد نجحت البيروقراطية بفعل اللامساواة الصارخة في نظام الاجور التي تزيدها تفاقما الامتيازات الاعتباطية في خلق صراعات مريرة داخل البروليتاريا. و ترسم تقارير الصحف الصادرة حديثا لوحة حرب اهلية صغيرة. فقد كتبت صحيفة النقابات مثلا: "يشكل تخريب الالات الاسلوب الافضل (!) للصراع ضد حركة الاستاخانوف". و يذكر "الصراع الطبقي" في كل خطوة. في هذا "الصراع الطبقي " يقف العمال  في جهة و النقابات في جهة اخرى  و يطالب ستالين علنا "بالضرب على رؤوس المقاومين". و يهدد اعضاء اخرون من اللجنة المركزية "الاعداء الذين لا يخجلون" بالفناء التام. و تظهر تجربة حركة استاخانوف اية هوة تفصل بين السلطة و البروليتاريا و كيف تطبق البيروقراطية بكل مثابرة قاعدة "فرق تسد"! و لتمويه العمل بالقطعة و تجميله في نظر العامل يطلقون عليه اسم "التنافس الاشتراكي". ان هذه الكلمات في حد ذاتها تدعو الى السخرية.

ان التنافس الذي تغوص جذوره في البيولوجيا هو في النظام الشيوعي افضل محرك للحضارة شريطة ان يكون منزها عن فكرة الكسب و الحسد و الامتيازات. و لكن في المرحلة السابقة لذلك و التي تعتبر بحد ذاتها مرحلة تحضيرية ينبغي ان يتم توطيد المجتمع الاشتراكي لا باساليب الراسمالية المتاخرة المذلة التي تطبقها الدولة السوفياتية بل بوسائل تليق بالرجل المتحرر و بعيدا قبل كل شيء عن هراوة البيروقراطيين لان هذه الهراوة هي ابشع ما في التركة التي ورثنها من الماضي. ان من الضروري تحطيمها و حرقها علنا حتى يصبح الحديث عن الاشتراكية ممكنا دون ان تحمر الجباه من الخجل.

 

تناقضات اجتماعية في القرية الجماعية:

اذا كانت التروستات الصناعية منشات اشتراكية من حيث المبدا فلا يمكن ان نقول الشيء ذاته عن الكولخوزات التي لا تعتمد على ملكية الدولة بل على ملكيات جماعية. انها افضل بكثير من الزراعة الفردية المجزاة فهل ستقود الى الاشتراكية؟ ان الامر يتعلق بسلسلة من الظروف بعضها داخلي و البعض الاخر خارجي يتعلق بالنظام ال