الثورة المغدورة

الفصل  الخامس

 

الترميدور السوفياتي

 

 

لماذا انتصر ستالين؟

يستنتج  من يود كتابة  تاريخ الاتحاد السوفياتي ان سياسة البيروقراطية الحاكمة كانت تقف مواقف متناقضة في المسائل الكبيرة و قامت بسلسلة من التعرجات. و تبرير هذه التعرجات او تفسيرها "بتغير الظروف" امر غير مقبول. ان الحكم يتطلب حسن التوقع و التكتل الستاليني لم يتوقع ابدا النتائج الحتمية للتطور التي انهكته مرارا. لقد رد بارتكاسات ادارية و اضعا بعد فوات الاوان النظريةالتي تحكم انعطافاته دون اهتمام بما كان  يعلمه البارحة. ان الوقائع و الوثائق الدامغة  سوف تجبر كذلك المؤرخ على الاستنتاج ان المعارضة اليسارية قدمت تحليلا اصح مئات المرات عن التطورات الجارية في البلاد و توقعت بشكل افضل بكثير مجراها اللاحق.

و يبدو هذا التاكيد للوهلة الاولى متناقضا مع الحقيقة الماثلة في انتصار اقل اجنحة الحزب قدرة على التوقع و انتقال اكثر الاجنحة فطنة من فشل الى اخر. هذا الاعتراض الذي يتبادر الى الذهن غير مقنع الا بالنسبة لمن يطبق الفكر العقلاني على السياسة فلا يرى فيها سوى جدل منطقي او لعبة شطرنج. و الحال ان الصراع السياسي هو في الحقيقة صراع مصالح  و قوى لا صراع حجج.  و لا يمكن تجاهل ميزات الزعماء في نتيجة المعركة و لكنها ليست العامل الوحيد او الحاسم فكل من المعسكرات المعادية يتطلب زعماء على صورته و مثاله.

لقد حملت ثورة فبراير الى الحكم كيرنسكي و تسيريتيلي و ليس ذلك لانهما "اذكى" او "احذق" من الجماعة القيصرية الحاكمة  بل لتمثيلهما مؤقتا على الاقل الجماهير الثائرة ضد النظام القديم. و اذا كان تمكن كيرنسكي من دفع لينين الى العمل السري و القى بزعماء اخرين في السجون فلم يكن بفضل صفاته الشخصية و تفوقه عليهم  بل لان غالبية العمال و الجنود مانت كانت ما تزال تسير انذاك خلف البرجوازية الوطنية الصغيرة. لقد كانت "ميزة" في انه لم يكن يرى ابعد مما تراه الاغلبية. ثم انتصر البلاشفة على الديمقراطية البرجوازية الصغيرة لا بفضل عظمة زعمائهم بل بفضل تجميع القوى تمكنت البروليتاريا خلاله من جر الفلاحين المتذمرين وراءها ابان المعركة ضد البرجوازية.

ويظهر تسلسل مراحل الثورة الفرنسية الكبرى في صعودها و انحدارها ان قوة "الزعماء و الابطال" كانت تتجسد في انسجامهم مع طبيعة الطبقات  و الشرائح الاجتماعية التي تدعمهم حيث سمح هذا التوافق و حده لكل منهم ان يطبع بشخصيته مرحلة تاريخية معينة. و في تسلسل وصول ميرابو و بريسو و روبار سبيير و باراس و بونابرت الى السلطة شرعية موضوعية اقوى من المميزات الشخصية لهؤلاء الاشخاص التاريخيين انفسهم. اننا نعرف ان الثورات تثير بعدها ردود فعل و ثورات مضادة تسلب الوطن الكثير من مكاسبه و لكنها لا تنجح في اعادته الى نقطة انطلاقه الاولى. كما اننا نعرف ان الرواد الاوائل و المعلمين و الزعماء الذين كانوا على راس الجماهير في المراحل الاولى هم ضحايا اول موجة رد فعل بينما نرى كيف يتقدم الى الصف الاول رجال من الصف الثاني متحدين مع من كانوا في العشية اعداء الثورة. و تخفي المبارزات الدرامية للادوار الكبيرة الاولى على المسرح السياسي انزلاقات في العلاقات بين الطبقات و تبدلات عميقة في نفسية الجماهير التي كانت بالامس ثائرة.

ردا على عدد كبير من الرفاق كانوا يتساءلون باستغراب عما حل بنشاط الحزب البلشفي و الطبقة العاملة و ببداهتهما الثورية و كبريائهما الشعبي، تلك الصفات  التي حل محلها ما نراه اليوم من دناءة و جبن و تردد ووصولية استرجع راكوفسكي تقلبات الثورة الفرنسية التي قامت في القرن الثامن عشر و ذكر كيف خرج بابوف من سجن لابيي فتسائل مندهشاعما حل بالشعب البطل في ضواحي باريس؟ ان الثورة مفترس كبير للطاقات الفردية و الجماعية. و الاعصاب تتعب فيها و يتراخى الضمير و تنفل الطباع. و تجري الحوادث بسرعة بحيث يعجز تدفق القوى الجديدة عن تعويض الخسائر. لقد تاثرت ضواحي باريس بالمجاعة و البطالة و خسارة الكادرات الثورية و ابعاد الجماهير عن المراكز الحساسة بحيث اصيبت بفقر دم معنوي و مادي لدرجة انها احتاجت الى اكثر من 30 سنة حتى تقف على قدميها من جديد.

اما التاكيد البديهي من جانب الصحافة السوفياتية الذي يرى ان قوانين الثورة البرجوازية  "لا تنطبق" على الثورة البروليتارية فلا اساس علمي لها. ان الطابع البروليتاري لثورة اوكتوبر نتج عن الوضع العالمي و عن توازن القوى في الداخل الا ان الطبقات بالذات تشكلت في روسيا في احضان الهمجية القيصرية و الراسمالية المتخلفة دون ان تكون معدة لمتطلبات الثورة الاشتراكية. لا بل ان العكس هو الصحيح. فلان البروليتاريا الروسية  المتخلفة في العديد من النواحي  حققت في اشهر قليلة  قفزة لا مثيل لها في التاريخ من ملكية نصف اقطاعية الى الديكتاتورية الاشتراكية كان لا بد ان تنشط الرجعية حتما في صفوف البروليتاريا نفسها. و تزايد ذلك خلال الحروب التي تلت و غذته الظروف الخارجية و الحوادث بلا انقطاع. لقد جاء التدخل الاجنبي عقب التدخل و لم تقدم البلاد الغربية المساعدة المباشرة وانتظرت البلاد السعادة فحل مكانها البؤس امدا طويلا. و توفي كبار ممثلي الطبقة العاملة في الحرب الاهلية و انفصل الباقون عن الجماهير نظرا لارتفاع مستواهم المادي بضع درجات. و بعد فترة توتر كبير للقوى و الامال و الاوهام جاءت فترة طويلة من التعب و الانهيار و خيبة الامل. و انحسر "الكبرياء الشعبي" ليتلوه مد من الاصولية و الجبانة. و حمل المد و الجزر الى السلطة شريحة جديدة من القادة.

لقد لعب تسريح الجيش الاحمر المؤلف من خمسة ملايين رجل دورا كبيرا في تشكيل البيروقراطية اذ احتل القادة المنتصرون مراكز هامة في السوفياتات المحلية و الانتاج و التعليم و حملوا معهم الى كل مكان النظام الذي حقق لهم النصر في الحرب الاهلية ووجدت الجماهير نفسها في كل مكان مبعدة شيئا فشيئا عن الاشتراك الفعلي في السلطة.

و جاء رد الفعل في اوساط البروليتاريا لينعش الامال و الثقة بشكل غير اعتيادي لدى البرجوازية الصغيرة في المدن و الريف، التي دعتها السياسة الاقتصادية الجديدة "النيب"، الى حياة جديدة فتزايدت هكذا جراتها و اصبحت البيروقراطية التي تشكلت بالاساس لخدمة البروليتاريا حكما بين الطبقات فتحررت بذلك شهرا بعد اخر من كل رقابة. و اثر الوضع العالمي بشدة ضمن الاتجاه ذاته. و كانت البيروقراطية السوفياتية تكسب ثقة اضافية كلما تلقت الطبقة العاملة العالمية هزائم قاسية جديدة. ليست العلاقة بين هاتين الحقيقتين علاقة تسلسل زمني و حسب بل هي علاقة سببية و متبادلة: لقد ساهمت الادارة البيروقراطية للحركة في الهزائم و جاءت الهزائم لتقوي البيروقراطية. ان فشل الثورة البلغارية و تقهقر العمال الالمان المذل في عام 1923 و فشل محاولة للثورة في استونيا عام 1924 و التصفية المنافقة للاضراب العام في انجلترا و تصرف الشيوعيين المخزي خلال انقلاب بيلسودسكي في بولونيا عام 1926 و الهزيمة المنكرة للثورة الصينية في عام 1927 و الهزائم الاكثر خطرا التي تلت ذلك في المانيا و النمسا تلك هي الكوارث التاريخية التي دمرت ثقة الجماهير بالثورة العالمية و سمحت للبيروقراطية السوفياتية بان تتالق باستمرار كمنارة وحيدة للنجاة.

و الكاتب مضطر الان للرجوع الى مؤلفاته السابقة التي حاول ان يبرز فيها الدور المشؤوم الذي لعبه في الحركة الثورية للبلدان جميعا قادة الكرملين المحافظون و ذلك لتحديد اسباب الهزائم التي لحقت بالبروليتاريا العالمية ابان السنوات الثلاث عشرة الاخيرة. و المهم هنا هو ان الهزائم التي منيت بها الثورة في اوروبا و اسيا في حين كانت تضعف موقف الاتحاد السوفياتي عالميا كانت تثبت في الوقت نفسه البيروقراطية السوفياتية. و يبرز في هذا النطاق هذا التسلسل التاريخي تاريخان مهمان: ففي النصف الثاني من عام 1923 تركز انتباه العمال السوفيات بشغف على المانيا حيث كان يبدو ان البروليتاريا تمد يدها نحو السلطة. لقد جاء التراجع المريع للحزب الشيوعي الالماني يثير لدى الجماهير العمالية في الاتحاد السوفياتي خيبة امل مريرة و قد اعلنت البيروقراطية السوفياتية انذاك الحرب فورا ضد "الثورة الدائمة" و كبدت المعارضة اليسارية هزيمتها القاسية  الاولى. و في عامي 1926-1927 تجددت الامال في نفوس الشعب السوفياتي و اتجهت الانظار هذه المرة نحو الشرق حيث كانت تدور احداث الثورة الصينية. و استعادت المعارضة اليسارية قواها بعد الفشل و كسبت مناضلين جددا. الا انه لم تات نهاية عام 1927 حتى كان الجلاد تشان كاي شاك ينسف الثورة الصينية بعد ان سلمه قادة الاممية الشيوعية مصائر العمال و الفلاحين الصينيين. و مرت موجة خيبة املباردة فوق جماهير الاتحاد السوفياتي. و قامت معركة محمومة في الصحف و الاجتماعات قررت البيروقراطية بعدها القيام بعمليات تنكبل واسعة النطاق بين صفوف المعارضة (1928).

لقد تجمع عشرات الالوف من المناضلين الثوريين تحت علم البلاشفة-اللينيين و نظر العمال الى المعارضة بود اكيد و لكنه ود سلبي لاعتقاد الجميع بعدم جدوى الصراع لتغيير الوضع. و الحالة هذه كانت البيروقراطية تؤكد ما يلي: "ان المعارضة تستعد لتلقي بنا في اتون حرب ثورية لمصلحة الثورة العالمية. لقد شاهدنا من التقلبات ما فيه الكفاية! و علينا ان نرتاح قليلا لنبني المجتمع الاشتراكي في بلادنا فثقوا بنا نحن رؤساءكم!" و جمعت الدعوة للراحة كتلة الموظفين مع كتلة العسكريين ووجدت بلا شك بعض الصدى بين العمال المتعبين و في صفوف جماهير الفلاحين على وجه الخصوص. و تساءل البعض: افلا تقوم المعارضة  بتضحية مصالح الاتحاد السوفياتي على مذبح 'الثورة الدائمة'؟  في الواقع ان مصالح الاتحاد السوفياتي الحيوية هي التي كانت في خطر اذ سببت سياسة الاممية الشيوعية الخاطئة خلال 10 سنوات انتصار هتلر في المانيا و هذا يعني خطرا محدقا لنشوب الحرب في الغرب. كما ادت السياسة الخاطئة الى تقوية الامبريالية اليابانية و اقتراب الخطر في الشرق. و ليس هذا غريبا ففترات المد الرجعي تتصف غالبا بالجبانة الفكرية.

ووجدت المعارضة نفسها منعزلة فاستغلت البيروقراطية الفرصة لتطرق الحديد حاميا وستفيدة من ضياع و سلبية العمال و مسلطة الجهلاء منهم على  الواعين متعمدة دائما على الكولاك و عموما على البرجوازيين الصغار و قد نجحت البيروقراطية في الانتصار خلال سنوات على  الطليعة الثورية العمالية .

و من الخطا ان نعتقد ان ستالين الذي كانت تجهله الجماهير ظهر فجاة من خلف الكواليس مسلحا بمخطط استراتيجي جاهز. كلا لقد اختارته البيروقراطية قبل ان يرى طريقه. كان يقدم لها كل الضمانات المطلوبة: هيبة بلشفي قديم و شخصية صلبة و افقا ضيقا و صلة لا تنقطع مع المكاتب التي تشكل مصدر تاثيره الوحيد. و فوجئ ستالين في بادئ الامر بنجاحه. لقد حصل على التاييد المطلق لشريحة جديدة من الحكم تريد التخلص من المبادئ القديمة و مراقبة الجماهير و تحتاج الى حكم مضمون في قضاياها الداخلية. ان ستالين الذي كان وجها من الصف الثاني في الثورة و في نظر الجماهير بدا قائدا بلا منازع للبيروقراطية الترميدورية و الاول بين الترميدوريين (1).

و ظهر بعد ذلك  ان للطبقة الحاكمة الجديدة اراءها و مشاعرها و مصالحها. و اغلب البيروقراطيين من الجيل الحاضر كانوا خلال ثورة اوكتوبر في الخندق الاخر. (و نكتفي لاثبات ذلك بالتكلم على الديبلوماسيين السوفيات مثل السادة ترويانوفسكي – مايسكي – بوتامكين – سوريتس – خينتشوك – و اخرين) – او كانوا في افضل الحالات خارج الصراع. اما البيروقراطيون الحاليون الذين كانوا ايام اوكتوبر مع البلاشفة فاغلبهم ممن لعبوا دورا صغيرا غير هام. و اذا نظرنا الى البيروقراطيين الشباب لوجدنا انهم تتلمذوا على يدي البيروقراطينن القدامى الذين اختاروهم بانفسهم او انهم يمتون اليهم بصلات القرابة. و لم يكن هؤلاء الرجال  ليصنعوا ثورة اوكتوبر و لكنهم وجدوا انفسهم في افضل المواقع لاستغلالها.

و اثرت العوامل الشخصية حتما في تسلسل هذه الفصول التاريخية. و لا شك ان مرض لينين و وفاته سرعا الخاتمة. و لو عاش لينين مدة اطول لكان تقدم البيروقراطية ابطا و خاصة  في السنوات الاولى. الا ان كروبسكايا قالت عام 1926 لانصار المعارضة اليسارية: "لو كان لينين اليوم حيا لكان حتما في السجن".

لقد كانت توقعات لينين و مخاوفه ما تزال حية في ذاكرتها و لم تكن لديها اوهام حول قدرته على مواجهة الرياح و التيارات المعاكسة للتاريخ.

ان البيروقراطية لم تنتصر على المعارضة اليسارية فحسب و لكنها انتصرت على الحزب البلشفي و على برنامج لينين الذي كان يرى الخطر الرئيسي في انقلاب اجهزة الدولة من "خدام للمجتمع الى سادته". لقد انتصرت على كل اعدائها (المعارضة، حزب لينين) لا بالحجج و الافكار بل بسحقهم تحت وزنها الاجتماعي. و لقد وجدت  المقطورة الخلفية المرصصة نفسها اثقل وزنا من راس الثورة. هذه هي تفسيرات الترميدور السوفياتي.

 

انحطاط الحزب البلشفي

 

لقد اعد الحزب البلشفي انتصار ثورة اوكتوبر و فاز به. بنى الدولة السوفياتية على هيكل متين. اما انحطاط الحزب فكان سببا لتبقرط الدولة و نتيجة له. يهمنا هنا ان نبين باختصار كيف تم ذلك.

يتصف النظام الداخلي للحزب البلشفي بالمركزية الديمقراطية و ليس في اتحاد هاتين الموضوعتين اي تناقض. لقد كان الحزب يحدد ابعاده بدقة و لكنه يعتبر ان كل تجاوز الحدود الى داخله يملك الحق في توجيه سياسته و كان النقاش الفكري و حرية النقد يشكلان محتوى ديمقراطية الحزب. اما العقيدة الحالية التي تدعم امكانية توافق البلشفية مع وجود الاجنحة فيه تخالف الواقع. و تاريخ البلشفية في الحقيقة عبارة عن صراع الاجنحة. و كيف يمكن اتنظيم ثوري حقيقي يهدف الى قلب نظام العالم و يجمع تحت لوائه الرافضين و الثائرين و المقاتلين الشجعان ان يعيش و ينمو هادئا دون نزاعات فكرية او تجمعات او اجنحة مؤقتة؟ لقد نجحت قيادة الحزب غالبا بالنظر لبعد رؤيتها في تخفيف الصراعات التكتلية و اختصارها و لكنها لم تفعل اكثر من ذلك. كانت اللجنة المركزية تستند الى هذه القاعدة الفوارة و تستمد منها الجراة في التنظيم و اتخاذ القرار و اعطتها نظرتها الصائبة في كل المراحل الحرجة سلطة كبيرة شكلت راس مال معنويا ثمينا للمركزة.

ان نظام الحزب البلشفي قبل الاستيلاء على السلطة متعارض كليا مع نظام الاممية الشيوعية الحالية "برؤوسها" المعينين بصورة متسلسلة و انعطافاتها المنفذة حسب الطلب و مكاتبها البعيدة عن الخضوع للمراقبة و احتقارها للقاعدة و خضوعها للكرملين. و لو تجرا احد الاشخاص في السنوات الاولى التي تلت الاستيلاء على السلطة حين بدا الصدا البيروقراطي يغطي الحزب و رسم صورة  الحزب بالشكل الذي وصل اليه بعد 10-15 سنة لاعتبره ستالين و اي بلشفي اخر متخرصا حقيرا.

كان اهتمام لينين  و معاونيه منصبا دائما على  حفظ صفوف الحزب البلشفي من اخطاء السلطة. الا ان الاتصال الوثيق بين الحزب و الدولة و اندماجه باجهزتها في بعض الاحيان سبب منذ السنوات الاولى اضرارا اكيدة لحرية النظام الداخلي للحزب و مرانته. و تضاءلت الديمقراطية مع تزايد الصعوبات. و قد اراد الحزب في البدء ان يحافظ على حرية الصراعات السياسية في اطار السوفياتات. الا ان الحرب الاهلية و جهت لهذه الرغبة ضربة صارمة فالغيت احزاب المعارضة الواحد بعد الاخر. و راى زعماء البلاشفة في هذه التدابير المتعارضة مع فكرة الديمقراطية السوفياتية ضرورة من الضرورات المؤقتة اللازمة للدفاع لا قررات مبدئية

و ادت زيادة عدد اعضاء الحزب الحاكم السريعة  في مواجهة جدة المهمات و اتساعها الى بروز اختلافات فكرية لا يمكن تلافيها. و مارست تيارات المعارضة  ضغوطها على عمل الحزب الشرعي الوحيد باساليب مختلفة و سببت زيادة في حدة الصراع بين الاجنحة. و اخذ الصراع في نهاية الاهلية شكلا عنيفا لدرجة كادت تهز السلطة كلها. و في اذار / مارس 1921 عندما قامت انتفاضة كرونشتادت التي تجاوب معها عدد لا باس به من البلاشفة اضطر المؤتمر العاشر للحزب الى الغاء الاجنحة و هذا يعني سحب نظام الدولة السياسي على الحياة الداخلية للحزب الحاكم. و كان الغاء الاجنحة مجرد تدبير استثنائي ينتظر الغاؤه عند اول تحسن جدي للموقف و بدت اللجنة المركزية حذرة جدا في تنفيذ هذا القانون الجديد حتى لا تصاب الحياة الداخلية  للحزب بالاختناق.

و لكن القيادة البيروقراطية وجدت التدبير الاستثنائي، الذي اعتبر في البدء ضريبة ينبغي دفعها تحت ضغط ظروف قاسية ملائما لذوقها، فهي بدات تنظر الى حياة الحزب الداخلية من زاوية راحة الحكام و حسب. و في عام 1922 بعد ان تحسنت صحة لينين مؤقتا ارتعب من تزايد خطر البيروقراطية و جهز هجوما على جناح ستالين الذي امسك جيدا بدفة جهاز الحزب قبيل استيلائه على جهاز الدولة. و لكن مرض لينين و موته لم يسمحا له بامتحان قواه في مواجهة قوى الردة.

و تركزت جهود ستالين منذ ذلك التاريخ على تحرير جهاز الحزب من مراقبة الاعضاء و سايره في ذلك زينوفييف و كامينييف. و في الصراع من اجل تامين "استقرار "اللجنة المركزية كان ستالين اكثر مثابرة و حزما من حلفائه. لم يكن عليه ان  يشيح بوجهه عن المشكلات الاممية التي لم يهتم بها في يوم من الايام. و كانت الذهنية البرجوازية الصغيرة للشريحة الجديدة الحاكمة متلائمة مع ذهنيته فهو يؤمن بان بناء الاشتراكية عمل قومي و اداري و يعتبر الاممية الشيوعية شرا لا بد منه عليه الاستفادة منه قدر الامكان لاغراض تتصل بالسياسة الخارجية و لم يقم اي وزن للحزب الا كقاعدة منقادة للدواوين.

لقد صيغت الى جانب نظرية "الاشتراكية في بلد واحد" نظرية اخرى لحساب البيروقراطية تعتبر اللجنة المركزية كل شيء بالنسبة للبلاشفة بينما الحزب لا شيء. و قد حظيت النظرية الثانية بنجاح اكثر من الاولى. و ما ان توفي لينين حتى بدات البيروقراطية حملة تجميع اعضاء تحت اسم "دورة لينين" و فتحت ابواب الحزب المحروسة جيدا حتى ذلك الحين على مصراعيها و دخل منها العمال و المستخدمون و الموظفون باعداد كبيرة. و كان الهدف السياسي من وراء ذلك ذوبان الطلائع الثورية داخل كتل بشرية محرومة من التجربة و معدومة الشخصية لكن معتادة بالمقابل على اطاعة الرؤساء، و نجح المخطط. فبتحرر البيروقراطية من مراقبة الطليعة البروليتارية وجهت "دورة لينين" طعنة قاتلة لحزب لينين. و حصلت الدواوين على الاستقلال الذي تريده و حلت المركزية البيروقراطية محل المركزية الديمقراطية. اجريت تعديلات جذرية كبيرة على اجهزة الحزب و اصبحت الطاعة العمياء احسن ميزة يتمتع بها البلشفي. و باسم الصراع ضد المعارضة استبدل الثوريون بموظفين محترفين و دخل تاريخ الحزب البلشفي في مرحلة انحدار سريع.

بقي المعنى السياسي لهذا الصراع غامضا على الكثيرين نظرا لان زعماء الاتجاهات الثلاثة اليمين و الوسط و اليسار كانوا ينتمون لهيئة اركان واحدة هي قيادة الكرملين التي تشكل المكتب السياسي و كان اصحاب الافكار السطحية يعتقدون يعتقدون ان هناك صراعا شخصيا و سباقا على "خلافة" لينين و الحقيقة ان الديكتاتورية الحديدية كانت تخفي الصراعات الاجتماعية في البداية فلا تبدو الا من خلال اجهزة الحزب الحاكم. ان كثيرا من التيرميدوريين ظهروا في الماضي من الحزب اليعقوبي الذي بدا بونابرت حياته عضوا فيه. بين اليعاقبة القدامى بالذات و جد القنصل الاول و امبراطور فرنسا فيما بعد اخلص خدامه. فالايام تتغير و اليعاقبة يتبدلون بما فيهم يعاقبة القرن العشرين.

لم يبق اليوم من المكتب السياسي الذي كان في عهد لينين سوى ستالين. لقد حكم على زينوفييف و كامينيف اقرب مساعدي لينين خلال فترة الهجرة الطويلة بالسجن عشر سنوات لجريمة لم يرتكباها. و عزل ريكوف و بوخارين و تومسكي عن السلطة و نالوا و ظائف صغيرة مكافاة لهم على سلبيتهم و استسلامهم. و كاتب هذه السطور مطرود من البلاد. و ارملة لينين كروبسكايا محاطة بالشكوك لانها لم تعرف كيف تتلائم مع التيرميدوريين  رغم محاولاتها بهذا الصدد. اما اعضاء المكتب السياسي الحاليين فقد احتلوا في تاريخ الحزب البلشفي مراكز ثانوية و لو تنبا اي امرئ بصعودهم في السنوات الاولى للثورة لكانت نبوءته موضع دهشتهم و استغرابهم هم بالذات. و اصبحت القاعدة ان المكتب السياسي دائما  على حق و لا يمكن لانسان ان يكون محقا في عدائه له. الا ان المكتب السياسي لا يمكن ان يكون على حق في مواجهة ستالين الذي لكونه لا يخطئ لا يمكن ان يكون على حق ضد نفسه. لقد كانت المطالبة بعودة الحزب الى الديمقراطية اكثر مطالب مختلف تجمعات المعارضة الحاحا في الماضي و اقلها املا. لقد اشترط برنامج المعارضة اليسارية في عام 1927 اضافة مادة الى قانون العقوبات تقضي "باعتبار الاضطهاد المباشر او غير المباشر لاحد العمال، بسبب انتقاداته، جريمة خطيرة ضد الدولة" و ها نحن نجد اليوم في قانون العقوبات مادة تطبق ضد المعارضة. و لم يبق من ديمقراطية الحزب سوى ذكريات باهتة في مخيلة الجيل القديم. و زالت مع ديمقراطية الحزب ديمقراطية السوفياتات و النقابات و التعاونيات و التنظيمات الرياضية و الثقافية. و سيطر نظام السكرتيريين في كل مكان و على كل انسان. و اخذ النظام شكل الحكم المطلق قبل ان يسود في المانيا بعدة سنوات. لقد كتب راكوفسكي في عام 1928: "استطاعت الجماعة الحاكمة ان تغدو اوليغارشية لا تتزحزح و لا يمكن قلبها و ان تحل محل الطبقة و الحزب و ذلك بفضل اساليب تحطم المعنويات و تقلب الشيوعيين المفكرين الى الات و تقتل الارادة و الشخصية و الكرامة الانسانية". لقد  حقق الانحطاط المشار اليه تقدما خطيرا منذ ان كتبت هذه السطور الناقمة و اصبح البوليس السياسي عاملا حاسما في حياة الحزب الداخلية. و اذا كان استطاع مولوتوف في اذار / مارس 1936 ان يهنئ نفسه امام احد الصحفيين الفرنسيين بان الحزب الحاكم لم يعد يعرف الصراع الداخلي فهذا عائد الى ان الخلا