الثورة المغدورة

الفصل الثاني

 

النمو الاقتصادي و تعرجات القيادة

 

 

"شيوعية الحرب" و "السياسة الاقتصادية الجديدة" (النيب) و السياسة المتبعة تجاه الكولاك

 

ان الخط البياني لتطور الاقتصاد السوفياتي لا يصعد بصورة منتظمة . و لا يمكن ان نرى في ال 18 السنة من تاريخ النظام الجديد عدة مراحل تحددها ازمات حادة. ان لمحة سريعة لتاريخ اقتصاد الاتحاد السوفياتي على ضوء سياسة الحكومة ضرورية جدا لتشخيص المرض و توقع المستقبل.

لقد استمرت الحرب الاهلية العنيفة ثلاث سنوات بعد الثورة كانت الحياة الاقتصادية خلالها خاضعة لمتطلبات جبهات القتال. و بالنظر لضالة الموارد بقيت الحياة الثقافية في المحل الثاني و قد تميزت بالمدى الجريء للفكر الخلاق و خاصة فكر لينين. و يسمون هذه الفترة  فترة "شيوعية الحرب" (1918 – 1921) و هي المماثل البطولي "لاشتراكية الحرب" في البلدان الراسمالية. اقتصرت الاهداف الاقتصادية لسلطة السوفياتات على دعم الصناعة الحربية بنوع خاص و الاستفادة من الاحتياطات القليلة الموجودة بغية متابعة القتال و انقاذ سكان المدن من الجوع. لقد كانت شيوعية الحرب عبارة عن تنظيم الاستهلاك في قلعة محاصرة.

وعلينا ان نعترف هنا ان تطلعاتها كانت في بادئ الامر اوسع مدى. ولقد املت حكومة السوفياتات و حاولت ان تستخلص من هذا التنظيم اقتصادا موجها في حقل الانتاج و الاستهلاك. بكلام اخر لقد فكرت  بالانتقال رويدا رويدا من شيوعية الحرب الى الشيوعية الحقيقة دون تعديل النظام. و يقول برنامج الحزب البلشفي الذي تم تبنيه في عام 1919: تستمر سلطة السوفياتات في حقل التوزيع دونما تهاون في الاستعاضة عن التجارة بتوزيع المنتجات توزيعا منظما على الصعيد الوطني حسب المخطط الاجمالي.

لكن الصراع اخذ يزداد باستمرار بسبب العواقب الوخيمة للاعمال العدوانية و لكن ايضا بسبب انعدام  حوافز المصلحة الفردية لدى المنتجين. كانت المدينة تطلب من الريف القمح و المواد الاولية دون ان تقدم له بالمقابل سوى وريقات ملونة تحمل اسم نقود نظرا لعادة قديمة.

و اصبح الموجيك (1) يدفن مؤنه فترسل الحكومة مفارة من العمال المسلحين لمصادرة الحبوب فيخفض الموجيك بعد ذلك زراعته. اما الانتاج الصناعي فقد وصل في عام 1921 و هو العام الذي اعقب انتهاء الحرب الاهلية الى خمس انتاج ما قبل الحرب في احسن الاحوال. و انخفض انتاج الصلب من 4.2 مليون طن الى 183.000 كن اي اقل ب 23 مرة. و هبط المحصول الزراعي العام من 801 مليون كنتال الى 503 ملايين في عام 1922 و كانت مجاعة رهيبة. و تدهور حجم  التجارة الخارجية  من 2.9 مليار روبل الى 30 مليونا فقط. و انهارت القوة المنتجة بشكل لم يعرفه التاريخ. و غدت البلاد و السلطة معها على حافة الهاوية.

لقد اخضعت الامال الطوباوية "لشيوعية الحرب" بعد ذلك لنقد قاس للغاية و صحيح من عدة وجوه. و يبقى الخطا النظري الذي ارتكبه الحزب الحاكم لا مبرر له اطلاقا اذا تجاهلنا ان كل الحسابات كانت تستند انذاك الى توقع نصر مقبل للثورة في الغرب. كان يسود الاعتبار انه  من البديهي ان تزود البروليتاريا الالمانية  المنتصرة روسيا السوفياتات بالالات و المنتجات الصناعية و بعمال مؤهلين بشكل جيد و فنيين و منظمين تسد قيمتها فيما بعد باغذية و مواد اولية. و مما لا شك فيه انه لو نجحت الثورة في المانيا ( و يرجع فشلها الى الاشتراكية الديمقراطية على وجه الحصر) لتقدمت اقتصاديات المانيا  و الاتحاد السوفياتي بخطى عملاقة بحيث ان مصير اوروبا و العالم اليوم كان بدا اكثر اشراقا. بيد انه يمكن القول بكل تاكيد انه حتى في حال نجاح هذا الاحتمال  المتفائل نفسه كان لا بد من نبذ طريقة التوزيع من قبل الدولة و العودة الى الاساليب التجارية.

ويبرر لينين ضرورة اعادة علاقات السوق بان في البلاد عدة ملايين من المزارع المنعزلة التي اعتادت ان تحدد علاقتها بالعالم المحيط بها بواسطة التجارة. كانت مهمة حركة البضائع ان تؤمن "التحام" الفلاحين بالصناعة المؤممة. و صيغة "الالتحام" النظرية بسيطة جدا: على الصناعة ان تقدم للريف البضائع الضرورية باسعار تجعل الدولة تعدل عن عن مصادرة المنتجات الزراعية.

كان تحسين العلاقات الاقتصادية  مع الريف مهمة السياسة الاقتصادية الجديدة الاكثر الحاحا و الاكثر عسرا. و قد بينت التجربة بسرعة ان الصناعة نفسها كانت بحاجة رغم تشريكها الى طرائق حساب نقدي  taireιmon   ابتدعتها الراسمالية من قبل. فالخطة لا تبنى على معطيات الذكاء وحدها. و يبقى قانون العرض و الطلب بالنسبة لها القاعدة المادية الضرورية و المصحح المنقذ و ذلك لفترة طويلة. بعد ان اصبحت السوق قانونية عاودت عملها  بمساعدة نظام نقدي اعيد تنظيمه. و منذ عام 1922 و بفضل الدفعة الاولى الاتية من الريف انتعشت الصناعة و بدر عنها نشاط كثيف. و يكفي الاشارة الى ان الانتاج تضاعف في عامي 1922 – 1923 حتى بلغ في عام 1926 مستوى ما قبل الحرب اي انه زاد خمس مرات عن مستوى عام 1921. و زادت المحاصيل الزراعية بصورة متوازية و لكن بسرعة اقل.

ومنذ سنة 1923 الحاسمة ازداد اختلاف وجهات النظر التي كانت قد ظهرت سابقا في الحزب الحاكم حول العلاقة بين الصناعة و الزراعة. و لم تكن الصناعة قادرة على التقدم في بلاد استنزفت كل مدخراتها الا باستلاف الحبوب و المواد الاولية من الفلاحين. لكن "استلافات اجبارية" ثقيلة الوطاة كانت تؤدي الى قتل الحوافز للعمل:  فالفلاح الذي لا يؤمن بسعادة المستقبل كان يرد على مصادرة القمح بالامتناع عن الزراعة. اما الاستلافات الضئيلة فتهدد الاقتصاد بالركود لان الفلاح الذي لا يتلقى مواد صناعية كان يتجه الى ارضاء  متطلباته الفردية بنفسه و العودة بالتالي الى الاشكال الحرفية القديمة. و بدات الاختلافات في وجهات النظر في الحزب حول موضوع: ماذا يجب اخذه من الريف للصناعة  بغية الوصول الى توازن ديناميكي. و تعقد الامر اكثر فاكثر بمواضيع تتعلق بالتركيب الاجتماعي للريف.

وفي ربيع 1923 تكلم ممثل المعارضة اليسارية (2) – التي لم  تكن قد اتخذت لها هذا الاسم بعد – في مؤتمر الحزب مبينا الفرق بين اسعار  الصناعة و الزراعة بخط بياني يدعو الى القلق. و اطلق  على هذه الظاهرة انذاك اسم "المقص" الذي دخل فيما بعد في المصطلحات العالمية. لقد قال انذاك انه اذا استمرت الصناعة بالتاخر و افتح المقص باستمرار فسيصبح الانفصال بين الريف و المدينة امرا لا مفر منه.

وكان الفلاحون يلاحظون بوضوح الفرق بين ثورة البلاشفة  الزراعية الديمقراطية و سياستهم المتجهة لارساء قواعد الاشتراكية. لقد كسب الفلاحون  في مصادرة الاملاك الخاصة و املاك الدولة اكثر من نصف مليار روبل ذهبي في العام الواحد الا انهم خسروا هذا المبلغ بل اكثر منه  بسبب الاسعار المرتفعة  للسلع الصناعية التي تنتجها الدولة. و ما دامت الموازنة بين الثورتين الديمقراطية  و الاشتراكية  المجتمعتين في ثورة اوكتوبر تؤدي بالنتيجة الى خسارة المزارعين لمئات الملايين من الروبلات سنويا فان تحالف الطبقتين يبقى امرا مشكوكا فيه.

ان تقسيم  الزراعة الموروث من الماضي تزايد بعد ثورة اوكتوبر كما ازداد عدد قطع الارض في السنوات العشر  الاخيرة من 16 الى 25 مليونا وهو ما زاد في  اتجاه معظم الفلاحين الى ارضاء حاجاتهم الفردية فقط. و كان هذا من  اسباب نقص المواد الغذائية.

 ان ضعفا في انتاج السلع يؤدي بدون شك الى بروز مستغلين. و قد تزايدت مع تقد الريف الفروقات وسط الجماهير  الفلاحية:  كان هؤلاء يسيرون  على الطريق القديم للتطور السهل. و كان الكولاك يثرون بسرعة اكبر من سرعة التقدم الزراعي ان سياسة الدولة  التي كانت ترفع شعار: "التحول الى الريف" يعطي الحظوة للكولاك في الحقيقة. و قد تحمل الفلاحون الفقراء ضرائب اثقل من ضرائب الفلاحين الاغنياء الذين كانوا يحصلون ايضا  على معظم سلف الدولة. و اصبح فائض القمح المخزون على وجه الخصوص لدى الفلاحين الاغنياء وسيلة لاستعباد الفقراء وكان يباع للبرجوازية الصغيرة في المدن باسعار فاحشة. ان بوخارين الذي كان منظر الجناح الحاكم انذاك  كان يوجه للفلاحين شعاره الشمهور: "اثروا!" وكان من المفترض ان يعني ذلك نظريا تذويب الكولاك بالتدريج عبر التدابير الاشتراكية لكن الامر بدا عمليا مغايرا لذلك و ادى الى اثراء الاقلية على حساب الاكثرية الساحقة.

وغدت الدولة الاسيرة لسياستها مضطرة للتراجع خطوة خطوة امام البرجوازية الزراعية الصغيرة. فاصبح استخدام اليد العاملة الماجورة في الزراعة و تاجير الارض بحماية القانون في عام 1925. كما غدا الفلاحون  بين قطبين: الراسمالي الصغير و الاجير المياوم. ان الدولة  التي لا تملك بضائع صناعية كافية قد استبعدت من السوق الريفية فظهر من تحت الارض وسيط يعمل بين الكولاك و المعلمين الحرفيين الصغار. و لجات مشاريع الدولة نفسها  الى البحث عن المواد الاولية لدى التجار. لقد شعر الجميع بالمد الراسمالي الصاعد كما راى كل ذي بصيرة ان تغيير اشكال الملكية لا يحل مسالة الاشتراكية  بل يطرحها فقط.

و في عام 1925 عندما كانت سياسة  التوجه نحو الكولاك في اوجها بدا ستالين يعد العدة لالغاء تاميم الارض. و حينما ساله احد الصحفيين السوفيات: "اليس من مصلحة الزراعة اعطاء كل مزارع قطعة الارض التي يزرعها و ذلك لمدة 10 سنوات؟" اجابه: "بل لمدة 40 سنة!". بناء على مبادرة ستالين الشخصية قدم مفوض الشعب للزراعة في جمهورية جورجيا مشروع قانون لالغاء تاميم الارض. اما الهدف فكان منح المزارعين الثقة بمستقبلهم. و الحالة هذه كان 60 بالمائة من القمح المعد للتجارة قد اصبح في ربيع 1926 بحوزة 6 بالمائة من المزارعين! و لم يكن لدى الدولة ما يكفيها من الحبوب للتجارة الخارجية او حتى لمتطلبات البلاد فاضطرت كنتيجة لقلة الصادرات الى الاستغناء عن استيراد المنتجات الصناعية و التخفيض ما امكن من استيرادها للمواد الاولية و الالات.

ان السياسة المسايرة للكولاك التي كانت تعيق التصنيع و تنزل الضرر باكثرية الفلاحين كشفت منذ اعوام  1924 – 1936 عن نتائجها السياسية:  فباعطائها البرجوازية الصغيرة في المدن و الريف ثقة خارقة بالنفس دفعتها الى السيطرة على عدة سوفياتات محلية. وقوت البيروقراطية و زادت ثقتها بنفسها و اخذت تثقل كاهل العمال اكثر فاكثر. و ادت الى الغاء كل اشكال الديمقراطية في الحزب و في المجتمع السوفياتي. و تسببت قوة الكولاك المتزايدة بترويع عضوين مرموقين من الجماعة الحاكمة هما زينوفييف و كامينييف و هما رئيسا السوفييت في اكثر مراكز الحركة العمالية اهمية: لينينغراد و موسكو. و لكن الريف و البيروقراطية كانا مع ستالين. فانتصرت سياسة  تشجيع كبار المزارعين و انضم زينوفييف و كامينييف و انصارهما عام 1926 الى معارضة 1933 (المسماة ب "التروتسكية").

و الحقيقة ان الجماعة الحاكمة لم ترفض ابدا من حيث "المبدا" جماعية الزراعة و لكنها كانت تؤجلها الى عدة عقود زمنية اخرى. لقد كتب مفوض الشعب للزراعة ياكوفليف في عام 1927 انه اذا كان تحويل الريف اشتراكيا لا يتم الا بالجماعية فانه "لن يحصل خلال سنة او سنتين او ثلاث سنوات بل ربما لن يحصل بمرور سنوات عشر". و كتب بعد ذلك: "ان الكولخوزات (المزارع الجماعية) و الكوميونات كانت و ستبقى لمدة طويلة ايضا عبارة عن جزر وسط ملكيات الفلاحين الزراعية الفردية". و في الواقع لم يكن الاستثمار الزراعي الجماعي انذاك يضم اكثر من 0.8 بالمائة من عائلات المزارعين.

و في عام 1923 بدا الصراع واضحا داخل الحزب في سبيل ما يدعى "الخلط العام" ثم اخذ شكلا عنيفا و حادا اعتبارا من 1926. و كتبت المعارضة اليسارية في برنامجها الذي تناول المشاكل الاقتصادية و الصناعية كافة تقول: "يجب على الحزب ان يدين بدون شفقة كل المحاولات الرامية الى الغاء فكرة تاميم الارض او التخفيف من هذه الفكرة التي تشكل قاعدة من قواعد ديكتاتورية البروليتاريا". و انتصرت موضوعة المعارضة و توقفت المحاولات المكشوفة لعرقلة تاميم الارض. لكن الامر كان اعمق من ذلك و لم تتمحور المسالة حول شكل ملكية الارض فقط.

وقد اوضح البرنامج السياسي للمعارضة قائلا: "مقابل الاهمية المتزايدة للمزارع الفردية في الريف ينبغي الرد بنمو الاستثمارات الجماعية الاكثر سرعة. هناك ما يدعو لان نعطي سنويا و بصورة منتظمة مبالغ كبيرة لدعم الفلاحين الفقراء المجمعين في مزارع جماعية"..."لابد للعمل التعاوني بمجمله من ان يتجه نحو قلب الانتاج الصغير و استبداله بانتاج جماعي واسع". لقد اصرت الجماعة الحاكمة على ان تعتبر اي برنامج واسع للتجميع نوعا من الطوبى في المستقبل القريب. هكذا و جدنا ابان الاعداد للمؤتمر الخامس عشر للحزب الذي كان مخططا ليجري فيه طرد المعارضة كيف انبرى مولوتوف رئيس مجلس مفوضي الشعب فيما بعد مكررا: "لا يمكن ان نترك لانفسنا العنان و نندفع ضمن الظروف الحالية مع اوهام الفلاحين الفقراء الساعية الى الجماعية الجماهيرية". لقد حدث ذلك في اواخر عام 1927 و قد كان التكتل الحاكم يجهل انذاك ما هي السياسة التي سوف يعتمدها فيما بعد بالنسبة للارياف.

لقد كانت تلك السنوات نفسها (1923 – 1928) هي سنوات صراع التحالف القابض على السلطة (ستالين و مولوتوف و ريكوف و تومسكي و بوخارين و زينوفييف و كامينييف) ضد "جماعة التصنيع الكبير" المؤيدة للتخطيط. و لسوف يستغرب  مؤرخو المستقبل عندما يكتشفون الحذر الهدام  الذي سيطر انذاك على عقلية الحكومة السوفياتية تجاه كل مبادرة اقتصادية جريئة. و قد تقدم التصنيع  بخطوات تجريبية بناء على دفعات خارجية وكانت الحسابات تتعرض الى تعديلات مستمرة خلال العمل  مما سبب زيادة ضخمة في النفقات العامة. و عندما طالبت المعارضة بدا بعام 1923 بتاظيم خطة خماسية استقبل كلامها بهزء يشبه سخرية البرجوازية الصغيرة الخائفة من "القفز في المجهول". و في نيسان 1927 اكد ستالين في اجتماع اللجنة المركزية بان البدء ببناء المحطة الكهربائية الكبيرة على نهر الدنيبر سيكون مثله بالنسبة لنا كمثل الموجيك الذي يشتري حاكيا بدلا من ان يشتري بقرة. لقد عبرت هذه المقارنة عن موجز لبرنامج كامل. و من المفيد ان نذكر في هذا المجال بان كل الصحف البرجوازية العالمية و بعدها الصحف الاشتراكية كانت تنشر بكل طيبة خاطر اتهامات الدولة للمعارضة اليسارية بالرومنطيقية الصناعية.

و في حين كانت المناقشات تحتدم في الحزب كان الفلاح يرد على نقص السلع الصناعية باضرابات ازداد عنادها يوما  بعد يوم و يمتنع عن انزال حبوبه الى السوق و زيادة انتاج القمح. هذا و قد كان زعماء الجناح اليميني (ريكوف – تومسكي – بوخارين) يطالبون باعطاء حرية اكبر للميول الراسمالية في الريف: كزيادة سعر القمح حتى و لو ادى ذلك الى الاقلال من سرعة التصنيع.  كان الحل الوحيد وفقا لهذه السايسة هو التوجه نحو استيراد بضائع صناعية مقابل المواد الاولية التي يقدمها المزارعون للتصدير. و معنى ذلك تحقيق عملية 'الالتحام' بين الفلاح الغني و الراسمالية العالمية بدلا من 'التحام' الاقتصاد الزراعي بالصناعة الاشتراكية اي ضياع الاهداف التي قامت من اجلها ثورة اوكتوبر.

 و في عام 1926 رد ممثل المعارضة(3)  في مؤتمر الحزب بقوله: "ان زيادة سرعة التصنيع لا سيما عبر فرض ضرائب اكبر على الكولاك ستؤدي الى زيادة البضائع مما يسمح بخفض الاسعار.. و على هذا النحو يستفيد العمال و معظم الفلاحين. ان استدارتنا نحو الريف لا تعني ان ندير ظهرنا للصناعة بل ان ندير الصناعة نحو الريف لان الريف لا يحتاج الى تامل وجه دولة لا تمتلك صناعة".

وجاءت ردود ستالين مدوية بوجه بوجه "خطة المعارضة الخيالية". و قال ان على الصناعة ان "لا تتقدم كثيرا  منفصلة عن الزراعة و متجاهلة وتيرة التراكم في بلدنا". و كانت قرارات الحزب تردد الحقائق الاولية ذاتها حول التلائم السلبي مع متطلبات الفلاحين الاغنياء. و قرر المؤتمر الخامس عشر للحزب الشيوعي الذي اجتمع في كانون الاول عام 1927 ليلحق "بجماعة التصنيع الكبير" هزيمة ساحقة ان يحذر من "الخطر الكامن وراء تثمير رساميل كبيرة في البناء الصناعي". و لم يكن التكتل الحاكم يرغب انذاك برؤية الاخطار الاخرى.

لقد شهدت السنة الاقتصادية 1927 – 1928 انتهاء الفترة المسماة بفترة اعادة البناء و التي عملت الصناعة خلالها بادوات ما قبل الثورة كما عملت الزراعة بوسائلها القديمة . و كان التقدم اللاحق يتطلب بناء صناعيا ضخما. لقد اصبح من المستحيل الحكم خبط عشواء و دونما خطة.

لقد حللت المعارضة احتمالات التصنيع الاشتراكي منذ اعوام 1923 – 1925

فاستنتجت بعد استنفاد الامكانيات التاي تقدمها الالات الموروثة عن البرجوازية ان الصناعة السوفييتية تستطيع بالاستناد الى التراكم الاشتراكي النمو بسرعة لا يمكن للراسمالية بلوغها. لقد كان قادة التكتل الحاكم يسخرون علانية من المعاملات coefficients   المتراوحة بين 15 و 18 بالمائة المصاغة بحذر كما لو كانت موسيقى خرافية اتية من مستقبل مجهول. و قد كان هذا مضمون النضال ضد "التروتسكية في ذلك الحين".

ان اول مخطط اجمالي رسمي للخطة الخمسية جرى وضعه في عام 1927 انما وضع بروح خسيسة مثيرة للسخرية. كان على زيادة الانتاج الصناعي وفقا  لهذه الخطة ان تتراوح بين 9 و 4 بالمائة تبعا لخط منحن اقل حدة عاما بع عام. كان على الاستهلاك الفردي الا يزيد خلال سنوات خمس الى اكثر من 12 بالمائة.  و يبدو الجبن غير المعقول لهذا التصور بمزيد من الوضوح اذا عرفنا انه كان على ميزانية الدولة في نهاية الخطة الخمسية الا تتجاوز 16 بالمائة فقط من الدخل القومي بينما كانت ميزانية روسيا القيصرية التي لم تفكر طبعا ببناء مجتمع اشتراكي تمتص 18 بالمائة من هذا الدخل! ربما ليس نافلا ان نضيف بان واضعي هذه الخطة من مهندسين و اقتصاديين تعرضوا بعد عدة سنين الى المثول امام المحاكم التي ادانتهم بقسوة متناهية بتهمة  التخريب و العمل بوحي قوة عظمى اجنبية. و لو تجرا المتهمون لاظهروا في المحكمة ام دورهم في وضع الخطة كان متوافقا تماما مع "الخط العام" للمكتب السياسي الذي كان يصدر لهم التعليمات.

ان صراع الاتجاهات قد عبر عن نفسه بلغة الارقام. لقد اوضح برنامج المعارضة: "ان صياغة مخطط على تلك الدرجة من القماءة و التشاؤم في العيد العاشر لثورة اوكتوبر يعني في الحقيقة العمل ضد الاشتراكية". و قد قام المكتب السياسي بعد ذلك بسنة باقرار مشروع جديد لخطة خكسية يكون معدل زيادة الانتاج السنوية بموجبها 9 بالمائة. ان التطور الفعلي كان يتكشف عن ميل عنيد للاقتراب من معاملات "جماعة التصنيع الكبير". و عندما تبدلت سياسة الدولة راديكاليا بعد ذلك بسنة قررة لجنة الخطة مشروعا ثالثا تتفق ديناميكيته بشكل غريب مع التشخيصات الافتراضية التي قدمتها المعارضة في عام 1925.

ان التاريخ الحقيقي لسياسة الاتحاد السوفييتي الاقتصادية  مختلف كل الاختلاف عن الاسطورة التي تبتدعها الدولة و من المؤسف ان نرى كتابا شرفاء مثل الزوجين ويب لم ينتبهوا لهذا الامر.

 

انعطاف مفاجئ: "الخطة الخمسية في 4 سنوات" و "الجماعية الكاملة"

 

ان التردد  تجاه المزارع الفلاحية الفردية و الحذر تجاه الخطط الكبرى و الدفاع عن تطور بطيء و ازدراء المشكلة الاممية امور شكلت بمجموعها نظرية "الاشتراكية في بلد واحد" التي صاغها ستالين لاول مرة  في خريف عام 1924 بعد هزيمة البروليتاريا في المانيا. وهي تقضي بعدم الاستعجال بعملية التصنيع  و بمسايرة الموجيك و عدم الاعتماد على الثورة العالمية و بالامتناع قبل كل شيء عن نقد السلطة البيروقراطية!  و ليس انقسام الفلاحين الى شرائح ضمن هذا المنظور الا من بنات افكار المعارضة و عندما قدم المكتب المركزي للاحصاء جداول تولي الكولاك مكانة اكبر مما تتمناه السلطة عمد ياكوفليف المذكور انفا الى الغاء هذا المكتب. و بينما كان القادة يطلقون التاكيدات المطمئنة حول الخلاص من القحط في انتاج السلع و "السير الهادئ للتطور" القادم و التخزين الاكثر "تكافؤا للحبوب الخ كان الفلاح المترف الذي اصبح اقوى يجر خلفه الفالاح المتوسط و يمتنعان معا عن تقديم القمح للمدن. و في يناير 1928 و جدت الطبقة العاملة نفسها وجها لوجه امام مجاعة وشيكة. ان للتاريخ احيانا ممازحات قاسية ففي الشهر الذي اطبق فيه الكولاك على رقبة الثورة القت الحكومة بممثلي المعارضة اليسارية في السجون او ارسلتهم الى سيبيريا لانهم "القوا الهلع"  في قلوب المواطنين عندما حدثوهم عن شبح الكولاك!

و حاولت الحكومة ان تجد تفسيرا لاحجام الفلاحين عن تسليم القمح  فقالت في تفسيرها ان سبب هذا الاحجام هو عداء الكولاك لنظام الحكم الاشتراكي (و لكن من اين خرج الكولاك؟) اي حوافز سياسية عامة. و لكن الفلاح الغني  لا يميل لمثل هذه 'المثاليات'. فهو يخفي قمحه لان بيعه غير مريح و لان هذا الاحجام عن البيع  يزيد من تاثيره بين الفلاحين. ان التدابير القمعية ماخوذة على حدة غير كافية اطلاقا لمواجهة التخريب من جانب الفلاحين الميسورين و قد كان ينبغي تبديل السياسة المتبعة الا ان الحيرة و التردد استمرا وقتا طويلا.

في تموز / يوليو 1928 اعلن ريكوف الذي كان ما يزال يرئس الحكومة في تلك المرحلة  ان "توسيع  المزارع الفردية هو المهمة الاساسية للحزب". و ردد ستالين صدى كلامه قائلا: "هناك اشخاص يظنون ان عهد المزارع الفردية قد ولى و لم يعد ينبغي تشجيعها... ليس لهؤلاء الاشخاص ما يجمعهم مع الخط العام لحزبنا". و بعد اقل من عام لم يعد الخط العام للحزب متلائما مع هذا الكلام: لقد بزغ فجر الجماعية الكاملة في الافق.

 نتج الاتجاه الجديد عن تدابير تجريبية كالسابق بعد صراع خفي داخل المجموعة الحاكمة. لقد سبق و قالت المعارضة: "يجمع اليمين و الوسط عداؤهما المشترك للمعارضة التي سيؤدي استبعادها الى تسريع الصراع في ما بينهما حتما". وهو ما حصل بالفعل. لكن زعماء الكتلة الحاكمة السائرة الى التفكك رفضوا الاعتراف باي شكل من الاشكال  بان توقع المعارضة هذا قد تحقق كما الحال مع العديد من التوقعات الاخرى. و في 19 تشرين الاول / اوكتوبر 1928 كان ستالين لا يزال يردد: "لقد الان الاوان لننتهي من الاشاعات حول وجود يمين  يبدي نحوه التسامح المكتب السياسي للجنتنا المركزية". لكن المجموعتين كانتا تتحسسان  مع ذلك مكاتب الحزب و عاش الحزم المكموم وسط الاشاعات الغامضة و الظنون. و بعد مرور عدة اشهر اذا بالصحف الرسمية تنشر ان رئيس الحكومة ريكوف "كان يناور مستفيدا من متاعب السلطات السوفييتية". و ان رئيس الاممية الشيوعية  بوخارين كان "خاضعا للتاثيرات الليبرالية – البرجوازية" و ان تومسكي رئيس المجلس المركزي للنقابات لم يكن سوى نقابي بائس. و كان الثلاثي ريكوف و بوخارين و تومسكي اعضاء في المكتب السياسي.  اذا كانت السلطة قد استخدمت في صراعها ضد المعارضة اليسارية اسلحة مستعارة من مستودع اليمين ففي وسع بوخارين ان يتهم ستالين  الان بانه  يستعين في مواجهته لليمين بنتف من برنامج المعارضة المدانة وهو محق في هذا الاتهام.

مهما  فقد تم الانعطاف و اصبح شعار "اثروا" و نظرية امتصاص الاشتراكية للكولاك من دون الم فكرتين مرفوضتين بحزم و ان بصورة متاخرة و اصبح التصنيع شعار اليوم. و حل بدلا من القناعة و الرضى هلع جارف. وشعار "اللحاق و السبق" الذي رفعه لينين و كاد ان ينسى اضيف اليه تعبير "في اقصر مدة". و حل مكان الخطة الخمسية التي تشكل الحد الادنى  و التي وافق عليها مؤتمر الحزب مبدئيا خطة جديدة اخذت عناصرها الرئيسية من برنامج المعارضة اليسارية المهزومة بالامس. و تركزت الانظار كلها على مشروع السد على نهر الدنيبر الذي شبه قبل مدة قصيرة بالحاكي.

وعند ظهور بوادر اولية للنجاح اعطيت تعليمات جددية لتنفيذ الخطة الخمسية في 4 سنوات. واعتقد التجريبيون المبللون ان كل شيء اصبح بمقدورهم و انقلبت الانتهازية (كما يحصل كثيرا في التاريخ) الى مغامرة اي الى نقيضها. انتقل المكتب السياسي الذي كان مستعدا في 1923 – 1928 للتكيف مع فلسفة بوخارين حول "التقدم بسرعة السلحفاة" الى الارتفاع بالنمو السنوي من 20 الى 30 بالمائة محاولا ان يجعل من كل نجاح مؤقت قاعدة و متجاهلا ارتباط فروع الاقتصاد بعضها بالبعض الاخر. هذا و قد اخذت الاوراق النقدية تستعمل لسد الثغرات المالية في الخطة فارتفعت الاوراق النقدية المتداولة من 1.7 مليار روبل الى 5.5 مليار روبل لتصل في منتصف المرحلة الثانية الى 8.4 مليار روبل. اما البيروقراطية فلم تتخلص فقط فقط من مراقبة الجماهير التي اثقل التصنيع السريع كاهلها بل ايضا من مراقبة التشرفونييتز (4) الاموتوماتيكية. واهتز النظام المالي من جذوره مرة اخرى بعد ان كانت ارسيت قواعده على اسس ثابتة في بدء مرحلة النيب NEP.

الا ان الخطر الاكبر على النظام و الخطة برز في الريف. فقد عرف الشعب فجاة في 15 شباط / فبراير عن طريق افتتاحية في البرافدا ان صورة الريف الحقيقة مختلفة عن الصورة التي رسمته له السلطات حتى الان و تسبه الى حد بعيد الشكل الذي رسمته له المعارضة التي طردها المؤتمر. اما الصحافة  التي كانمت تنكر بالامس وجود الكولاك فقد اكتشفتهم اليوم فجاة بناء على اوامر عليا لا في الريف فحسب بل في داخل الحزب نفسه.

و عرف الجميع ان خلايا الحزب كانت غالبا تحت سيطرة الفلاحين الاغنياء الذين يملكون ادوات زراعية متنوعة و يستخدمون اليد العاملة الماجورة بشكل واسع و يخفون مئات بل الاف 'البود' (5)  من الحبوب و يظهرون فضلا عن ذلك كاعداء الداء للسياسة "التروتسكية". و قد تسابقت  الصحف الى نشر معلومات مثيرة عن كولاك يشغلون مراكز امناء عامين في اللجان المحلية  و يعملون على ابعاد الفلاحين الفقراء و المياومين عن الحزب. و اقلبت كل المعايير و القيم القديمة راسا على عقب.

اصبح من الضروري مصادرة خبز الكولاك اليومي لتموين المدن و لم يكن هذا يتم بدون عنف كما اخذت مصادرة مستودعات الكولاك و الفلاحين المتوسطين في اللغة الرسمية اسم "تدابير استثنائية". و هذا يعني وعد الريف بالعودة للسير على الطريق القويم في المستقبل. لكن الريف لم يقتنع بمعسول الكلام و كان محقا في ذلك. و قتلت المصادرة القسرية لقمح المزارعين الاغنياء الرغبة في زيادة المساحة المزروعة. كما وجد المزارعون الفقراء و الاجراء الزراعيون الميامون انفسهم بلا عمل و غدت الزراعة و الدولة معها في طريق مسدود مرة اخرى. فكان لا بد من تبديل "الخط العام" باي ثمن.

ان ستالين و مولوتوف اللذين استمرا يمنحان الافضلية للزراعات الفردية المجزاة اخذا يؤكدان ضرورة الاسراع بتوسيع مزارع الدولة (السوفخوزات) و المزارع الجماعية للفلاحين (الكولخوزات). لكن لما كان نقص التموين الخطير لا يسمح بايقاف حملات المصادرة العسكرية التي تشن على الريف و جد برنامج النهوض بالزراعة الفردية المجزاة نفسه معلقا في الهواء. و كان لا بد من "الانزلاق على منحدر" الجماعية. فتولد عن "التدابير الاستثنائية" المؤقتة المستخدمة لمصادرة القمح برنامج "لتصفية الكولاك كطبقة". و جاءت التعليمات المتضاربة الاكثر غزارة من انصبة الخبز لتكشف بما لا يقبل الشك فقدان اي برنامج زراعي لخمس سنوات او حتى لخمس شهور.

لقد كان على الزراعة الجماعية حسب الخطة التي تم وضعها خلال ازمة التموين ان تشمل في نهاية السنة الخامسة حوالي 20 بالمائة من عائلات الفلاحين. هذا البرنامج الذي تتكشف ضخامته اذا ما عرفنا ان الزراعة الجماعية لم تشمل خلال السنوات العشر المنصرمة سوى 1 بالمائة من عائلات الفلاحين تم تجاوزه خلال اقل من سنتين و نصف بعد بدء تطبيق الخطة الخمسية.

و في تشرين الثاني / نوفمبر 1929 انهى ستالين تردده و اعلن نهاية الزراعة الفردية المجزاة قائلا: "يدخل الفلاحون في الكولخوزات بقرى كاملة و كانوتونات و اقضية". اما ياكوفليف الذي قال قبل سنتين ان الكولخوزات ستبقى مدة طويلة "واحات بين اقسام الارض المجزاة" فقد تلقى بصفته المفوض للزراعة امر "تصفية الفلاحين  الاغنياء كطبقة" و نشر الجماعية الكاملة "في اقصر وقت". و في عام 1929 ارتفع عدد العائلات التابعة للكولخوزات من 1.7 بالمائة الى 3.9 بالمائة كما بلغت النسبة 23.6 بالمائة في عام 1930 و 52.7 بالمائة في عام 1931 و 61.5 بالمائة عام 1932.

لم يعد هنالك اليوم من يردد ببلاهة ثرثرة اللليبيراليين التي تقول ان الجماعية بمجملها كانت ثمرة العنف وحده. لقد ثار الفلاحون على سيادتهم خلال نضالهم عبر التاريخ من اجل الارض و انتقلوا احيانا ليستعمروا مناطق عذراء او انشاوا بدعا دينية حلت للموجيك مشكلة ضيق الارض بالسماوات الواسعة. و قد اصبحت مسالة تجميع الارض في مزارع واسعة منذ انهاء الاقطاعيات الكبيرة و توزيع الارض الى اقسام صغيرة قضية حياة او موت بالنسبة للزراعة و الفلاحين و المجتمع باسره.

لكن هذا الاعتبار التاريخي العام لم يحل المعضلة. و لم تكن الامكانات الحقيقة للجماعية تتحدد بوضع الفلاحين البائس و لا بالطاقة الادارية للحكومة بل قبل كل شيء بالموارد الانتاجية المتوفرة اي بمقدار ما تستطيع الصناعة ان تقدم من ادوات للمزارع الكبيرة. هذه المعطيات المادية كانت عمليا مفقودة. لقد تم تجهيز الكولخوزات بادوات لا تفيد سوى الاراضي المجزاة. و تحقيق الجماعية بسرعة فائقة في مثل هذه الظروف  مغامرة اقتصادية مجهولة النتائج.

و لم تتمكن الدولة  التي فاجاتها حدة هذا الانعطاف الذي قامت به من القيام بتحضير سياسي اولي للواقع الجديد. كانت السلطات المحلية تجهل تماما كما الفلاحون ما يتوجب عليها صنعه.  و توترت اعصاب الفلاحين اثر اشاعات تحدثت عن "مصادرة" المواشي و لم يكن الامر بعيدا عن الواقع كما سنرى. لقد تحققت الفكرة التي اتهمت بها المعارضة في الماضي لتشويه ارائها: فقامت البيروقراطية "بنهب الريف" و اصبحت الجماعية بالنسبة للفلاح مرادفة للمصادرة الكاملة. و لم تشمل الجماعية الخيول و الابقار و الخراف و الخنازير فقط بل و صغار افراخ الدجاج ايضا. و كتب شاهد عيان في الخارج ما يلي: " كان يؤخذ  من الكولاك كل شيء حتى احذية الاطفال المصنوعة من اللباد".  و قد نتج عن ذلك ان باع الفلاحون  مواشيهم بالجملة و بابخس الاسعار  او ذبحوها ليستفيدوا من لحمها و جلدها.

و في يناير 1930 رسم اندرييف عضو اللجنة المركزية في مؤتمر موسكو الصورة التالية للجماعية: فمن جهة بدا ان حركة التجميع القوية التي مكت البلاد قاطبة  "ستجتاح في طريقها كل الحواجز" و من جهة اخرى كانت مبادرة الفلاحين عشية الانضمام الى الكولخوز الى بيع ادواتهم و مواشيهم و بذارهم بغية الربح تتم "على نطاق واسع خطير". و يصف هذان التاكيدان المتناقضان الطابع المرضي للتجميع هذا التدبير اليائس و صفا صحيحا منطلقين من وجهتي نظر متقابلتين. و لقد كتب المراقب الناقد الذي اشرنا اليه ما يلي: "ان التجميع الكامل قد اغرق الاقتصاد في بؤس لا مثيل له منذ زمن بعيد حتى لكان حربا دامت سنوات ثلاث مرت من هناك".

لقد ارادت البيروقراطية ان تتجاهل 25 مليون عائلة من الفلاحين منعزلة و انانية كانت حتى البارحة المحرك الوحيد للزراعة رغم ضعفها و هزالها الذي يشبه هزال حصان الموجيك لتضع محلها بجرة قلم 200 الف مجلس ادارة لكولخوزات محرومة من الوسائط التقنية و المعارف الزراعية و لا تتمتع بدعم الفلاحين انفسهم. و لم تلبث ان ظهرت النتائج المدمرة لهذه المغامرة و قد دام تاثيرها عدة سنوات. لقد كان  محصول الحبوب في عام 1930 (835) مليون كنتال فانخفض في السنتين التاليتين الى اقل من 700 مليون. و مع ان هذا الفرق لا يبدو كارثة الا انه كان يمثل بالضبط فقدان  فقدان الكمية اللازمة من القمح لتمووين المدن قبل ان تعتاد على حصص التموين لفترات المجاعة. و لم تكن زراعة النباتات الصناعية احسن حالا فقد كان انتاج السكر قبل تطبيق الجماعية 109 ملايين بود فهبط بعد سنتين و في ظل الجماعية الكاملة الى 48 مليون بود بسبب نقص الشمندر و اصاب الاعصار الاكثر تدميرا حيوانات الريف فهبط عدد الخيول بنسبة 55 بالمائة من 34.6 مليون  في عام 1929 الى 15.6 مليون في عام 1934. كما انخفض عدد الابقار من 30.7 مليون الى 19.5 مليون اي بنسبة 40 بالمائة و الخنازير بنسبة 55 بالمائة و الخراف بنسبة 66 بالمائة. و لم تحدد الخسائر بالرجال – الناتجة عن الجوع و البرد و الاوبئة و عمليات القمع – بدقة توازي دقة حساب الخسائر على مستوى المواشي و لكن يمكن تقديرها ايضا بالملايين. و لا تعود مسؤولية هذا على الجماعية بل على الاساليب العمياء الاعتباطية العنيفة التي رافقت تطبيق الجماعية. و لم تبادر البيروقراطية الى حسبان حساب اي شيء مسبقا. و لم ينشر قانون تنظيم الكولخوزات الذي حاول ان يربط منفعة الفلاح الفردية بالنفع العام الا بعد ان  نهب الريف بشكل وحشي.

وشكلت محاولة الهروب من نتائج سياسة اعوام 1923- 1928 اساس التسرع بتطبيق هذه السياسة الجديدة. و على الرغم من ذلك فقد كان بامكان الجماعية ان تخطو بوتيرة اكثر عقلانية ووفقا لاشكال اكثر اتزانا. فالبيروقراطية الماسكة بزمام السلطة و الصناعة قادرة على تنظيمها دون ان تدفع البلاد الى حافة الهاوية. كما كان من الممكن و الضروري ايضا السير بسرعة تتلائم   مع موارد البلاد المادية و المعنوية. لقد كتبت "المعارضة اليسارية" في نشرتها الصادرة في الخارج عام 1930 ما يلي: "يمكن في ظروف داخلية و عالمية ملائمة تحويل حالة الزراعة  المادية و التقنية بصورة جذرية و ارساء قواعد للجماعية على صعيد الانتاج خلال مهلة تتراوح بين 10 و 15 سنة. و لكن سلطة السوفياتات ستكون اثناء هذه الفترة معرضة للاطاحة عدة مرات".

و لكم يكن هذا التحذير مبالغا به حيث ان ريح الفناء لم تهب على ثورة اوكتوبر عنيفة كاسحة مثل ايام الجماعية الكاملة. لقد مزق التذمر و القلق و عمليات الارهاب البلاد باسرها. كما عاد جو الحرب الاهلية الى الاذهان بفعل فوضى النظام المالي و تضارب اسعار الحد الاقصى التي حددتها الدولة مع الاسعار "المتعارف عليها" و اسعار السوق الحرة و الانتقال من ظاهر التجارة بين الدولة و الفلاحين الى ضرائب تتمثل بمقادير من الحبوب و اللحوم و الالبان و الصراع المرير ضد السرقات المتواصلة لممتلكات الكولخوزات و اخفاء هذه السرقات و الاستنفار العسكري للحزب ضد محاولات التخريب التي يقوم  بها الكولاك بعد تصفيتهم كطبقة و العودة الى بطاقة التموين و حصص المجاعة و اخيرا تنظيم جوازات السفر الداخلية.

و ساءت عملية تموين المصانع بالمواد الاولية من فصل لفصل و ادت ظروف الحياة القاسية الى ميوعة اليد العاملة و التقصير في العمل و الاهمال و تخريب الالات و ارتفاع نسبة العيوب في الانتاج و وقعه في رداءة النوعية. هذا و قد انخفض مردود العمل في عام 1931 بنسبة 11.7 بالمائة. و صرح مولوتوف في عام 1932 تصريحا نقلته الصحافة السوفييتية عن ازدياد الانتاج الصناعي بمقدار 8.5 بالمائة فقط بدلا من نسبة 36 بالمائة المحددة بالخطة. ثم اعلنت البيروقراطية انه تم تنفيذ الخطة الخمسية في 4 سنوات  و 3 اشهر و هذا دليل على ان استهتارها و احتقارها للراي العام و الاحصاءات ليس لهما حدود. و الاهم من ذلك ان الامر لم يكن يتعلق بالخطة الخمسية فحسب بل بمصير النظام كله.

لقد صمد النظام رغم كل شيء بفضل جذوره الجماهيرية العميقة و بسبب ظروف خارجية ملائمة لقد وصلت الحالة بالاتحاد السوفياتي في سنوات الفوضى الاقتصادية و الحرب الاهلية في الريف الى درجة كاملة من الشلل امام كل عدوان خارجي. و امتد تذمر الفلاحين الى الجيش و افقد انعدام الامن و غياب الاستقرار البيروقراطية و كادراتها القيادية معنوياتها. و لو وقع في هذه الفترة عدوان في الشرق او الغرب لكان له نتائج وخيمة حاسمة.

لقد غرق العالم الراسمالي لحسن الحظ  خلال السنوات الاولى من الازمة الصناعية و التجارية في حالة انتظار مبلبلة. و لم يكن هناك من يرغب بالحرب  او يجرؤ عليها. كما انه لم يكن لدى اعداء الاتحاد السوفياتي صورة واضحة عن مدى خطورة الاضطراب الاجتماعي الذي كان يجتاح البلاد بفعل الموسيقى الصاخبة للجوقات الرسمية على شرف "الخط العام".

تبين دراستنا التاريخية رغم اقتضابها كيف ان اللوحة المثالية عن سلسلة متعاقبة من النجاحات كانت امرا بعيدا عن التطور الحقيقي للدولة العمالية. و سيفيدنا الماضي المليء بالازمات في الكشف عن معلومات تنفع في المستقبل. كما ان دراسة تاريخية لسياسة حكومة السوفيات الاقتصادية و تقلباتها تبدو لنا ضرورية  للقضاء على عبادة الفرد  التي تبحث عن اسباب النجاح الحقيقية او الكاذبة في صفات الزعماء الخارقة بدلا من ان تبحث عنها في ظروف الملكية الاشتراكية التي خلقتها الثورة.

تظهر ميزات النظام الاجتماعي الجديد طبعا من خلال اساليب القيادة لكن هذه الاساليب تعبر كذلك عن الحالة الاقتصادية و الثقافية المتاخرة للبلاد و عن محيط البرجوازية  الاقليمية حيث تكونت الكادرات الحاكمة.

من عظيم الخطا ان نستنتج من هذا ان سياسة الحكام السوفيات عامل قليل الاهمية اذ ليس في العالم حكومة تمسك بين يديها مصائر بلاد ما الى الحد الذي تبلغه الحكومة السوفياتية. ان نجاح او فشل احد الراسماليين يتوقف الى حد كبير و احيانا بصورة حاسمة على صفاته الشخصية. اما الحكومة السوفياتية فقد وضعت نفسها بالنسبة للنظام الاقتصادي في الموقع ذاته الذي يحتله الراسمالي حيال مشروعه. ان مركزة الاقتصاد تجعل من السلطة عاملا كبير الاهمية. لهذا يجب ان لا نحكم على سياسة الحكومة بناء على موازنات مبسطة او على ارقام الاحصاء المجردة بل طبقا لدورها المتمثل في التوقع الواعي و القيادة المخططة المؤدي الى انجاز هذه النتائج.

لقد عبرت تعرجات سياسة الحكومة عن تناقضات الوضع كما عن عجز الحكام عن فهم هذه التناقضات بشكل كاف و التصرف حيالها بتدابير وقائية. ان من الصعب اخضاع اخطاء القادة الى تقديرات حسابية و لكن شكل التعرجات يسمح لنا بان نستنتج العبء المالي الاضافي الكبير الذي فرضته هذه الاخطاء على الاقتصاد السوفياتي.

تبقى مسالة غير مفهومة – على الاقل عند الاقتراب العقلاني من التاريخ – وهي كيف و لماذا استطاع التكتل الاكثر افتقارا للافكار و الاكثر اخطاء ان ينتصر على بقية الجماعات و يركز بين يديه سلطة غير محدودة. ان التحليل اللاحق سيكشف لنا مفتاح هذه المعضلة. و سنرى كيف تدخل الاساليب البيروقراطية للقيادة المطلقة في تعارضات كثيرة مع متطلبات الاقتصاد و الثقافة و ما يسببه ذلك من ازمات و هزات جديدة في تطور الاتحاد السوفياتي.

لكن علينا قبل ان نحلل الدور المزدوج للبيروقراطية "الاشتراكية" ان نرد على السؤال التالي: ما هو اذن وزن المكتسبات العام؟ و هل تحققت الاشتراكية حقا؟ او على الاقل هل تستطيع النجاحات الاقتصادية و الثقافية الحالية ان تقينا من خطر عودة الراسمالية مثلما ان المجتمع البرجوازي وجد نفسه في مرحلة معينة من تطوره محميا بنجاحاته ضد عودة الاقطاع و القنانة؟

 

---------

1. الموجيك: الفلاح الروسي.          (المعرب)

2. كان ممثل المعارضة اليسارية انذاك مؤلف هذا الكتاب نفسه.

3. المقصود هو تروتسكي نفسه.

4. وحدة العملة في الاتحاد السوفييتي من 1922 الى 1924. وهي عملة ثابتة برزت بعد ان انخفضت قيمة الروبل انخفاضا كبيرا.       (المعرب)

5. البود: وحدة قياس قديمة تعادل 16.800 كلغ.         (المعرب)

 

الفصل الثالث: الاشتراكية و الدولة / الثورة المغدورة