الثورة المغدورة

ملحق

 

الاشتراكية في بلد واحد

 

تشكل الاتجاهات الرجعية نحو الاكتفاء الذاتي ردا دفاعيا للراسمالية الهرمة في مواجهة المشكلة الثانية التي يطرحها التاريخ وهي: تحرير الاقتصاد من قيود الملكية الخاصة و الدولة القمونية و تنظيمه وفقا لخطة عامة عالمية.

ان "اعلان حقوق الشعب العامل و المستغل" الذي كتبه لينين و قدمه مجلس مفوضي الشعب في الاتحاد السوفياتي الى الجمعية التاسيسية لاقراره في تلك الساعات القصيرة التي عاشتها هذه الجمعية يعرف الهدف الاساسي للنظام الجديد بهذه التعابير: "اقامة تنظيم اشتراكي للمجتمع و انتصار الاشتراكية في كل البلدان". اذا فعالمية الثورة قد اعلنت في وثيقة اساسية من وثائق النظام الجديد. و لم يجرؤ احد في تلك الفترة على طرج المسالة بشكل اخر. و في نيسان ابريل 1924 اي بعد ثلاثة اشهر على وفاة لينين كان ستالين ايضا يكتب في مؤلفه عن اسس  اللينينية ما يلي: "تكفي جهود بلد واحد لقلب البرجوازية و تاريخ ثورتنا هو الذي علم ذلك و لكن جهود بلد واحد و بخاصة بلد فلاحي كبلدنا غير كافية من اجل تحقيق الانتصار النهائي للاشتراكية و لتنظيم الانتاج الاشتراكي. ان ذلك يحتاج الى تضافر جهود كل البروليتاريا لعدة دول متقدمة". ان هذه السطور ليست بحاجة الى تفسير و لكن الطبعة التي خطت فيها هذه الكلمات قد سحبت من التداول. و مع ذلك فان الهزائم الكبرى للبروليتاريا الاوروبية و النجاحات الاولية المتواضعة للاقتصاد السوفياتي قد اوحت الى ستالين في خريف عام 1924 ان المهمة التاريخية للبيروقراطية هي بناء الاشتراكية في بلد واحد. و قد دارت رحى مناقشة  حول هذه المسالة بدت لكثير من اصحاب العقول السطحية و كانها موضوع اكاديمي او مدرسي لكنها كانت تعبر في الحقيقة عن بدء انحدار الاممية الثالثة و تهيء لميلاد الاممية الرابعة.

و قد تحدث الشيوعي السابق بتروف الذي تحدثنا عنه سابقا وهو اليوم لاجئ ابيض مستعيدا ذكرياته الخاصة فابرز كم كانت  مقاومة الاداريين الشباب عنيفة ضد التي تربط الاتحاد السوفياتي بالثورة العالمية. "كيف ذلك! هل يمكن الا نتوصل نحن لاسعاد بلادنا؟ اذا كان هو فحوى ما سبق وره ماركس، اذا فلسنا ماركسيين! نحن بلاشفة روس و هذا كل ما في الامر". و يضيف بتروف الى ذكرياته هذه حول المناقشات التي دارت بين عامي  1923 و 1926 فيقول: "انني لا استطيع ان امنع نفسي من التفكير في الوقت الحاضر في ان نظرية الاشتراكية في بلد واحد هي اكثر من اختراع ستاليني بسيط". اكيد جدا!! فهذه العبارة تترجم بشكل صحيح شعور البيروقراطية التي تتحدق عن انتصارها الخاص عندما تتكلم على انتصار الاشتراكية. و

لكي يبرر ستالين قطيعته مع تقاليد الاممية الماركسية ارتكب صلافة حينما دعم الزعم القائل بان ماركس و انجلز كان يجهلان قانون التطور اللامتساوي في البلدان الراسمالية الذي اكتشفه لينين. ان هذا التاكيد ينبغي و الحق يقال ان يحتل المركز الاول في جدول النوادر الايديولوجية. ان التطور اللامتساوي هو في الواقع سمة عامة لمجمل تاريخ الانسانية و بخاصة تاريخ الراسمالية. في عام 1926 كتب المؤرخ و الاقتصادي الشاب  سولنتسف "وهو مناضل موهوب يتحلى باخلاقية نادرة اعتقل لانضمامه للمعارضة اليسارية و مات في السجون السوفياتية) مذكر رائعة عن قانون التطور اللامتساوي كما نجده في مؤلفات ماركس و لكن هذا العمل لم ينشر طبعا  في الاتحاد السوفياتي. و لاسباب معاكسة منع كتاب احد الاشتراكيين الالمان المدعو فولمار1 الذي توفي و اضحى في سبيل النسيان منذ زمن طويل. و قد دعم فولمار في عام 1878 الراي القائل بان وجود "دولة اشتراكية منعزلة" ممكن و كان يرى المانيا لا روسيا امام عينيه -  عندما كان يكتب عن "قانون التطور اللامتساوي" الذي قيل لنا انه كان مجهولا الى ان جاء لينين. لقد كتب جورج فولمار ما يلي: "تفترض الاشتراكية بصورة مطلقة اقتصادا متطورا و لو كان الامر لا يتعلق الا  بالاقتصاد لكانت الاشتراكية ستكتسب قوة عظيمة حيث يكون التطور الاقتصادي  في اعلى مستوى. و لكن المسالة تطرح بشكل مغاير على ارض الواقع. فمما لا جدال فيه ان انجلترا هي اكثر البلدان تقدما من الناحية الاقتصادية و تلعب الاشتراكية فيها، كما نرى، دورا ثانويا جدا بينما اضحت الاشتراكية في المانيا (مع انها اقل نموا من الناحية الاقتصادية) قوة يشعر المجتمع القديم حيالها بانعدام امنه..." و يتابع فولمار بعد ان يشير الى قوة العوامل التاريخية التي تتحكم بالاحداث فيقول: "و من الطبيعي ان ردود الفعل المتبادلة لعدد كبير من العوامل تجعل من المستحيل حدوث تطور مماثل من زاوية علاقات الزمن و الشكل و لو اقتصر هذا التطور على بلدين حتى لا نقول  كل البلدان... فالاشتراكية تخضع للقانون ذاته...ان فرضية انتصار الاشتراكية في آن واحد في كل البلدان المتحضرة امر مستبعد كليا كما انه من المستبعد ايضا ان تسير البلدان المتقدمة على الطريق ذاتها التي اختارتها لنفسها دولة تنظم نفسها على اساس البناء الاشتراكي... سوف  نتوصل هكذا الى استنتاج الدولة الاشتراكية المنعزلة و هو الاستنتاج الذي ارجو ان اكون قد برهنت انه اذا لم يكن الاحتمال  الوحيد فهو اكثر الاحتمالات ترجيحا". ان هذا المؤلف الذي كتب  عندما كان سن لينين ثماني سنوات يفسر قانون التطور اللامتساوي تفسيرا اصح من تفسيرات الاحفاد السوفيات بدءا من خريف عام 1924. و لنذكر هنا ان فولمار وهو نظري من الدرجة الثانية لم يقم الا  بتفسير افكار انجلز الذي تم اتهامه كما راينا بالجهل في هذا المجال.

ان "الدولة الاشتراكية المنعزلة" قد انتقلت منذ زمن بعيد من حقل الفرضيات التاريخية الى ارض الواقع لا في المانيا و لكن في روسيا. و انعزالها يعبر بحق عن القوة النسبية للراسمالية و الضعف النسبي للاشتراكية. و يبقى ان نجتاز المسار التاريخي الطويل ما بين الدولة 'الاشتراكية' المنعزلة و المجتمع الاشتراكي الذي تخلص من الدولة الى الابد هذا المسار الذي يتطابق بالضبط مع طريق الثورة العالمية. و يؤكد لنا بياتريس و سيدني ويب من جهتهما ان ماركس و انجلز لم يؤمنا ابدا بامكانية تحقيق مجتمع اشتراكي منعزل. و ذلك لسبب واحد وهو  انهما "لم يحلما ابدا باداة في مثل قوة احتكار التجارة الخارجية". ان قراءة هذخ الاسطر غير ممكنة دون الشعور ببعض الضيق ازاء مؤلفيها العجوزين. فتاميم المصارف و الشركات التجارية و السكك الحديدية و الاسطول التجاري اجراءات لا غنى عنها للثورة الاشتراكية بالقدر الذي لا غنى معه لهذه الاخيرة من تاميم وسائل الانتاج بما فيها صناعات التصدير. و اذا كان لاحتكار التجارة الخارجية من دور فهو يتمثل بكونه يركز بين يدي الدولة الوسائل المادية للاستيراد و التصدير. و القول بان ماركس و انجلز لم يحلما بذلك معناه انهما لم يكونا يحلمان بتحقيق ثورة اشتراكية. و لمزيد من التعاسة نلاحظ كيف يجعل فولمار من احتكار التجارة الخارجية مصدرا من اهم مصادر الثروة "للدولة الاشتراكية المنعزلة".  لقد كان على ماركس و انجلز ان يتعلما سر ذلك من هذا الكاتب لو لم يكن هو نفسه قد تعلمه منهما. ان "نظرية" الاشتراكية في بلد واحد التي لم يعرضها ستالين في كل حال و لم يبررها في اي مكان تقتصر على تصور  غريب عن التاريخ لا بل مجدب يرة ان ثروات الاتحاد السوفياتي الطبيعية تسمح له بان يبني الاشتراكية داخل حدوده الجغرافية. اننا في امكاننا ان نؤكد بالنجاح ذاته ان الاشتراكية يمكن ان تنتصر لو كان عدد سكان الكرة الارضية اقل من عددهم الحالي باثنتي عشر مرة. و الحق ان النظرية الجديدة تحاول فرض نظام فكري اكثر ملموسية على الوعي الاشتراكي وهو التالي: ان الثورة قد انجزت بشكل نهائي و ستخف التناقضات الاجتماعية تدريجيا و ستمتص الاشتراكية الفلاح الغني شيئا فشيئا و سيبقى التطور في مجموعه منتظما و سلميا بالاستقلال عن الاحداث الخارجية. و قد اعلن بوخارين الذي حاول اطلاق النظرية الجديدة كما لو كان امرا لا جدال فيه: "ان الفروقات الطبقية في بلادنا او تقنيتنا المتخلفة لن تقودنا الى الهلاك فبامكاننا بناء الاشتراكية على ارض البؤس التقني ان نمو  هذه الاشتراكية سيكون بطيئا جدا و ستتقدم بخطى السلحفاة و لكننا سنبني الاشتراكية و سننتهي من بنائها...". فلنزح نحن فكرة "بناء الاشتراكية حتى على قاعدة من التقنية البائسة". و لنتذكر مرة اخرى تنبؤات ماركس العبقرية التي تعلمنا انه قاعدة تقنية ضعيفة  "لن نشرك سوى البؤس لان النقص في الحاجات  سيقود الى صراع على الضروريات و يعيد الى الوجود كل الفوضى القديمة".  و قد اقترحت المعارضة اليسارية في نيسان 7 ابريل 1926 خلال اجتماع كامل للجنة المركزية التعديل التالي لنظرية خطوات السلحفاة: "ان من الخطا الذريع الاعتقاد ان ان من الممكن السير نحو الاشتراكية بايقاع مرتجل عندما توجد في محيط راسمالي. فلن يتحقق التقدم نحو الاشتراكية الا اذا ضاقت المسافة الفاصلة بين صناعتنا و الصناعة الراسمالية المتقدمة... بشكل واضح و ملموس بدى من ان تكبر و تتعاظم".

و قد راى ستالين في هذا الاقتراح هجوما  "مستترا" ضد  نظرية الاشتراكية في بلد واحد و رفض بشكل قاطع ربط ايقاع البناء الاشتراكي في الداخل بالشروط  الدولية الخارجية. و قد اعطى التقرير المختزل عن المناقشات جوابه على الاقتراح في العبارات التالية: " ان كل من يحاول ادخال العامل الدولي في هذا الموضوع يجهل كيفية طرح المشكلة كما انه يشوش كل المفاهيم سواء بسبب عدم فهمه او لرغبته الواعية بزرع الالتباس في هذا الموضوع".  و هكذا رفض تعديل المعارضة. و على هذا النحو فان  وهم الاشتراكية  المبنية بهدوء على ايقاع خطوات السلحفاة و على قاعدة البؤس المحاطة باعداء اقوياء لم يصمد طويلا امام ضربات الناقدين. ففي تشرين الثاني / نوفمبر من العام نفسه اعترف المؤتمر الخامس عشر للحزب دون اي تحضير سابق في الصحافة ان من الضروري "اللحاق خلال مهلة تاريخية تمثل الحد الادنى النسبي من الزمن (؟) و من ثم تجاوز المستوى الصناعي للدول الراسمالية المتقدمة". و هكذا وجدت المعارضة اليسارية نفسها و قد "تجاوزها" المؤتمر. الا ان النظريين الذين كانوا بالامس من دعاة اللحاق بالدول الراسمالية بخطوات السلحفاة، بعد ان تصدر شعار "اللحاق" بالعالم كله و "سبقه في اقصر مهلة زمنية" وجدوا انفسهم اسرى "العامل الدولي" الذي تشعر البيروقراطية بخوف موسوس منه. و هكذا قضي على النسخة الاولى من النظرية الستالينية خلال ثمانية اشهر لابد للاشتراكية من 'تجاوز' الراسمالية في كل الميادين... هذا ما كتبته المعارضة اليسارية في وثيقة نشرت بصورة غير قانونية في اذار / مارس 1927: "الا ان الامر لا يتعلق الان بعلاقات الاشتراكية مع الراسمالية بشكل عام  و لكن بالتطور الاقتصادي لاتحاد الجمهوريات السوفياتية بالنسبة لتطور  دول المانيا و انجلترا و الولايات المتحدة. فماذا يتوجب ان نفهم من مهلة تاريخية صغرى؟  اننا سنبقى بعيدين عن مستوى البلدان المتقدمة في الغرب  خلال الخطط الخمسية المقبلة. ماذا سيحدث خلال هذه الفترة في العالم الراسمالي؟ اذا قبلنا ان بامكان العالم الراسمالي ان يدخل مرحلة جديدة من الرخاء قد تدوم عشرات السنين يصبح الكلام على الاشتراكية في بلدنا ضربا من السخف البائس يتوجب علينا عندئذ ان نعترف باننا خدعنا كليا في تقديراتنا بان عصرنا هو عصر تعفن الراسمالية و تصبح جمهوريات السوفياتات في هذه الحالة التجربة الثانية لديكتاتورية البروليتاريا تجربة اكثر شمولا و خصوبة من تجربة كومونة باريس و لكنها على كل حال مجرد تجربة. فهل لدينا اسباب جدية لان نراجع بالحزم نفسه قيم هذا العصر الذي نعيش فيه و معنى ثورة اوكتوبر التي صممت كحلقة من حلقات الثورة العالمية؟ كلا! لان الدول الراسمالية بعد ان  انتهت على نطاق واسع من اعادة بناء   نفسها (بعد الحرب) تجد نفسها في مواجهة كل التناقضات الداخلية القديمة و الدولية و لكن بشكل  اكثر اتساعا و اكثر تازما. و هذا التناقضات المتازمة و المتسعة هي قاعدة الثورة البروليتارية. نحن نبني الاشتراكية  و هذا امر واقع و بما ان الكل اكبر من الجزء فانه لواقع اكثر تاكدا ان الثورة تتهيا في اوروبا و في العالم و الجزء لن يتمكن من الانتصار الا مع  ان الكل... ان البروليتارية  الاوروبية بحاجة الى زمن اقل بكثير للانقضاض على السلطة من الزمن اللازم لنا كي نتفوق من الناحية التقنية على اوروبا و امريكا... فعلينا في غضون ذلك ان نخفف منهجيا الفارق بين مردود العمل لدينا و بين مردود العمل في اماكن اخرى. فكلما ازداد تقدمنا كلما قل تهديدنا المحتمل بانخفاض الاسعار و بالتالي يقل احتمال تهديدنا بالسلاح... و كلما حسنا شروط حياة العمال و الفلاحين ووجودهم كلما سرعنا بصورة اضمن زحف الثورة البروليتارية على اوروبا بحيث تزودنا هذه الثورة بالتقنية العالمية. و يصبح بناؤنا الاشتراكي اكثر امانا و اكثر كمالا عنصرا في البناء الاشتراكي في اوروبا و العالم كله".  و قد بقيت هذه الوثيقة للمعارضة اليسارية كغيرها من الوثائق دون جواب عليها الا اذا اعتبرنا الاعتقالات و الطرد من الحزب اجوبة عليها. 

و بعد التراجع عن السير ببطء السلحفاة كان من الواجب التوقف عن تطبيق الفكرة المتعلقة بامتصاص الكولاك من قبل الاشتراكية. ان الهزيمة التي الحقت بالفلاحين الاغنياء بتدابير ادارية اعطت مع ذلك غذاء جديدا لنظرية الاشتراكية في بلد واحد: فمنذ اللحظة التي قضي فيها "في الواقع" على الطبقات تحققت الاشتراكية "في الواقع" ايضا (1931). كانت تلك اعادة لفكرة مجتمع اشتراكي "اساسه البؤس". و نحن نتذكر ان صحفيا غير رسمي قد فسر لنا في ذلك الحين فقدان حليب الاطفال بسبب النقص في البقر و ليس بسبب عيوب النظام الاشتراكي!! ان الاهتمام  بمردود العمل لم يسمح بالتوقف امام الصيغ المطمئنة لعام 1931 المعدة للتعويض المعنوي عن الخسائر التي   احدثتها حركة التجميع الشاملة. و قد صرح ستالين فجاة بمناسبة حركة استاخانوف بما يلي: "يفكر البعض في ان الاشتراكية يمكن تثبيتها بمساواة في الفقر. ان هذا خطا...فالاشتراكية لا تستطيع ان تنتصر حقا الا على اساس مردود للعمل اعلى من مردود العمل في النظام الراسمالي". صحيح جدا. و لكن البرنامج الجديد للشبيبة الشيوعية الذي تم تبنيه في نيسان / ابريل 1935 في المؤتمر الذي حرم تلك الشبيبة مما تبقى من حقوقها السياسية عرف النظام السوفياتي بصورة جازمة بما يلي: "لقد اضحى الاقتصاد القومي اشتراكيا". و ليس هنالك من احد يهتم بمطابقة هذه المفاهيم المتناقضة. فهذه المفاهيم توضع في التداول حسب الحاجات الوقتية. و ليس هناك شخص يتجرا على النقد مهما حصل.

و لقد بررت ضرورة البرنامج الجديد للشبيبة السوفياتية بهذه العبارات من قبل المقرر: "يحتوي البرنامج القديم تاكيدا خاطئا و مضادا للفكر اللينيني بعمق و بحسب هذا التاكيد "لا تستطيع روسيا الوصول الى الاشتراكية الا بالثورة العالمية. ان هذه الفقرة من المنهاج خاطئة بصورة اساسية و  تنبعث منها بعض الافكار التروتسكية" علما بان هذه الافكار ذاتها التي كان ستالين يدافع عنها في نيسان / ابريل 1924!! يبقى ان نفسر كيف  يبدو منهاج كتبه بوخارين في عام 1921 ثم راجعه المكتب السياسي بعناية تامة بالتعاون مع لينين كيف يبدو هذا المنهاج "تروتسكيا" بعد خمسة عشر عاما و يحتاج الى مراجعة تقوم على اسس جديدة معاكسة للاسس السابقة. و لكن الحجج المنطقية ضعيفة عندما تكون هناك مصالح معينة. فالبيروقراطية التي تحررت من البروليتاريا لا تستطيع ان تعترف بان الاتحاد السوفياتي يرتبط بالبروليتاريا العالمية.

ان قانون التطور غير المتكافئ كانت له هذه النتيجة وهي ان التناقض بين التقنية و علاقات الملكية الراسمالية قد سبب انقطاع السلسلة العالمية عند اضعف نقاطها. و قد دفعت الراسمالية الروسية المتخلفة ثمن عدم كفاية الراسمالية العالمية و كانت في الواقع اول من دفع. ان قانون التطور غير المتكافئ يلتحق طوال التاريخ بقانون التطور المركب. و قد جلب انهيار البرجوازية في روسيا ديكتاتورية البروليتاريا وهي وثبة الى الامام بالنسبة لبلد متخلف اذا ما قورن بالبلاد المتقدمة. و قد اصطدمت اقامة اشكال الملكية الاشتراكية في بلد متخلف بتقنية و ثقافة ضعيفتين. و تمخضت ثورة اوكتوبر بدورها عن تناقضات بين  القوى المنتجة القومية الناقصة جدا و الملكية الاشتراكية تلك الثورة التي ولدت من التناقض بين القوى المنتجة في العالم (التي هي على درجة عالية  من التطور) و الملكية الراسمالية.

و الحق ان انعزال الاتحاد السوفياتي لم يكن له نتائج فورية خطيرة يخشى منها لان العالم الراسمالي كان مفككا و مشلولا و عاجزا عن استعمال كل قوته الكامنة. كما ان "الهدنة" كانت اطول مما يسمح التفاؤل النقدي برجائه. و لكن العزلة و عدم امكانية الافادة من موارد السوق العالمية حتى و لو كانت هذه الافادة على قواعد راسمالية ( التجارة الخارجية تدنت الى ربع او الى خمس ما كانت عليه عام 1913) سببتا توزيعا من اسوا ما يمكن للقوى المنتجة و بطئا في رفع الشروط المادية لحياة الجماهير بالاضافة الى مصاريف باهظة على الدفاع القومي. ان الوباء البيروقراطي كان مع ذلك ناتج العزلة الاكثر شؤما. ان القواعد السياسية و الشرعية التي اقامتها الثورة تمارس تاثيرا ملائما على الاقتصاد المتخلف من جهة و تعاني من جهة اخرى من  العمل المشل لوسط متخلف. و كلما طال الزمن اليذ سيبقى فيه الاتحاد السوفياتي في مدار راسمالي كلما كان انحطاط انسجته الاجتماعية عميقا. و الانعزال غير المحدود لا يؤدي بصورة  حتمية الى اقامة شيوعية قومية و لكنه قد يؤدي الى اعادة الراسمالية.

و اذا كانت البرجوازية لا تستطيع ان تترك الديمقراطية الاشتراكية تستوعبها بهدوء فان الدولة الاشتراكية ايضا لا تستطيع ان تنخرط بهدوء في النظام الراسمالي العالمي. فالتطور الاشتراكي السلمي "لبلد واحد" ليس موضوعا على جدول اعمال التاريخ. فامامنا سلسلة من الهزات العالمية التي تعلن عن نفسها، اكانت حروبا او ثورات. ثمة عواصف ايضا لا يمكن تجنبها في الحياة الداخلية للاتحاد السوفياتي. لقد اضطرت البيروقراطية في صراعها من اجل التخطيط الاقتصادي ان تنزع ملكية الكولاك و سيكون من مهام الطبقة العاملة ان تنزع ملكية البيروقراطية في صراعها من اجل الاشتراكية لتستطيع ان تخط على قبرها العبارات التالية: "هنا ترقد نظرية الاشتراكية في بلد واحد".

 

اصدقاء الاتحاد السوفياتي:

لاول مرة في التاريخ تقوم حكومة قوية بتمويل الصحافة اليسارية و صحافة اقصى اليسار خارج البلاد بدلا من تغذية صحافة اليمين المحترمة. و يوجه تعاطف الجماهير لاكبر الثورات بصورة ذكية و حاذقة لكي يصب في اتجاه البيروقراطية. كما تفقد الصحافة "المتعاطفة" الغربية الحق باصدار كل ما قد يسبب الازعاج لحكام الاتحاد السوفياتي. و تستقبل الكتب غير المرغوب بها في الكرملين بصمت مطبق. و تترجم المدائح الصارخة المجردة من كل ميزة و موهبة الى عدة لغات. و قد تجنبنا ان نذكر في هذا الكتاب المؤلفات النموذجية "لاصدقاء" الاتحاد السوفياتي مؤثرين ذكر الكتب الاصلية الفظة بدل الكتب المترجمة الى اللغات الاجنبية. ان ادب "الاصدقاء" بما فيه ادب الاممية الشيوعية وهو القسم الاكثر تفاهة و ابتذالا يشكل مع ذلك جبلا شاهقا من الصفحات يلعب دورا سياسيا لا يمكن اهماله. و لا بد لنا ان نكرس له بعض الصفحات قبل اختتام هذا الكتاب.

لقد وصف كتاب الزوجين ويب و عنوانه "الشيوعية السوفياتية" بانه يشكل اسهاما مهما في  و التراث الفكري. و بدلا من التعرض لما انجز و في اي اتجاه تتطور الحقيقة بدلا من هذا استخدم هذان المؤلفان 1500 صفحة لعرض مشاريع المكاتب و مضمون القوانين. و كان استنتاجهما ان الشيوعية ستتحقق في الاتحاد السوفياتي عندما تنتقل الخطط و النوايا الى حيز التطبيق. هذا هو محتوى كتاب ممل ينقل تقارير المكاتب الموسكوفية و مقالات الصحف المطبوعة بمناسبة الاعياد السنوية...

ان الصداقة التي يحملها الكتاب للبيروقراطية السوفياتية لا تتجه الى الثورة البروليتارية بل بالاحرى ضمان ضدها. و الزوجان ويب مستعدان بدون شك للاعتراف بان النظام السوفياتي سينتشر في يوم من الايام في بقية انحاء العالم. و لكن "متى و اين و ما هي التعديلات التي ستطرا عليه و هل سيتحقق بالثورة العنيفة او بالاختراق السلمي او بالتقليد الواعي... هذه اسئلة  لا نستطيع ان نجيب عليها ". ان هذا الرفض الديبلوماسي اليذ يشكل في الواقع جوابا لا لبس فيه و الذي يميز "اصدقاء"   يحدد مدى صداقتهم. فلو اجاب الجميع هكذا على مسالة الثورة  قبل اندلاعها مثلا في عام 1917 لما كان هناك الان دولة  سوفياتية ولكان هذان الصديقان البريطانيان يحولان تعاطفهما الى اغراض اخرى...

 و يتحدث الزوجان ويب كما لو كان بديهيا عن لا جدوى انتظار ثورات تشتعل في اوروبا خلال المستقبل القريب و يريان في هذه الحجة برهانا اكيدا على صحة نظرية الاشتراكية في بلد واحد. انهما يعلماننا ضرورة بناء الاشتراكية  داخل حدود الاتحاد السوفياتي نظرا لعدم وجود افاق اخرى و ذلك بما يتمتع به من  سلطة اناس كانت ثورة اوكتوبر مفاجاة لهم و مفاجاة غير سارة في كل حال. و اننا لنتحمل كثيرا من العناء لكي لا نهز اكتافنا استهزاء و ذلك بدافع من الادب و التهذيب. فنحن لا نستطيع ان نحاور الزوجين ويب الا في مسائل الثورة  و اسلوب اعدادها في بريطانيا العظمى و بناء المصانع و استخدام الاسمدة الكيميائية في الاتحاد السوفياتي. و لكن حول هذه النقطة الدقيقة  يعترف علماؤنا الاجتماعيون بعدم اختصاصهم و تبدو المشكلة نفسها بالنسبة اليهم متناقضة مع العلم.

لقد كان لينين يكره البرجوازيين المحافظين الذين يتخيلون انفسهم اشتراكيين و يكره بصورة خاصة الفابيين الانجليز. ان الفهرس الابجدي للمؤلفين المذكورين في مؤلفاته يظهر العداء الذي كان يكنه كل حياته للزوجين ويب. و قد وصفهما للمرة الاولى في عام 1907 " بمداحين حمقى للبرجوازية الصغيرة البريطانية،  يحاولون  تقديم  الشارتية2 التي تعتبر مرحلة ثورية في الحركة العمالية الانجليزية، كمجرد لعب اطفال". و الحال ان كومونة باريس كان من الممكن ان تصبح مستحيلة بدون الشارتية. و لولا الشارتية و كومونة باريس لما كانت ثورة اوكتوبر.  و لم يجد الزوجان ويب في الاتحاد السوفياتي الا اليات ادراية و خططا بيروقراطية  و لم يلاحظا لا الشارتية و لا الكومونة و لا ثورة اوكتوبر. و قد بقيت الثورة غريبة عنهما الا اذا بدت لهما "عملا طفوليا مجردا من اي معنى"!!

 و لم يكن لينين ليتضايق ايضا ابدا كما نعرف جميعا من المجاملة الصبيانية و الشريفة في الحوار مع الانتهازيين. و لكن الصفات النابية المهينة التي استخدمها خلال اعوام طويلة ("خدام البرجوازية" "الخونة"، "النفوس الذليلة"..الخ) عبرت خلال سنوات عن حكم ضد الزوجين ويب داعي الفابية اي الوقار التقليدي و الخضوع للامر الواقع. فلا يمكن ان يكون تفكير الزوجين ويب قد تغير خلال الاعوام الاخثرة. هذا الثنائي الفابي الذي دعم برجوازية بلاده اثناء الحرب و قبل بعد ذلك لقب لورد باسفيلد الذي منحه اياه الملك  دون ان يتخلى عن اي شيء و دون ان يكذب نفسه على الاطلاق اقبل على الشيوعية في بلد واحد بل و في بلد اجنبي. لقد كان سيدني ويب وزيرا للمستعمرات اي رئيس سجاني الامبريالية الانجليزية حين تقرب من البيروقراطية السوفياتية و تلقى منها مواد مؤلفه الضخم.

و منذ عام 1923  لم يكن الزوجان ويب يريان فرقا كبيرا  بين البلشفية و القيصرية (انظر كتابThe Decay of Capitalist Civilisation  الصادر عام 1923). و بالمقابل فانهما يعترفان بدون تحفظ ﺒ "الديمقراطية" الستالينية.  لا نبحث هنا عن اي تناقض. فالفابيون يحنقون عندما يرون الشعب الثوري يحرم "المتعلمين" من الحرية و لكنهم يجدون طبيعيا ان تحرم البيروقراطية البروليتاريا من الحرية. الم تكن هذه وظيفة بيروقراطية حزب العمال دوما؟ ان الزوجين ويب يؤكدان ان النقد حر كل الحرية في الاتحاد السوفياتي. و في هذا التاكيد افتقاد لروح الفكاهة. انهما يذكران  بكامل جديتهما "النقد الذاتي" الذي تتم ممارسته كما تمارس السخرة و الذي من السهل دوما تعيين موضوعه و حدوده مسبقا.

هل نحن ازاء نوع من السذاجة؟ فلنقل بصراحة ان انجلز و لينين لم يجدا لدى سيدني و يب اين سذاجة. و الاصد ان نقول الاحترام. فالويب يتحدقان عن نظام قائم و مضيفين ممتعين. فهما لا يقران النقد الماركسي لما هو موجود بل انهما يعتبران نفسيهما مدعوين للدفاع عن تركة ثورة اوكتوبر ضد المعارضة اليسارية. و كي نكون اكثر شمولا  و امانة  و لكي ياتي نقدنا كاملا لا بد من ان نشير الى الحكومة العمالية التي ينتمي اليها اللورد باسفيلد (سيدني ويب) رفضت في ذلك الوقت اعطاء تاشيرة الى انجلترا لمؤلف هذا الكتاب. و كان المستر سيدني ويب الذي كان لا يزال يؤلف كتابه في ذلك الوقت يدافع هكذا عن الاتحاد السوفياتي في مجال النظرية و يدافع عن امبراطورية صاحب الجلالة البريطاني في المجال العملي. و مما يشرفه ايضا انه بقي امينا مع نفسه في كلتا الحالتين. فبالنسبة للكثير من البرجوازيين الصغار الذين لا يملكون ريشة و لا فرشاة تعتبر "الصداقة" الرسمية المرتبطة بالاتحاد السوفياتي نوعا من الاقرار بالمشاركة في المصالح المعنوية العليا... فالانتماء الى الجمعيات الماسونية او الى النوادي السلمية مماثل الى حد ما للانضمام الى جمعيات اصدقاء الاتحاد السوفياتي لان هذا الانضمام يسمح للمنضمين بان يعيشوا حياتين: الاولى حياة عادية تتقع في دائرة المصالح اليومية و الثانية ارفع مستوى من الحياة الاولى. "والاصدقاء" يزورون موسكو من ان لاخر و ياخذون علما بعدد الجرارات و برياض الاطفال و بالاستعراضات و بالرواد و بالمظليين و باختصار بكل شيء ماعدا وجود ارستقراطية جديدة. و افضل هؤلاء الاصدقاء يغمضون العينين عن هذه الاخطاء بدافع النفور ة الاشمئزاز من المجتمع الراسمالي. و لقد اعترف بذلك اندري جيد بصراحة حينما قال: "انها حقا لحماقة و قلة شرف تلك الهجمات الموجهة ضد الاتحاد السوفياتي التي تجعلنا اليوم ندافع عنه بعناد". ان حماقة الخصوم و انعدام الشرف لديهم لا يمكن ان يكونا مبررين لعمى يصيب اعيننا. فالجماهير على كل حال بحاجة لاصدقاء يرون بوضوح.

ان لاستلطاف اكبر عدد من البرجوازيين الراديكاليين  و الراديكاليين الاشتراكيين لحكام الاتحاد السوفياتي اسباب هامة. فالبرغم من اختلاف البرامج يتفوق بين السياسيين المحترفين اولائك الذين يمسكون "بنجاح" تحقق او يسهل تحقيقه. اننا اجد على سطح كوكبنا من الاصلاحيين اكثر بكثير مما نجد من الثوريين و من الانتهازيين اكثر مما نجد من ذوي الصلابة و المبدا. ونحن نحتاج الى عهود تاريخية استثنائية حتى يخرج الثوريون من عزلتهم و يصبح شكل الاصلاحيين كالاسماك التي اخرجت من الماء. و لا يوجد في البيروقراطية السوفياتية الحالية شخص واحد لم يعتبر في نيسان/ ابريل 1917 و حتى بعد هذا التاريخ فكرة ديكتاتورية البروليتاريا في روسيا شيئا اخر غير مجرد وهم و جنون.  (وكان هذا الوهم يوصف انذاك  ﺒ..."التروتسكية"). ان "الاصدقاء الاجانب للاتحاد السوفياتي اولائك الذين ينتمون الى جيل الاصدقاء الاوائل ظلوا خلال عشرات السنين يعتبرون المناشفة الروس سياسيين "واقعيين" لانهم دعاة جبهة شعبية مع الليبراليين و يرفضون الديكتاتورية البروليتارية كجنون مؤكد. انه لا شيء اخر الاعتراف بديكتاتورية البروليتاريا بعد ان تكون تحققت، لا بل شوهتها البيروقراطية. فهنا نجد ان "الاصدقاء" كانوا حقا على مستوى الاحداث فهم لم يقتصروا على اعطاء الدولة السوفياتية حقها بل ادعوا الدفاع عنها ضد اعدائها. و الحقيقة انهم يدافعون عنها ضد من يهيئون لمستقبل مزدهر لها لا ضد من يشدونها الى الوراء. فهل هؤلاء "الاصدقاء" و طنيون فعالون كالاصلاحيين الانجليز و الفرنسيين و البلجيكيين و اخرين غيرهم؟ من السهل عليهم اذاك تبرير  تحالفهم مع البرجوازية مدعين الدفاع عن الاتحاد السوفياتي؟ ام هم على العكس انهزاميون رغم انوفهم كالاشتراكيين الوطنيين في المانيا و النمسا بالامس؟ انهم ياملون في هذه الحالة ان يساعهم التحالف بين فرنسا و الاتحاد السوفياتي في القضاء على هتلر و شوسينغ3. فليون بلوم الذي كان خصم البلشفية في عهدها البطولي و كرس صفحات صحيفة "الشعبي" للهجوم على الاتحاد السوفياتي لم يعد يطبع سطرا واحدا من جرائم البيروقراطية السوفياتية. لقد كان موسى يجن شوقا لرؤية الوجه الالهي و لكنه لم يستطع الا ان يسجد امام ظهر الاله. و الاصلاحيون الذين يعبدون الامر الواقع عاجزون عن رؤية اي شيء في الثورة سوى مؤخرتها البيروقراطية الغليظة.

 ان القادة الشيوعيين الحاليين ينتمون في الواقع الى النموذج ذاته من الرجال فهم بعد كثير من التذبذب و التقلب اكتشفوا فجاة محاسن الانتهازية فارتدوا اليها مع كل  طراوة الجهل  الذي طبعهم بطابعه كل الاوقات. ان خنوعهم تجاه قادة الكرملين هذا الخنوع غير المجرد من المصلحة يكفي ليجردهم من كل مبادرة ثورية. فهم في الوقت الذي يردون فيه على حجج النقد بالعواء و الزئير اراهم يظهرون اشارات الرضى اذا لوح لهم معلمهم بالسوط. ان هؤلاء الناس المنفرين الذين يشردون تحت كل الافاق عند اول خطر يبدو لهم يتهموننا بان "ارذال مضادون للثورة". فماذا  نعمل؟ ان التاريخ لا يخلوا من الهرجات بالرغم من قسوته.

اما اكثر "الاصدقاء" تبصرا فهم يعترفون في الحوار الفردي على الاقل بان هناك بقعا على الشمس السوفياتية و لكن باستخدامهم التحليل الحتمي مكان الجدل الديالكتيكي يعزون انفسهم بالقول بان بعض الفساد البيروقراطي امر محتوم و لا يمكن تجنبه. فليكن!... و لكن مقاومة الانحراف امر محتوم ايضا و للضرورة طرفان: الطرف الرجعي و الطرف التقدمي. و قد علمنا التاريخ ان الرجال و الاحزاب الذين يطالبون بهذه الضرورة باتجاهات معاكسة ينتهون بان يجدوا انفسهم على طرفي الحاجز.

الحجة الاخيرة  "للاصدقاء" هي ان الرجعيين يستغلون المقالات النقدية الموجهة للنظام السوفياتي، و هذا موضوع لا يمكن انكاره. و قد يحاولون حقا استغلال هذا الكتاب. و لقد ذكر البيان الشيوعي باحتقار ان الرجعية الاقطاعية حاولت استغلال النقد الاشتراكي ضد الليبرالية. و قد سارت الاشتراكية الثورية على الطرق ذاته و نحن سنسير في طريقنا. و قد تتوصل الصحافة الشيوعية من دون شك الى القول بان نقدنا يهيء لتدخل مسلح ضد الاتحاد السوفياتي! و هذا معناه بالطبع ان الحكومات الراسمالية عندما تقرا في مؤلفاتنا ما ال اليه الوضع في الاتحاد السوفياتي في ظل البيروقراطية ستبادر فورا الى معاقبتها لانها بعملها هذا داست مبادئ اوكتوبر باقدامها؟ ان مجادلي الاممية الثالثة لا يستخدمون السيف بل العصا او اسلحة اقل حدة. و الحقيقة هي ان النقد الماركسي الحقيقي الذي يسمي الاشياء باسمائها الحقيقية لا يستطيع في النهاية الا ان يؤكد الرصيد المحافظ للديبلوماسية السوفياتية الحالية في نظر البرجوازية.

و لكن الوضع مختلف كل الاختلاف فيما يتعلق بالطبقة العاملة و الانصار المخلصين للثورة من بين المثقفين. و هنا فان عملنا قد يولد في الوقاع شكوكا و يسبب حذرا و لكن لا ضد الثورة بل ضد اولائك الذين يخنقونها. و هذا هو الهدف الذي رسمناه لكتابنا. ذلك ان الحقيقة، لا الكذب، هي محرك التقدم.

 

 

―――――――

1. فولمار جورج هنري (1850 1922) سياسي الماني رئيس المؤتمر الاشتراكي العالمي بباريس عام 1889.     (المعرب)

2. الشارتية (العرائضية) حركة جماهيرية ثورية للعمال الانجليز. نشات لدى اشتداد سوء الاوضاع الاقتصادية و الحرمان من الحقوق السياسية. بدات الحركة في اواخر العقد الرابع باجتماعات و مظاهرات ضخمة  و استمرت منقطعة حتى  اوائل العقد السادس من القرن التاسع عشر.        (المعرب)

3.  كورت ادوارد فون شوسينغ، رجل دولة نمساوي ولد في ريفا عام 1797 و اصبح مستشارا للنمسا عام 1924، لم يستطع منع ضم النمسا لالمانيا، سجنه هتلر.

 

ليون تروتسكي / الثورة المغدورة