الإنتخابات التركية - زلزال سياسي


 دينيز مورال‎



صعقت المؤسسة السياسية في  تركيا بالنصر الساحق لحزب العدالة و التنمية الاسلامي المعتدل في الإنتخابات الاخيرة. لقد حقق رجب طيّب اردوجان، زعيم الحزب و الرئيس السابق لبلدية إسطنبول ، نصرا ساحقا في إنتخابات الأحد الماضي. اذ فاز حزبه ب363 مقعدا في الجمعية من جملة  550، ولا يحتاج الا لاربعة  أصوات عن بلوغ أغلبية الثلثين التي يحتاجها لتغيير الدستور. و هنالك  تسعة مستقلين، يمكن أن يكون من بينهم متعاطفين مع العدالة والتنمية الإسلامي. و سيشغل حزب الشعب الجمهوري المقاعد الباقية الـ178.

لم ينجح اي حزب من الأحزاب التي دخلت البرلمان في الإنتخابات السابقة في البقاء. و لم يحصد حزب رئيس الوزراء بولند أجاويد واحد بالمائة من الاصوات. و كانت تعابير وجه أجاويد على شاشة التلفزيون تروي كامل القصّة. هذا المنعطف المثير هو تعبير عن غضب واحباط وإشمئزاز الجماهير من الأطراف البرجوازية الفاسدة والمنحطّة التي حكمت تركيا مدة الأربع سنوات الماضية.

خلقت هذه النتيجة الكثير من المشاكل للبرجوازية. فعلاوة عن المشاكل الكبيرة الأخرى، تبقى مسالة رئاسة الوزارة عالقة. و هذه قضية مهمة لأن زعيم الحزب، إردوجان، غير مؤهل لتولّي منصب رئاسة الوزارة بقرار من محكمة. و يتمثل العذر الرسمي في كونه  قرأ قصيدة إسلامية قديمة في إحدى تجمعات حزبه.و قد اعتبر ذلك عملا هدّاما!


إنّ السبب الحقيقي و راء ذلك  هو العداوة المرّة لقسم  من الطبقة  الحاكمة التركية والدولة  ( وخصوصا الجيش) تجاه الأحزاب "الإسلامية". هذه الأحزاب تعتبر تهديدا لتوجه تركيا العامّ المؤيّد للغرب. لذلك سلّط  الجناح  المهيمن للبرجوازية  ضغطا كبيرا على هذا الحزب في محاولة لجره الى خطّه و أهدافه.

الا انه  على الرغم من هذه النزاعات، فان  الإختلافات بين عناصر البرجوازية  هو اختلاف ظاهري اكثر منه  حقيقي. فما ان تم انتخاب حزب العدالة والتنمية  القى  إردوجان فورا ديماغوجيته القديمة المعادية للغرب خارج السفينة وبدأ بتشديده على "إلتزامات تركيا الدولية الحالية" و ذلك يعني منظمة حلف شمال الأطلسي، الأمم المتّحدة وصندوق النقد الدولي.


إنّ غرض عاطفة  إردوجان المفاجئة  في ما يتعلق بالشؤون الدولية واضحة جدا. فهي  تعني  إرسال إشارات تهدئة إلى قيادة تركيا العليا العسكرية وإلى عواصم الإتحاد الأوربي وواشنطن. في الواقع فان  مسؤولوا إردوجان الحزبيون كانوا قد  ارسلوا قبل بداية الإنتخابات و بإستعجال إلى الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الأوربي لطمانة البرجوازيات الدولية التي سبق وأن انتابها شيئ  من  الخوف أمّا منه أو من حزبه. و إعترف إردوجان أمس بأنّه  كان قد أعلم سفير الإتحاد الأوربي قبل الإنتخابات بإنّه "مستعدّ للقيام بزيارات إلى عواصم الإتحاد الأوربي".

تثبت هذه الحقائق بأنّ حزب العدالة و التنمية  ينوى تنفيذ سياسة برجوازية لا تختلف في جوهرها عن سياسات أسلافه. فعلى سبيل المثال، و بما أن  تركيا هي  إحدى أكبر الدول المدينة، فان إردوجان يتمنّى أن ينتزع بعض التخفيفات في القيود المالية من  صندوق النقد الدولي. رغم ذلك فانه جلي ان  زعيم حزب العدالة مستعدّ لقبول املاءات المصرفيين. يظهر ذلك من  قوله: "نحن سنجلس مع صندوق النقد وسنناقش  كل فقرة  من البرنامج [ برنامج القروض] و سنطالب بتغييرات لو كانت ضرورية."

إن ضعف الرأسمالية التركية سيفرض السياسات التي يجب على الحكومة الجديدة اتباعها. و سيرغم إردوغان للإنحناء  امام ضغوط الرأسمالية والإمبريالية الدولية. فعلى الرغم من كلّ الديماغوجية "الإسلامية"، يوجد احتمال ضعيف بأنّ تدعم تركيا الأعمال العدوانية للولايات المتحدة الأمريكية ضدّ العراق، و ذلك على أمل الحصول على بعض التنازلات. اما ان كانت هناك تنازلات في الافق فهذه  مسألة أخرى!

بالأضافة إلى المشاكل اللا ئحة على الجبهة الدولية والإقتصادية فان  إردوجان سيواجه أيضا أزمة دستورية محتملة. فالى حد الآن  تجنّب التعليق على سؤال ما اذا كانت أغلبية حزبه الساحقة في الجمعية يمكن أن تغير الدستور أو القوانين التي تمنعه حاليا من الترشّح للرئاسة. و مع انه من المفترض ان  تركيا  "ديمقراطية" فان السلطة  الفعلية و الحقيقية  لايمتلكها  البرلمان - الجمعية و انما الجيش، الذي هو ، بالمناسبة، تكتل رأسمالي كبير (الثالث في تركيا). و أيّ محاولة في تحدّ مباشر لسلطة الجيش تؤدّي إلى أزمة جدّية ذات نتائج ثورية.

و حتى بدون هذا، يواجه إردوجان مشاكل خطيرة. فالى جانب عدم اهليته  للوقوف كمرشّح برلماني فهو مهدّد أيضا باجراء قضائي من قبل المدّعي العام الذي يمكن ان يجبره  على التنازل عن  قيادة الحزب. هذا و هناك سعي  لايقاف نشاط الحزب. و هنا علينا ان  نتذكّر بأنّ الجيش قام  قبل خمسة سنوات باجبار  حكومة ذات قيادة اسلامية من التخلي عن الحكم، بعد ان أغضب رئيس الوزراء آنذاك، نيكميتين إرباكان، الجنرالات بتأكيده على الإتصالات الدبلوماسية  مع العالم العربي.

إلا ان تحرّك الجيش ضدّ حزب العدالة  ليس على جدول الأعمال في الوقت الحاضر. ففي مثل هذا الجوّ المشحون بالسخط الواسع والجماهير المتهيجة، فان  أيّ محاولة لتنظيم إنقلاب سيسبّب حالة انفجار تمثل خطر جديا على الطبقة الحاكمة. ففي وقت  كتابة هذ المقال،  يوجد رئيس الأركان العامة التركية في زيارة للولايات المتحدة الأمريكية، حيث، بالأضافة إلى تخطيط إشتراك تركيا في الحرب على العراق، فإن الإمبرياليين الأمريكان سينصحون الجيش التركي بشدّة أن لا يقوم  بأيّ عمل  إستفزازي - على الأقل في هذه المرحلة.

في الحقيقة، ليس لدى الجيش  سبب للتحرك.  فحزب العدالة هو مجرد حزب برجوازي آخر ، يحمل  قليلا من الصبغ "الإسلامي". وسيعمل كل ما في وسعه لاقناع الإمبرياليين والمؤسسة العسكرية بانه لا يخفي اي اجندة إسلامية سرّية.  فما انفك إردوجان في كلّ فرصة تتاح له  من تبرئة حزبه قائلا: "لقد سئمنا  هذه  الأسئلة. ان حزبنا ليس  حزبا سياسيا يستند الى الدين. و أفضل طريق للتيقن من ذلك هو ان تترقبوا و سترون." ان حزب العدالة و التنمية، يضيف اردوخان قائلا،  هو "حزب من  يمين الوسط" قام " باعادة تشكيل  الوسط  السياسي. . . وجمع يمين الوسط في موضع واحد و بطريقة  اجدى ".

ما معنى كلّ هذا؟ هذا يعني أنّ  الملايين من العمّال الأتراك والناس الفقراء الذين صوّتوا لصالح حزب العدالة و التنمية  الأحد الماضي على أمل تغيير منشود  سيصابون بخيبة امل. إن  أكثر القضايا إلحاحا بالنسبة للجماهير هي البطالة. فبعد الإنهيار الإقتصادي في فيفري/فبراير السنة الماضية  إرتفعت البطالة. و يبلغ الرقم الحالي للبطالة الحقيقية 25 بالمائة تقريبا. و سنة واحدة إثر الإنهيار  إنكمش الإقتصاد التركي إلى 10 بالمائة  تقريبا. و انخفض مستوى المعيشة بشكل حاد. و هذا هو  المصدر الحقيقي وراء فوز حزب العدالة و التنمية.

إن اي محاولة لابراز  هذه النتيجة كتحوّل  للرأي العامّ التركي نحو الاسلاموية  خاطئة كليّا. ذلك و لئن  تحصل حزب العدالة و التنمية على أغلبية برلمانية كبيرة، فقد تحصل على 34 بالمائة فقط من  الأصوات. ولكن الفضل يعود الى خصوصية النظام الإنتخابي ، اذ  يقضي نظام التصويت الذي  كان قد ادرجه الجيش في النظام الانتخابي بعد إنقلاب 1980 لكي  يبعد الأطراف اليسارية ، بالحصول على 10 بالمائة  كعتبة لدخول البرلمان. الآن  يستعمل هذا السلاح ضدّهم.ولأن الأحزاب القديمة ما كانت قادرة على الحصول على 10 بالمائة، فانها لم  تحصل على مقاعد. و كنتيجة لذلك، فان 45 بالمائة من الأصوات غير ممثّلة  في البرلمان.

على العموم، تعبر  هذه  الإنتخابات عن تيار قوي من السخط في المجتمع التركي. فقد بينت نتيجة الإنتخابات مدى  ما بلغته درجة  الإحتجاج الذي سيتتطور في تركيا على امتداد فترة طويلة. فأكثرية الشعب  مستائة بشكل كبير من الوضع الحالي. هذا السخط ليس مرده فقط الوضعية الإقتصادية - ولو أنّ ذلك مهم جدا -  و انما هو سخط  يشمل جميع مجالات الحياة - إسكان، تعليم، عدالة، الدولة، الجيش، الشرطة، الساسة، والفساد المستشري الذي يصيب كلّ شيء.

أحد أسباب شعبية  إردوجان  هو الاعتقاد  بأنه كان  السّيد  "النظيف" عندما  ترئس بلدية إسطنبول. في الحقيقة،  ملأ الرجل جيوبه و أيضا جيوب  أزلامه "الإسلاميين". هو رجل غني جدا. و اعتلائه الآن للحكم،  ستكون فرصة اعظم له و لرفاقه لإغناء أنفسهم من  المال العامّ.

في إنتخابات الأحد الماضي، بيّن  الشعب التركي بأنّه  لا يعرف حقا ما يريد، و لكنّه يعرف جيدا جدا ما لا يريد. هذه خطوة أولى مهمة، لكنّها ليست الا خطوة أولى. اذ سيعيش الآن  و بالتجربة المرّة  المعنى الحقيقي لحزب العدالة و التنمية. فقد حذّر إردوجان بأنّ  لن يكون هناك اي  انفراج متوقّع لثلاث سنوات على الأقل. فما هذه الا محاولة لترطيب التوقّعات وتخفّيف الضغط من اجل الاصلاحات.و لكنّه لن ينجح في ذلك. فالجماهير لم تصوّت لصالح  حزب العدالة  بدون مقابل. و انما تطالب بتغيير.

في ظروف  أزمة  إقتصادية  عميقة وبطالة حادة  وحرب، ستتهزّ تركيا من  أسسها. و لا يملك  إردوجان و  حزبه  الجواب على المشاكل  التي تواجها الجماهير. و بعد فترة من السكون ، و حين تهضم الجماهير تجربتها، ستكون هناك بدايات لحركة جماهيرية، و خصوصا على الجبهة الصناعية، تضع  الطبقة العاملة في الإصطدام مع الحكومة.

إن  المرحلة القادمة  ستعرف احتداما  هائلا للصراع الطبقي في تركيا.

 5 نوفمبر/تشرين الثّاني 2002
ترجمة ׃ نديم المحجوب

الصفحة الرئيسية / الشرق الاوسط و شمال افريقيا