إسرائيل والمحرقة
رسالة من ماركسي إسرائيلي إلى رفاق نمساويين



قبل أسابيع قليلة في فيانا سمعت من أصدقائي في الإشتراكيين النمساويين الشباب قصّة مدهشة حول طائفة فوضوية تدافع عن شارون، والليكود وسياسة الحكومة الإسرائيلية عموما. هذه المجموعات تدعو نفسها ب" المعادية للألمان" وهم يدعمون فكرة بأنّ هناك ذنب جماعي لكلّ الشعب الألماني للجرائم التي اقترفت أثناء المحرقة. و بناء على هذا الموقف، وصل هؤلاء الطائفيين الى الاستنتاج انه من واجب اليسار الألماني والنمساوي الدفاع عن سياسات دولة إسرائيل دائما وفي كلّ الحالات، وبهذا هم لا يدينون الطرق التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية.

قد يبدو هذا للبعض نكتة، في الحقيقة هذا جنون لأن من المعروف ان المذهب الفوضوي ضدّ الدولة عموما، وضد الدول العسكرية او الدينية العنصرية بصفة خاصة. إنّ النظام الإسرائيلي مذنب لاقترافه جرائم غير معدودة ضدّ مدنييه وضدّ مواطني الدول المجاورة.

وباخذ الاعتبار لفكرة "المسؤولية الجماعية" للشعب الألماني والنمساوي للمحرقة و التصعيد الاخير في النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي طلب مني أصدقائي في الإشتراكيين النمساويين الشباب ابراز موقفي من هذه المسالة.


أولا يجب أن نفهم ان المحرقة حدث من الماضي. حوالي ستّة ملايين يهودي تم ابادتهم أثناء المحرقة، وحوالي مليون من هؤلاء كانوا أطفالا. و لا يوجد في التأريخ حدث مماثل للمحرقة من ناحية عدد الضحايا ،و لكن، و لسوء الحظ، لم تكن المذبحة الأولى من هذا النوع ولسوء الحظ  ايضا لن تكون الأخيرة طالما ان المجتمع الطبقي موجود و مولّدا لنزاعات عرقية أخرى.

يشدّد المؤرخون البرجوازيون على عدد الضحايا و على لاعقلانية هذه المذبحة الفظيعة للأبرياء بدون توضيح بأنّ مثل تلك الجريمة الفظيعة انبثقت من التناقضات ذاتها للنظام الرأسمالي في تلك الحقبة.و يخفقون في توضيح ان هذه الجريمة قد تكرّرت عدّة مرات في بقاع مختلفة من العالم. والسبب كان دائما نفسه: مازق الراسمالية و الطريق المسدود الذي تجد الطبقة الحاكمة نفسها امامه مما يستوجب أكباش فداء ׃ أقلية تحمل كلّ المسؤولية على الأمراض التي تصيب المجتمع.

أثناء حرب العالمية الأولى قتل في الإمبراطورية العثمانية حوالي مليونا أرميني بطريقة بربرية من قبل نظام تركيا الفتاة.و تم ذبح حوالي 200,000 يهوديا من طرف الجيش الأبيض والقوميين الأوكرانيين أثناء الحرب الأهلية في روسيا. و منذ الحرب العالمية الثانية شهدنا جرائم فظيعة أثناء الحروب بين الهند و باكستان، وفي أندونيسيا،و في تيمور الشرقية، و في يوغسلافيا السابقة، وفي رواندا، الخ. الخ.

المسؤولية في المحرقة، بالإضافة إلى جرائم النازية الأخرى، تعود أولا الى القيادة النازية نفسها وعلى مؤيديها البرجوازيين وحلفائهم الذين خطّطوا ونفّذوا هذه الجريمة المروّعة. كما ان جزئا من المسؤولية يعود على عاتق الأنظمة البرجوازية في البلدان الغربية التي كانت على علم بعمليات القتل الجماعي لليهود الأوروبيين. و كانت قد اعدت نفسها لغض الطرف عما كان يجري بهدف مهادنة الحركات المحليّة المعادية للساميّة أو للإبقاء على العلاقات الاقتصادية مع ألمانيا. و لا ننسى ان الجلادين الذي نفّذوا المحرقة ينحدرون من البروليتاريا الرثة، و البرجوازية الصغيرة والمتعاونين من بين قوميي أوروبا الشرقية.
ولكن الذنب لا يتحمله الشعب الألماني وخصوصا الطبقة العاملة الألمانية التي خانها الستالينيون و الديمقراطيون الاجتماعيين  والأطراف البرجوازية. فالرأسماليون يعشقون مبدأ "المسؤولية الجماعية" لأن ذلك يعطيهم فرصة توحيد العمّال ورؤسائهم تحت فكرة المسؤولية المتبادلة. ويدفع الرأسماليون بهذه الفكرة لكي يخفوا مسؤولية الرأسمالية في هذه الجريمة الفظيعة وأيضا لاخفاء الحقيقة بأنّ ملايين العمّال الألمان والنمساويين عارضوا هتلر، و ان العديد من الإشتراكيين، و النقابيين والشيوعيين قتلوا في معسكراته.

 مبدأ "المسؤولية الجماعية" هذا استعمل، و لا يزال يستعمل لتبرير الجرائم الجديدة للرأسمالية. فاستنادا الى مبدأ المسؤولية المتبادلة خطّط ونستون تشرشل-الوزير الاول البريطاني- لجعل ألمانيا "حقل بطاطا". ستالين نفسه لم يجرئ أن يدعم "نظرية" المسؤولية المتبادلة هذه بشكل علني و قد صرح " بأنّ الهتلريين يجيؤن ويذهبون، بينما الشعب الألماني باق ". و هذا لم يمنعه من إبعاد التتار، والشيشانيين،و ألمان الفولجا وآخرون  لاتهامهم بكونهم "متعاونين مع النازية". وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية أبعد آلاف الألمان من شرق أوربا من قبل الأنظمة الستالينية. )

و لهذا فان للعمّال الألمان والنمساويين كلّ الحقّ لمناقشة الوضع في الشرق الأوسط. هم ليسوا مسؤولون عن جرائم النازيين. و نفس الشيء، فان العمّال اليهود الذين قتلوا في المحرقة لا يبرر الجرائم الحالية لحكومة تل أبيب الرأسمالية. لقد دفع شعب روسيا و شعب يوغسلافيا ثمنا باهضا من الارواح البشرية أثناء الحرب العالمية الثانية، لكن لا أحد يحق له استخدام ذلك لتبرير جرائم ميلوسوفيتش وتودجمان، أو يلتسين وبوتين.

الرأسماليون الصهاينة وسياسيو اليوم لا يحمون الشعب اليهودي. فبالنسبة لهم العمّال اليهود هم وقود لالعابهم القذرة. فخلال 50 سنة من تاريخ دولة إسرائيل راح أكثر من 20,000 إسرائيلي ضحايا الحروب، و الارهاب والنزاعات التي سببها السياسات المغامرة للبرجوازيات الإسرائيلية. ان سياسة إسرائيل المجابهة لكامل العالم العربي، ليست مخرجا للمحرقة، و انما طريق إلى محرقة جديدة.وكلّ من هو على قرب من حياة العمّال اليهود يجب أن يلقي كلّ المسؤولية على عتبة باب النظام الإسرائيلي الحالي! و ليس من الصعب تعداد جرائم الرأسمالية الإسرائيلية ضدّ العمّال اليهود׃׃ كيفية استغلال المعتقدات الدينية، التأريخ الطويل لظلم العمّال والنشطاء اليساريين، التمييز العنصري ضدّ اليهود من آسيا وأفريقيا... فإسرائيل ليست بلدا لـ"كلّ اليهود"، هي دولة البرجوازية اليهودية. إنّ الطبقة العاملة اليهودية تستغلّ كاي طبقة عاملة في العالم. وهذا يجب أن يكون واضحا للجميع.

انه من الغباء والجرم مساندة اليمين الاسرائيلي. فعلى سبيل المثال، فان حزب "الليكود"، حزب جناح اليمين الرئيسي في إسرائيل، متجذّرفي "ما يسمّى بالنزعة التصحيحية" للصهيونية. هذا الاتجاه أسّس من قبل فلاديمير (زيف) زابوتينسكي، وحصل على دعم الصهيونية والفاشية الإيطالية. وقد إتّصل احد جناح هذه الحركة - ليهي (لوهامي هيروت إسرائيل) - بألمانيا النازية (! ) في 1942 وأعلم السفارة الألمانية في إسطنبول بأنّهم يساندون المبادئ الرئيسية للنازية و ان ليهي أرادت تأسيس دولة يهودية في فلسطين.و قد أصبح اسحاق شامير، وهو عضو في هذه المجموعة، رئيس الوزراء الإسرائيلي في النصف الثاني من الثمانينات. فبالتأكيد ان دعم  امثال هؤلاء ليس "أفضل طريق" للتعبير عن إحترام ذكرى ضحايا المحرقة! كلّ هذه الحقائق مشهورة جدا داخل إسرائيل. و ما إعتذر اليمين الإسرائيلي يوما عن هذه الأعمال.
الشعب في إسرائيل مدرك جدا لحقيقة أنهّ لسنوات عديدة يعيش الناجون من المحرقة تمييزا تمارسه عليهم المؤسسة الإسرائيلية. لقد قدّمت السلطات دائما رؤية بائسة عن ضحايا المحرقة ككتلة متواضعة إستسلمت إلى الابادة و مقارنة اياهم ب"اليهود الاسرائيليين الجدد". فالاسم الذي كان يطلق على هؤلاء الباقون على قيد الحياة هو"سابونيم"، والذي يعني "الصابون". و يعطي الفلم الإسرائيلي الجيد جدا "صيف أفيفا" (كيز شال أفيفا) فكرة عن شعور هؤلاء الناس الذي هاجروا بعد المحرقة إلى إسرائيل.

مؤيدو النظام الإسرائيلي من "اليسار" يصرّحون بأنّه لا يجوز إنتقاد إسرائيل لأن ذلك يعني منح المصداقية إلى وجهات النظر المعادية للساميّة من اليمين والنازيين. ولكننا نعلم ولفترة طويلة الحقيقة الساطعة  وهي ان اليمين المتطرّف يستعمل ديماغوجية إجتماعية لخداع الجماهير وبعد ذلك لخيانتهم. و قد تبدو أحيانا بعض شعارات اليسار واليمين مشابهة، و لكنّها في الحقيقة لها أهداف متناقضة تماما ، لأنها تمثّل مصالح طبقية متعارضة!

فقط الطبقة العاملة اليهودية في إسرائيل، بالتحالف مع إخوانهم، العمّال العرب، يمكن أن يقدم مخرجا للنزاع و انهاء مجزرة الشرق الأوسط. وهؤلاء، وليس الجزّار شارون، الذين هم في حاجة ماسة إلى المساعدة والتضامن .

 

ا. كرامر اسرائيل . اوكتوبر 2002

ترجمة نديم المحجوب

الشرق الاوسط و شمال افريقيا / الصفحة الرئيسية