ارييل شارون: يتحول من مجرم حرب إلى بطل قومي

بقلم: آلون ليسل، إسرائيل
الثلاثاء، 17 يناير 2006

  

  «لقد شرحت... كيف أن صراع الطبقات... يخلق شروطا وعلاقات تجعل من الممكن لمسخ عديم المواهب أن يلعب دور البطل»
                كارل ماركس: الثامن عشر من برومير، لويس بونابارت

  

  

   يوم4 يناير، أدخل رئيس الوزراء الإسرائيلي، آرييل شارون، مستشفى هاداسا بعد إصابته بجلطة وكان قد سبق له أن أدخل المستشفى ما بين 18 و20 دجنبر إثر إصابة سابقة. شارون يوجد الآن في وضعية سيئة وأطبائه يقولون أن حياته في خطر حقيقي وأنه حتى وإن تمكن من البقاء حيا، فمن المحتمل أل يستعيد كل قدراته العقلية.

  خطورة حالة شارون كانت في حقيقة الأمر واضحة لجميع من رآه أمام الكاميرات بعيد إصابته بالجلطة، إذ كان يبدو مريضا جدا وهو يتكلم وكان في مقدور الكثيرين أن يروا أن هنالك شيئا ما يحدث. وبالرغم من الادعاءات بأنه كان "يمازح أطبائه" (وهي طريقة شائعة عند السياسيين الإسرائيليين لإخفاء خبر مرض أحدهم) فإنه لم يكن مسموحا لأي أحد بأخذ صور له في غرفته بالمستشفى. كان ملفه الطبي قد نشر للعموم قبل فترة ويبدو من خلاله آن شارون يوجد في حالة صعبة، جزئيا بسبب رفضه إتباع الحمية التي يوصيه بها أطبائه.

  من الواضح أننا، كاشتراكيين، لا نبدي أي تعاطف مع شارون. إنه مجرم حرب رجعي، صنع مسيرته بخداع ومهاجمة كل من الجماهير الإسرائيلية والفلسطينية منذ بداية مشواره العسكري الدموي ثم مشواره السياسي الذي لا يقل دموية.

  سنة 1953، نظمت وحدته 101 مذبحة في قرية كيبيا، قتل خلالها 60 فلسطيني. على إثرها ثم استدعائه لمقابلة رئيس وزراء إسرائيل آنذاك، بن غوريون الذي قال له: « دعني أقل لك شيئا: ليس من المهم ما يقوله العالم عن إسرائيل، لا يهم ما يقوله أي كان عنا. الشيء الوحيد الذي يهم هو أن نتمكن من العيش هنا، في أرض أجدادنا. إذا لم نري للعرب أن هنالك ثمن يتوجب دفعه لقاء قتل اليهود فلن يكون في مقدورنا أن نستمر في الوجود».

  وتوضح دراسة أنجزت من طرف شعبة التاريخ العسكري الإسرائيلي، كيف أن شارون الذي أحبطه تردد الحكومة عشية حرب 1967، اقترح على الجنرال القيام بتمرد عسكري: « قلت أننا وصلنا إلى نقطة يتوجب أن ننهض وقلت اسمع إن قراراتكم تهدد دولة إسرائيل وبما أن الوضعية حرجة فالمطلوب منكم هو أن تذهبوا إلى الغرفة الأخرى والانتظار هناك وسيقوم الجنرال ببث رسالة على الراديو وسيشعرون بأنهم مقالون. هكذا كان إحساسي ».

  سنة 1982 سمح آرييل شارون - الذي كان آنذاك وزيرا للدفاع- لقوات الكتائب الفاشية في لبنان، أن تذبح سكان مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين، وتقتل أكثر من 328 فلسطيني. وقد منعت لجنة كاهن (التي شكلت في أعقاب المجزرة ) على شارون أن يتولى منصب وزير الدفاع مرة أخرى - لكن لم تمنع عنه باقي المناصب الأخرى أو منصب رئيس الوزراء !

  سنة 1973، التحق شارون بحزب الليكود اليميني (بعد مغامرة قصيرة داخل حزبه شلومزيون) وصار الأب الروحي لحركة المستوطنين المسيانيين ويمينيا متطرفا.

  ليس لدينا أية مصلحة في موت شارون. في الواقع يجب أن يحاكم بسبب جرائم الحرب التي ارتكبها وهو الشيء الذي لن يحدث على ما يبدو، بالنظر إلى حالته الصحية. لكنه إذا مات فإنه واحدا آخر، من نفس طينته، سوف يخلفه بكل بساطة. إن الاشتراكيين لا يتمنون موت أي فرد من أفراد الطبقة الرأسمالية - إن ما يردونه هو القضاء على النظام الرأسمالي نفسه.

  بعد خطوة فك الارتباط، التي استعملها لجعل الجماهير الإسرائيلية تصدق كونه رجلا يسعى إلى تحقيق السلام مع الفلسطينيين، عرفت شعبية شارون ارتفاعا وعمل الجناح اليميني لقيادة حزب العمل (الذي تعرض للعديد من الهزائم على يد الجناح اليساري ) على الالتحاق بحكومته وساهم في نشر الأوهام وتطبيق برنامج شارون الاقتصادي الذي يعتبر البرنامج الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل.

  يتوجب علينا ألا ننسى جرائم شارون. يجب على الطبقة العاملة الإسرائيلية ألا تنخدع بحملة الدعاية الإعلامية، إن شارون واحد من ألذ أعداء الطبقة العاملة ولايجب أن يعامل إلا على هذا الأساس. ليس هنالك من حلول يمكن للعمال الإسرائيليين والفلسطينيين أن ينتظروها لا منه ولا من حزبه كاديما. الحل الحقيقي الوحيد هو إقامة حكومة اشتراكية يسارية تنهج سياسة اشتراكية في خدمة العمال والفقراء وليس الرأسماليين.

  شارون كأداة سياسية
  «للذي أتى بدون جدوى وذهب إلى الظلمات واسمه مغطى بالظلمات» (سفر الجامعة 4: 6)

   إن مرض شارون يوضح بجلاء أنه لن يكون بمقدوره، بأي حال من الأحوال، أن يعود إلى ممارسة النشاط السياسي بعد خروجه من المستشفى. حزبه كاديما (إلى الأمام) وأبواقه الإعلامية يوجدون في حيرة. إنهم يعلمون أكثر من أي كان أن كاديما هو حزب رجل واحد وأنه بدون شارون سيكون من الصعب الحفاظ عليه موحدا وتحقيق النجاح الانتخابي الذي كانوا يتوقعونه، وهكذا فإن حياة حزب الرأسماليين الجديد هذا ستكون قصيرة. هذا مؤشر على حالة الحياة السياسية الإسرائيلية حيث كل شيء رهين بشخص واحد، بالحكَم، بالبونابرتي الذي يقف على رأس المجتمع!

   ما الذي سيعملونه إذن؟ سوف يعملون كل ما في مقدورهم لخلق علاقة بين شارون والحزب في ذهنية الجماهير. سيل متواصل من الخطب ودموع التماسيح وخرجات إعلامية شبه تأبينية يومية، كل شيء يستعمل كحملة انتخابية لحزب فقد ورقته الرابحة الوحيدة.

  لقد علمونا منذ وقت مبكر أن وسائل الإعلام من المفترض أن تكون في خدمة المجتمع وأنها "حارسة الديموقراطية ". حسنا إنها بمعنى من المعاني حارسة للديموقراطية، لكنها لا تحرس الديموقراطية بالمعنى الذي يريدون أن يقنعونا به. إن دورها هو تأبيد الوهم بأن الديموقراطية البرجوازية هي سلطة الشعب، بينما هي في الواقع سوى سلطة على الشعب، إنها ليست سوى "ديموقراطية" تسمح لأقلية ضئيلة بالتحكم في مصائرنا، "ديموقراطية" تفرض على أكثر من مليون ونصف المليون إسرائيلي العيش في الفقر.

  الحقيقة هي أن وسائل الإعلام ليست ملكا لنا جميعا. إنها خاضعة لسيطرة البرجوازيين المحكمة. آل موسس وآل نيموردي وآل شوكن وغيرهما من العائلات الرأسمالية، تمتلك أهم الصحف وتستطيع أن تفرض عليها ما تكتبه وما تروجه. من المعلوم أن جميع الصحف تعمل الآن كآلات دعائية لحزب الرأسماليين الإسرائيليين الجديد، كاديما.

  في الماضي كان حزب العمل هو الأداة الرئيسية في يد الرأسماليين الإسرائيليين، عندما كان بمقدوره لجم تحرك العمال، لكن بعد الضعف الذي أصابه، بسبب السخط الجماهيري على سياسته، عملت الطبقة السائدة على تحويل ارتكازها إلى الليكود، أهم حزب يميني آنذاك (إلى حدود تشكيل حزب كاديما قبل بضعة أشهر). لقد كان شارون يفهم أن الليكود صار يتحول إلى حزب يميني متطرف مما سيفقده العديد من الأصوات وكان يعرف أيضا أنه بعد انتخاب بيريتز رئيسا لحزب العمل سوف لن يكون بمقدور الرأسماليين استخدام هذا الحزب المجدد شيئا ما. وهكذا خلقت الشروط الملائمة لتأسيس حزب كاديما، الذي هو حزب ليس لديه من مهمة سوى محاولة إيقاف التقاطب الكبير الذي يعرفه المجتمع الإسرائيلي - الأمر الذي لا يمكنه أن ينجح إلا لفترة قصيرة جدا- إضافة طبعا إلى توفير مناصب عمل بأجور جيدة لحفنة من الانتهازيين.

  يمكن لحزب كاديما طبعا أن يستعمل العديد من الخدع الإعلامية. بل لقد اقترح مؤخرا أن يشكل شارون جزءا من لائحة مرشحي الحزب للانتخابات، بالرغم من عجزه عن المشاركة فيها وذلك للحصول على فترة رئاسية ثانية عبر استغلال التعاطف الشعبي. لكن كل هذا لا يمكنه أن يستمر طويلا.

  إن كاديما حزب محكوم عليه بالموت منذ البداية، وضعفه سوف يبدو جليا للجميع، إذا لم يكن في هذه الانتخابات ففي الانتخابات التي ستليها. أما بخصوص شارون فيمكن للمرء أن يأسف للطريقة التي يتم استعماله فيها واستغلال حالته لخدمة مآرب سياسية لبعض الأشخاص بما فيهم أبنائه إلا أن شارون هو من وضع نفسه في هذه الوضعية. إن كل من يبني مشواره السياسي على الكذب والفساد، لا يجب عليه أن يتفاجئ عندما ينقلب ذلك عليه.

  عنوان النص بالإنجليزية:

  Ariel Sharon – transforming a war criminal into a national hero

   

الشرق الاوسط وشمال افريقيا

الصفحة الرئيسية