العراق: قرارات مجلس الأمن، دفعة للتوحش


عمار شريف
الأحد: 09 يناير 2011

لقد توصلنا بهذا المقال من طرف الرفيق عامر شريف بالعراق حول قرارات مجلس الأمن بشأن إنهاء العقوبات وبرنامج النفط مقابل الغذاء، ونحن ننشره بموقعنا لما يتضمنه من معلومات وتحليلات هامة حول دور الامبريالية العالمية في نهب ثروات العراق.

أطلقوا سراح جمال صابري! نداء من أجل إطلاق سراح المناضل الشيوعي جمال صابريأصدر مجلس الأمن الدولي في جلسته المنعقدة بتاريخ 15/12/2010 ثلاثة قرارات بخصوص العراق، وهي القرارات 1956، 1957 و1958. حيث كان الأول بخصوص صندوق تنمية العراق الذي أنشأه قرار سابق للمجلس بعد احتلال العراق للسيطرة والإشراف على عائدات صادرات النفط والغاز. والثاني جاء لإنهاء بعض فقرات قراري مجلس الأمن 687 و707 لسنة 1991 والمتعلقين بحظر الأسلحة. والثالث بهدف إنهاء جميع الأنشطة المتعلقة بـ "برنامج النفط مقابل الغذاء" المتضمن في القرار 986 لسنة 1995. هذه القرارات هي للتعامل وتعديل أو إلغاء قرارات سابقة. وقد جاءت ليس لإخراج العراق من تحت طائلة العقوبات كما يصور البعض، بل إنها أبقت على العديد من الفقرات بالإضافة إلى إبقاء العراق تحت أحكام البند السابع الذي يخول باستخدام القوة ضده.

في الوقت الذي هللت فيه الحكومة وأحزابها في العراق لصدور تلك القرارات واعتبرتها استعادة لسيادة العراق وانتصاراً للدبلوماسية العراقية وماشابه، فان نظرة سريعة على محتوى القرارات وتفاصيلها من جانب واختيارها من بين العديد من المسائل من جانب آخر، تبين إنها انتقائية ومحسوبة بدقة للاستجابة لمصالح القوى الكبرى الاقتصادية وخصوصاً أمريكا بالدرجة الأساس ثم هي محاولة لإطلاق يد الحكومة والرأسمال المحلي والأجنبي لاستنزاف قوى العمال والكادحين في العراق والسطو المكشوف على موائدهم الفقيرة. القرار 1956 يبدأ بما يشبه المطلع الغزلي يشيد بنزاهة الحكومة العراقية وتأكيداتها على؛ "الاستمرار في استخدام عائدات النفط على نحو عادل وبما يخدم مصالح الشعب العراقي". والذي تضمنته رسالة رئيس الوزراء لرئيس مجلس الأمن في وقت سابق من شهر كانون الأول. ثم يستنتج مجلس الأمن إيقاف العمل بقرار سابق أنشئ بموجبه صندوق تنمية العراق ويعمل على إطلاق يد الحكومة في أموال عائدات النفط. لاشك أن الصفقة كبيرة وطويلة الأمد بحيث تمنح شركات الدول المؤيدة للقرار فرصاً لا تقاوم لجني الذهب في العراق. يتضمن القرار تعهداً مسبقاً من حكومة العراق بألا تطلب تمديد العمل بصندوق تنمية العراق بعد التمديد الأخير لمدة ستة أشهر ينتهي منتصف 2011. ولكن ماذا يعني هذا؟ انه ببساطة يعني نهاية العمل بحماية العراق من مئات مطالبات التعويض مقدمة من قبل الدول والهيئات والأفراد. وهو يعني تعهداً واضحا من الحكومة لتقديم تعويضات لا أحد يعلم مدى كلفتها وربما وصلت حدّ تهديد حياة الملايين بالعراق بالمجاعة. وبالنتيجة هي عقوبات تطال ملايين الأبرياء على أعمال نظام كانوا هم ضحاياه. ولم ينس القرار الاستمرار باستقطاع 5% من عائدات النفط والغاز لتعويضات ظلت تدفع للكويت عن الحرب منذ عقدين ومازال هناك أكثر من 20 مليار دولار على العراق دفعها أيضاً.

أما القرار 1957 الذي جاء لرفع الحظر على التسليح بعد توقيع العراق على كافة معاهدات منع انتشار الأسلحة النووية والكيماوية ومعاهدات التفتيش، إنما يستجيب لحاجات الحكومة لفرض قبضة حديدية على المجتمع عن طريق تسليحها. وبالتالي تأمين أفضل ظرف يمكن أن يحلم به الرأسمال وشركاته المتعددة الطامحة بالدخول والاستثمار في العراق. ظروف يتم خلالها فرض الخنوع على الطبقة العاملة وتأمين أدنى حد ممكن للأجر والضمانات. بوادر هذا النزوع مارسته الحكومة مبكراً عن طريق مهاجمة النقابات غير التابعة للحكومة ومساعي التضييق على الحريات.

في نفس الوقت يفتح هذا القرار سوقاً قل نظيرها لتصريف الأسلحة بصفقات كبيرة لبلد تم تدمير آلته العسكرية وترسانته المتطورة نسبياً بشكل مخطط.

في حين يأتي القرار 1958 لتصفية "برنامج النفط مقابل الغذاء" الناتج عن القرار 986 الصادر عام 1995 الذي جاء ليخفف الآثار الكارثية لسياسة الحصار الاقتصادي السيئة الصيت التي جوعت الملايين عمداً وحرمتهم من إمكانية الحصول على الدواء والغذاء في العراق. الآن وفي بلد مازال الغالبية العظمى من سكانه تحت وطأة نتائج سياسة الحصار والإفقار والحرب وانهيار البنية التحتية وتفشي البطالة، يشكل برنامج النفط مقابل الغذاء حلاً مؤقتاً لسد حاجات الغالبية من المحرومين إلى المواد الغذائية الأساسية. انه ورغم السطو الفعلي من قبل حكومة القوميين والإسلاميين على الكثير من مفردات الحصة التموينية التي يتلقاها الأفراد في العراق بأسعار مدعومة ومناسبة تماماً حتى الآن، فان صدور هذا القرار من قبل مجلس الأمن لا يعني سوى حثّ الحكومة للتنصل تماماً عن توفير تلك المواد المدعومة في إطار ذلك البرنامج.

شكلت مسألة إلغاء الحصة التموينية أكثر الرغبات إلحاحا لدى حكومة المالكي خلال السنوات الماضية. وظل الوزراء والمسؤولون في الحكومة يهددون دائماً بقطعها عن المواطنين وإلغائها حتى قبل صدور قرار مجلس الأمن الأخير الذي ينهي العمل ببرنامج النفط مقابل الغذاء.

حزمة القرارات الثلاثة مجتمعة تعمل كنظام متناغم للتعبير عن حجم الشهية المخيف لامتصاص دماء الطبقات الأكثر فقراً والأوسع عدداً. الدماء التي أراقتها تلك القوى بدءاً بأمريكا والأحزاب المؤتلفة في الحكومة والبرلمان وجماعات تفجير الأسواق والمحلات العامة. كلّ تلك المذابح ارتكبت ليقرض كل منهم أكبر حصة ممكنة له من السلطة ثم الثروة. وهاهي لحظة إعلان البدء بتوزيع الغنائم تأتي بصياغة رسمية من قبل مجلس الأمن الدولي لتؤشر عصر الاستباحة الفعلي.

من جانب الحكومة في العراق تعد هذه القرارات مكافأة لها بوضع عائدات النفط تحت تصرفها ودعم الفساد وطغيانه وإطلاق يدها. وفي المقابل تنتظر الدول صاحبة هذا القرار في مجلس الأمن وعلى رأسها أمريكا من الحكومة العراقية تهيئة الأرضية والظروف الموائمة للاستثمارات في العراق وفتح الأبواب على مصراعيها لآليات عمل رأسمالية السوق وإلحاق البلاد بها. هذه القرارات بمجموعها تشبه الوصفات التي يطرحها صندوق النقد وبنك النقد الدوليان كشروط على الدول التابعة لمنحها القروض للقضاء على أية إمكانية حقيقية للنمو الاقتصادي فيها وتكبيلها بالديون وضمان تبعيتها السياسية. احد أركان تلك الشروط هو أن تتنصل الدول التابعة عن أية ضمانات اجتماعية وبرامج صحية وتعليمية لائقة لمواطنيها وأن تسلب المكتسبات السابقة. ليس من باب الصدفة أن يشير قرار مجلس الأمن بوضوح إلى صندوق النقد الدولي في ترتيبات بديل صندوق تنمية العراق الملغى. إن التبجح بادعاءات السيادة هنا إنما يفضح حقيقة الكارثة أكثر مما يسترها.

بُعيد تشكيل ما يسمى بحكومة الشراكة مباشرة صدرت هذه القرارات من مجلس الأمن لتعلن ملامح المرحلة القادمة في العراق. إن انتصار هذه الإستراتيجية التي تتشابك مصالح جميع لاعبيها في وضعية فريدة، يعني الإقبال على واحدة من أكثر مراحل الصراع والمواجهة الطبقيين شدة في العراق. البرجوازية في العراق ورغم هيكلها السياسي المهلهل تبدو أكثر انسجاماً إزاء مصالح طبقتها ككل. وبمباركة الرأسمال العالمي، دوله وهيئاته الدولية تستجمع نفسها لفرض مرحلة قاتمة وظروف قاسية على حياة العمال والكادحين. ليس أمام العمال وتحرريي المجتمع من سبيل آخر سوى استجماع أقصى درجة من قواهم الموحدة للتصدي لتلك الهجمة، بل للارتقاء بشروط حياتهم.