في  خضم الاضطهاد الامبريالي

تراث الحزب الشيوعي العراقي لا يزال حيا

بقلم روبرتو سارتي

 

 

في الوقت الذي تناقش فيه الولايات المتحدة مستقبل العراق مع اصدقائها و حلفائها في العالم تنمو حركة المعارضة ضد الاحتلال الامريكي. و في خضم ذلك تبدا التقاليد الشيوعية القديمة في التجذر مرة اخرى.

 

تجمع خلال اخر الاسبوع الماضي اكثر من 1000 رجل اعمال و زعيم سياسي من كافة انحاء العالم في الاردن في اجتماع للمنتدى الاقتصادي العالمي لمناقشة الوضع بعد حرب الخليج الاخيرة.

الا انه عندما  تقدم الحاكم الامريكي للعراق بول بريمر لشرح برامج الولايات المتحدة لاعادة بناء عراق ما بعد الحرب شرع جميع الحكام العرب تقريبا في الارتعاد في سراويلهم لما سيعقب ذلك.

حسب بريمر ستشمل التغييرات ادراج حقوق جديدة للملكية, قوانين ضد الاحتكارات, التقليص في الاعانات, فتح البلاد للتجارة و الاستشمار الاجنبي, و خصخصة التجارة التي تديرها الدولة.

قال بريمر:"اريد ان اقول لرجال الاعمال بانني متفاؤل ان الحلفاء سينجحون في  تحويل الاقتصاد العراقي من نظام مغلق ميت الى اقتصاد حيوي و مفتوح للتجارة." واضاف قائلا:" بدون نظام السوق  لم تفشل مؤسسات الدولة في انتاج القيمة فحسب بل و دمرتها." (المصدر ipsnews.net//:http).  و كما اشارنا سابقا, في هذه "السوق الحرة"  فان الذين سيحصلون على  كامل الوليمة هم الذين سيصبحون "افضل المتنافسين" اي الشركات الامريكية.

وبطبيعة الحال لا ينكر بريمر انه ستكون هناك بعض المشاكل. " التاثير السلبي لهذه المرحلة الانتقالية على العمال و المتقاعدين الذين من الممكن ان يتضرروا بسبب غلق بعض الشركات التي هي على ملك الدولة سيتم تداركه بمداخيل النفط."

ولكن كيف سيتمكن العراقيين من الاستفادة من مداخيل النفط اذا كانت حتى الشركات التي تديرها الدولة ستشملها الخوصصة؟ ربما ما يقصده بريمر (لكنه لا يقوله علنا)  هو انه بعض الفتات فقط سيذهب للشعب العراقي. انه لواضح انه بعد  الحرب العسكرية  يعد الامريكان لحرب اقتصادية, حرب طبقية  تصيب ملايين العراقيين  خلال السنوات القادمة.

لهذا فان الحكام العرب قلقون جدا. لا لان هؤلاء البرجوازيين يمتلكون  نزعة "انسانية". وانما لان ما يخشونه هي انعاكاسات  تفجر النضال الطبقي و حرب تحرر في العراق يمكن ان تنتشر الى  حدود بلدانهم. و هم يخشون كذلك ان نفس الاساليب التي انتهجتها الولايات المتحدة في العراق يمكن ان تنتهج ضدهم اذا ما تجرؤوا على  خرق  القواعد المملات من طرف واشنطن.

تنامي المظاهرات و هجومات حرب الغوار

على عكس رغبات الادارة الامريكية, من الواضح ان عملية اعادة البناء لا تجري وفق المخططات. فليس الخدمات الاساسية فقط لا تزال متضررة جدا و انما يصيب التاخير تجارة النفط ايضا.

في  الواقع استانفت العراق يوم الاحد مبيعات محدودة من النفط المخزون بميناء سيهان  في تركيا. وهي اول الصادرات العراقية من النفط منذ بداية الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في 20 مارس الماضي. في صباح الاثنين الفارط حدث انفجار في انبوب للنفط على الحدود العراقية السورية. ونشب حريق يوم السبت نتيجة انفجار انبوب غاز قرب مدينة هيت شمال غرب بغداد . وقد اعتبرته الولايات المتحدة "عملية تخريب".

ونتيجة لهذه التفجيرات يقول المسؤولون العراقيون انه لن يكون بالامكان ضخ النفط من الحقول الشمالية بكركوك  الى سيهان لان الانبوب لا يزال معطبا. و الهام هنا هو ان السكان لا يبدون معارضتهم  على هذه الهجمات. و ما يتردد بين العراقيين العاديين هو انه " ان كانوا يريدون سرقة نفطنا فمن الافضل اتلافه."

ولم تتوقف الهجومات على الامريكان و البريطانيين بعد عملية التمشيط التي قامت بها القوات المسلحة الامريكية الاسبوع الماضي.  بالعكس فقد تكثفت. و لاول مرة تظهر على المسرح مجموعات منظمة مثل المجموعة التي تطلق على نفسها الجبهة الوطنية للفدائيين العراقييين و التي كانت مجموعة غير معروفة سابقا. و في شريط فيديو  وزع السبت الماضي تعهدت المنظمة بتكثيف  اعتداءاتها على القوات الامريكية الى ان تغادر الاخيرة البلاد. و تجمع يوم الجمعة في بغداد حوالي 20.000 امام القيادة المركزية للقوات الامريكية للاحتجاج على  نقص الماء و الكهرباء.

برغم تواجد اكثر من 200.000 من قوات "التحالف" في العراق فان ما يبرز هو فراغ  واضح في السلطة. فقد دمرت الولايات المتحدة جهاز الدولة القديم لصدام و لكنها لم تجد بعد بما تعوضه به. و في بعض المناطق تقوم ميليشيات الشيعة بملئ الفراغ و لكن في بعض المدن الاخرى فان الوضع غير ملائم بالنسبة للاصوليين.

تعد مدينة الناصرية  اكثر من مليون و 200.000 نسمة اغلبهم من الشيعة. وهناك وقعت اكثر معارك الحرب شراسة. لكن للمدينة ايضا تقاليد كفاحية عظيمة.  ففي هذه المدينة حصل الحزب الشيوعي العراقي في  1958 على اكثر من 60 في المائة من الاصوات. و قد دفع العديد من  القادة اليساريين و الاسلاميين في ظل حكم صدام حسين بحياتهم لمعارضتهم للنظام.

وقد صرح احد رفيعي المقام المحترمين مؤخرا بما يكشف عن الامكانات المتاحة لليسار.  ففي حديث له للصحيفة الايطالية اليومية اليسارية "المانيفستو" قال:" على الحزب الشيوعي ان ياخذ الامور بيديه بان يحمل السلاح  و يوقف جميع  اللصوص. بدلا من ذلك فهم يقعدون في مكاتبهم. فماذا ينتظرون؟"

تكشف الصحفية الايطالية عن ارائها الاصلاحية و افكارها المسبقة مشيرة الى نفس المسؤول: "ولكن اذا ما تسلحت جميع الاحزاب السياسية فستكون هناك حرب اهلية!" فيرد عليها  المسؤول معاتبا: "انا لا اتحدث عن الاحزاب. انا اتحدث عن الحزب الشيوعي. هنا ان رفعوا مطلبا لاتبعهم الجميع. هنا لا احد يتبع الاسلاميين. هذه مدينة فهد الخالد مؤسس الحزب الشيوعي." ("المانيفستو", 22 جوان 2003) .

للاسف ليس لزعماء الحزب الشيوعي النية في اتباع هذه النصيحة.  وقد عبر سكريتير الحزب هناك سعيد صاحب الحسونة, والذي لم يعد من منفاه الطويل في سوريا الا مؤخرا, في نفس المقال بان " الجميع ضد الاحتلال و لكنه امر واقع. و عندما تصبح لنا حكومة عندها  يمكننا التفاوض سلميا حول رحيلهم (رحيل الامريكان)."

هذا سلوك قانوني بالكامل! "عندما تصبح لنا حكومة!" يتجاهل حميد ان اي حكومة ستسمح لها الولايات المتحدة بالوجود ستكون مجرد بيدق في يد الامريكان. فلن يكون بالامكان ارساء حكومة شعبية حقيقية الا عندما يجبر الامريكان على مغادرة البلاد. و الجماهير هي الوحيدة القادرة على انجاز هذه المهمة.

والمهمة العاجلة المطروحا حاليا هي تكوين  مجالس عمالية و شعبية يكون هدفها المباشر اخراج القوات الامريكية من العراق و تمكين  الشعب العراقي من حكم بلاده بنفسه.

 و حقيقة ان هذا ممكن   تماما في عراق اليوم يتضح في مكان اخر من المقال. فقد كونت جميع الاحزاب في الناصرية لجنة تنسيق مشتركة وعينت الشيخ تكليف محمد المنشد مرشحا لمنصب حاكم. وهو زعيم علماني عاد الى العراق مؤخرا. و قد جاء  في حديث له في نفس المقال: "لئن تطلب منا قوات التحالف تكوين قوة تضمن الامن فاننا قادرون على  فعل ذلك في ظرف اسبوع. و هذا قادر على ضمان الامن في كامل المقاطعة حتى في المستقبل. ("المانيفستو", 22 جوان 2003). بمعنى اخر 'بامكاننا الحصول على السلطة و لكننا لا نريد ذلك'!  فنحن في انتظار اذن لطيف من الولايات المتحدة.

يذكرنا هذا السلوك  بسلوك القادة الشيوعيين و الاشتراكيين الايطاليين  في نهاية الحرب العالمية الثانية. فقد كانت تحت تصرفهم قوات هائلة. كانوا 300.000 الف نصيرا مسلحا و بالخصوص في شمال ايطاليا. و كانت الدولة البرجوازية قد انهارت. و عوض ان يغتنموا هذه الفرصة التاريخية للاجهاز على الراسمالية   ظلوا ينتظرون وتعاونوا مع القوات الامريكية و البريطانية (و شاركوا في حكومة الوحدة الوطنية مع المسيحيين الديمقراطيين) لاعادة ارساء السلطة البرجوازية و الجيش و البوليس. في النهاية, قام  المسيحيون الديمقراطيون بدعم و نصح من الولايات المتحدة بشكر الاحزاب اليسارية على "مساعدتهم" بطردهم من الحكومة ما ان هدات حركة الجماهير ولم تعد هناك حاجة بهم. وتلت ذلك  سنوات من القمع للطبقة العاملة الايطالية امتدت كامل الخمسينات و لجزء كبير من الستينات و لم تنتهي فعليا الا  مع  الحركة العمالية في اواخر العقد.

ان لم يغير الحزب الشيوعي العراقي اليوم اتجاهه فانه سيساهم في  قيادة العمال العراقيين الى نفس المصير. ان العمال و الشباب في العراق متعطشون الى تغيير جذري. لقد ذهب صدام و لكن هذا غير كاف بالنسبة لهم. فالان هم يريدون التحكم فعليا في حياتهم و بصفة خاصة يريدون من الامريكين الرحيل عن بلادهم.

و كما نرى فان التدخل الامبريالي في العراق لم يقم بحل اي مشكل بل اضرم النار في كامل المنطقة. ويتضح  ذلك من الاحداث الجارية في ايران بالخصوص. ان امكانات مثل هذه الحركات متوفرة  في كامل الشرق الاوسط.  و ان فرصا كبيرة  مفتوحة امام جماهير هذه المنطقة من العالم.

بيد ان مثل هذا الحصن من الامكانات  غير كاف لوحده لاحداث تغيير جوهري. اذ يجب استيعاب دروس الماضي من قبل كل عامل و فلاح وهذه  هي المهمة الاولى امام ثوريي اليوم.

23 جوان 2003

الصفحة الرئيسية / الشرق الاوسط و شمال افريقيا