الفصل الثالث

الحزب الشيوعي لايران

 

ان بروز الافكار و الحركة الشيوعية في ايران بمعناها الحقيقي بدا في حقول النفط بباكو في روسيا قبل ثورة 1917. فقد كان هناك الاف من العمال المهاجرين الايرانيين المستخدمين من قبل النظام القيصري في حقول النفط يعملون جنبا لجنب مع العمال الروس و الاذاريين و الارمن و كانوا على اتصال بالدعاية و التحريض البلشفي. ولعب هؤلاء العمال دورا بارزا في نشوء الحزب الشيوعي لايران. كان ما يقارب 50 في المائة  من العمال في حقول نفط باكو من الايرانيين و كان العديد منهم على اتصال بالبلاشفة  الذين كانوا يعملون في الاتحادات العمالية لحقول النفط.1 وتبين الارقام الرسمية ان 190.000 من الايرانيين ذهبوا الى روسيا في 1911 و ان 16.000  عادوا الى ايران في نفس السنة.2 الا ان تقديرات غير رسمية تبين ان  ما لا يقل عن 300.000 عاملا ايرانيا هاجر الى روسيا سنويا. وكان هؤلاء العمال بالاساس من اذربيجان و جيلان (القسم الشمالي من ايران جنوبي بحر قزوين) ومن بعض المناطق الاخرى لايران. لقد تاثر العمال الايرانيين كثيرا بالبلاشفة وكلما عادوا الى ايران كانوا يجلبون معهم تقاليد و افكار الماركسيين الروس. ولاول مرة في تاريخ ايران تردد الشعار المشهور للبيان الشيوعي:"يا عمال العالم اتحدوا!"

كان الثوريون الايرانيون مرتبطين بنشاطات الحزب الاشتراكي الديمقراطي منذ البداية. وعندما بدا نشر "الاسكرا" (الشرارة) في ديسمبر 1900 اخذ الثوريون الايرانيون في جلب نسخ منها الى فارس عبر باكو. واصبح هؤلاء الثوريون يعرفون بالاشتراكيين الديمقراطيين.3 اما في ما يتعلق بشؤون الاسكرا كتبت كروبسكايا مرة الى طرخان طالبة معرفة ما اذا كان ممكنا ارسال النشرية عبر تبريز. و في رسالة الى  ل. غلبرين كتب لينين حاثا على عملية شحنها الى فارس عبر فيانا. و قال انها كانت تجربة حديثة, و من "السابق لاوانه الحديث عن الفشل, و قد يمكن ان تنجح".4  كان غلبرين مكلفا بارسال الاسكرا الى باكو (عن طريق الاشتراكيين الديمقراطيين الروس) في ربيع 1901. وهو الذي نظم لجنة باكو لحزب العمال الاشتراكيين الديمقراطيين الروس. وكان عمل اللجنة ادارة الطبع السري و نقل الادب الممنوع من الخارج وتوزيعه داخل روسيا.

وقد ساهم عديد البلاشفة في حركة المشروطيات (الحركة الدستورية) بين 1905 و 1911 وضحوا بحياتهم الى جانب الثوريين الايرانيين. كتب غارتوفك, سفير القيصر في ايران, في 2 اوكتوبر 1908 الى الحكومة الروسية مشيرا الى ان قائد المدفعية ستار خان (زعيم تمرد تبريز) كان بحارا على المدرعة المشهورة بوتمكين. وكان قد فر الى رومانيا  ثم عاد الى ايران وانضم الى الثوريين. واشارالسفير ايضا  الى انه  كان يتم نقل الادب الثوري  من تبريز عن طريق الثوريين الروس.5

وتم في تلك الفترة ترجمة اجزاء من البيان الشيوعي الى الفارسية وحدث ذلك عندما قدمت مجموعة من الثوريين الروس يتزعمها سيرغو اوريونيكيدشه الى ايران في 1909 للقيام بنشاطات ثورية. وقد ذكرت هذا زوجة سيرغو في كتابها "درب البلاشفة". وكان لينين نفسه على اتصال ببعض البلاشفة عبر القوقاز. و الذين كانوا في ايران خلال فترة الارتكاس بعد انهزام ثورة 1905. ولعب بلاشفة القوقاز دورا هاما في نشر الافكار الماركسية في ايران خلال الحركة الدستورية ضد مملكة القجر. 6

بيد ان  في البداية لم تكن الماركسية مهيمنة في الحركة الاشتراكية الديمقراطية الايرانية وانما كان هناك اتجاه قريب من النارودنيك. يصفهم الن وودز في كتابه "البلشفية, الطريق الى الثورة":" كان الناروديك مدفوعين بالطوعية الثورية وهي فكرة ان نجاح الثورة يمكن ضمانه بالارادة الحديدية و التصميم الذي تتحلى به مجموعة صغيرة تكرس نفسها للثورة. اكيد ان العامل الذاتي حاسم في التاريخ الانساني. وقد بين كارل ماركس ان الناس يصنعون تاريخهم لكنه اضاف انهم لا  يفعلون  ذلك خارج اطار من العلاقات الاجتماعية و الاقتصادية اقيمت بدون ارادتهم".7

ان الارهاب بالاساس اتجاه برجوازي صغير وغريب تماما عن الطبقة العاملة. وان تلجا الحركة في بداياتها الى مثل هذه الاساليب  هو انعكاس واضح لمرحلة غير متطورة من النضال. انها نتيجة مباشرة للمستوى المتدني للتطور الاقتصادي –الاجتماعي في ايران. فالنمو البطيء لقوى الانتاج وجد انعكاسا له في البنية الطبقية اللامتطورة للمجتمع الايراني في مرحلة لا تزال فيها الطبقة العاملة في طفولتها. و بالنسبة الى الطلبة التقدميون الشباب و المفكرون يبدو المجتمع في حالة ركود. ونظرا لنفاذ صبرهم يستنتجون ان ليس هناك مخرج من ازمة المجتمع غير البندقية و القنبلة. و مع ان ذلك لم يكن من الصواب في ذلك الوقت كان ممكن فهمه لان  نمط الانتاج الراسمالي كان في مرحلة بدائية  من التطور. و كانت الطبقة العاملة في مرحلة جنينية. لهذا وجد الطلبة قاعدة لهم بين الفلاحين المستائين. فقد كان هؤلاء يعانون اضطهاد سيطرة ملاك الارض و النبلاء الاقطاعيين. الا ان تخلف الجماهير القروية وجهلهم و اميتهم الى جانب تشتتهم وعدم تنظمهم كان يعني انه لم يكن بمقدورهم ايجاد مخرج لوضعيتهم. فقط بوجود حليف ثوري في المدن يتسنى لاهل الريف الارتقاء الى مطلب التغيير الثوري للمجتمع.

كان هؤلاء الثوريون اناس يتحلون بالصدق والشجاعة و كرسوا حياتهم لقضية حرية الشعب. وكانوا يعتقدون انه عن طريق تلك الوسائل بامكانهم تحقيق تغيير في المجتمع و وضع نهاية للاضطهاد و الاستغلال. و لكن رغم جراتهم كانوا يفتقدون الى الفهم النظري الضروري لقيادة الثورة. فكانوا يمضون الوقت الطويل في مناقشة كيفية قتل الشاه والارستقراطيين و ملاك الارض. ففي احدى المرات ارسلوا بهدية الى حاكم مدينة ميراند باسم اصدقاء له يعيشون في الريف. وحين فتح الحاكم صندوق الهدية انفجرت قنبلة اودت بحياته. ولكن في غالب الاحيان كانت خططهم لا تنتهي بالنجاح.

كان  هؤلاء الشباب يستهدفون المسؤولين القساة و الحكام المتسلطين. فكانت اغلب عملياتهم تتمثل في اعمال ارهابية فردية ضد الاقطاعيين و افراد طبقة النبلاء. و لفترة كان مسؤولو الحكومة يعيشون حالة من الخوف المتواصل. كان حيدر خان اموغلي وجه بارز من بين الثوريين. وبتعليمات من المجلس الثوري المركزي حاول حيدر اغتيال الملك محمد علي شاه. و في 15 فيفيري 1908 و بعد فشل محاولته الاولى قام بمحاولة ثانية عندما وضع قنبلة  تحت المنصة التي كان من المفروض ان يقف عليها الملك و مسؤوليه. الا ان المحاولة الثانية فشلت هي اخرى.

وحتى ولو نجحوا ما كانت لتلك الاعمال فعالية في اضعاف النظام. ان خطا الارهابيين هو تصورهم ان الدولة تقوم على بضعة اشخاص. الا ان الامر ليس كذلك. اذ يقع استبدال حاكم رجعي باخر و يتم تقوية الدولة باجراءات وسلط قمعية جديدة. ان الاطاحة  بالملكية لم يكن ممكنا باستعمال التفجيرات الارهابية و انما فقط عن طريق الحركة الثورية للجماهير. وكما نلاحظ فان وسائل الارهاب البدائية الفردية  توافقت مع طبيعة العلاقات الطبقية الغير متطورة نسبيا في ذلك الوقت في ايران. فقد كانت البروليتاريا في مرحلة جنينية. ونجح الثوريون الى حد ما في ارساء قاعدة لهم بين الشباب و الفلاحين و بين القبائل الضعيفة و المضطهدة. و كانوا مخلصين لقضية الفقراء فذهبوا الى القرى و عملوا مع الفلاحين محاولين اقناعهم بضرورة الكفاح. ولكن مثلما حدث للنارودنيك الروس قبلهم لم يجدوا تجاوبا. وفي بعض الاحيان و بسبب الاحباط اساؤوا التصرف مع الفلاحين.

ان  حقيقة انهم حاولوا  ايجاد قاعدة في صفوف الجماهير  يدل على انهم لم يكونوا ارهابيين بالفعل. فقد كانوا يبحثون عن طريق لانهاء النظام القائم بواسطة الوسائل الثورية. ففي الظرف الذي تكون فيه قوة البروليتاريا واضحة للجميع و لا احد يجادل الدور القيادي للطبقة العاملة في الثورة فان هؤلاء يحاولون جر الحركة الى الوراء بانتهاجهم طريق الارهاب الفردي الذي ادانه لينين و جميع الماركسيين الروس. فهذه الوسائل لا تعمل الا على بث الفوضى و التشوش و تضعف الحركة الثورية و تدني وعي الطبقة العاملة في الوقت الذي تدعم الرجعية و جهاز الدولة الذي يدعون انهم  يحاربونه. ان مثل هذه الوسائل لا ترتقي بقضية الثورة الاشتراكية  و الطبقة العاملة و انما بالعكس تساعد اعوان و مرتزقة الامبرياليين  على اطالة حكمهم عن طريق تخريب الحركة و سلبها نهجها الثوري في النضال.

كانت هذه الوسائل القديمة و البدائية في الكفاح طورا انتقاليا تصبح بالية ما ان تدخل  الطبقة العاملة الصراع السياسي. و احد اول الامثلة على ذلك هي حركة عمال الطباعة و عمال مصنع الجلد في طهران الذين  وجهوا انذارا اخيرا الى المجالس بايقاف العمل اذا لم يتم تلبية مطالبهم. و كان رد فعل الحكومة على هذا التهديد بان شنت حملة من القمع ضد العمال الذين كان جوابهم على عنف الحكومة بالاضراب. و كان الاضراب هو الاول الذي يشنه العمال في تاريخ ايران. و كانت من مكاسب الاضراب التخفيض في عدد ساعات العمل  اليومية من 14 الى 10 ساعات. كانت تلك اولى تجاربهم عن كيفية بلوغ اهدافهم بواسطة العمل المشترك للطبقة العاملة. وكان اثر الاضراب قويا جعل النقاشات داخل الحلقات الثورية يتناول دور الطبقة العاملة و قوتها. بل و غير الاضراب موقف جميع الثوريين الجديين. وبتنامي قوة و لحمة الطبقة العاملة و توضح دورها الاجتماعي عدل الثوريون القدامى اساليب كفاحهم القديمة و اصبحوا ينظرون الى العمال بجدية.

وظهرت في هذه الفترة سلسلة من الصحف و تزايد نشر المقالات حول الماركسية.  وقد رفع  العالم السوفياتي افانوف النقاب عن عددا من  السجالات بين ثوريين ايرانيين و كاوتسكي و بليخانوف.8 وحسب ما جاء في تلك الوثائق التام اجتماع في 16 اوكتوبر 1908 عبرت فيه مجموعة من الاشتراكيين الديمقراطيين  بوجهة نظرها وهي ان ايران قد بلغت المرحلة الراسمالية. و حسب نظرهم على الثوريين ان لا يساندوا البرجوازية التي ستستغل الوضعية لصالحها كما فعلت خلال الثورة الفرنسية. فالبرجوازية لم تكن قادرة على لعب دورا تقدميا بل الحاق الضرر بحركة الطبقة العاملة و الثورة.

وفي الحقيقة كانت هناك اتجهات مختلفة داخل مجموعة "همات" (طموح)  التي تشكلت  من منفيين ايرانيين في باكو سنة 1904 بالتنسيق مع  حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي. وقد  شاركت مجموعة "همات"   في حركة  المشروطيات (الحركة الدستورية) في ايران. ومرت هذه المجموعة بعدد من الانشقاقات فكون احد الاطراف المنشقة مجموعة "مجاهدين". وتضمن المطلب الرئيسي لهذه المجموعة ارساء مجالس (برلمان), حق الانتخاب, حرية الصحافة و توزيع الارض. و في 1916 دخلوا في تعاون مع الحزب البلشفي. اما الثوريين المنفيين القدامى  الايرانيين فقد شكلوا مع المجاهدين (المجموعة المنشقة عن "همات") منظمة جديدة سميت "حزب العدالة" و التي اصبحت  العمود الفقري للحزب الشيوعي لايران القادم. وبعد ذلك بسنة وقع حدث غير المسار الكامل للتاريخ العالمي.

كانت ثورة اوكتوبر في روسيا مصدر الهام بالنسبة لايران. وقد ادى الثوريون الايرانيون واجبهم الاممي حينما حاربوا في صفوف الطبقة العاملة العالمية ضد قوات الثورة المضادة خلال الحرب الاهلية في الاتحاد السوفياتي. وبين 1907 و 1915  تم ابرام  معاهدتين سريتين بين القيصر و الامبريالية البريطانية ترمي الى تقسيم ايران الى مناطق نفوذ. وقامت ثورة اكتوبر بنشر الاتفاقات السرية و الغت جميع سياسات القيصر التوسعية. وكانت ايران مثالا جيدا للسياسة الاستعمارية  الوحشية التي اتبعتها روسيا القيصرية بالتعاون مع ما يسمى  بالديمقراطيات الغربية بحيث تم التعامل مع الحقوق القومية للشعوب المستعمرة  كامر ثانوي. واثبتت ثورة اوكتوبر على انها حصن فعلي ضد جميع انواع الاضطهاد القومي. و لاول مرة في التاريخ الحديث وجدت القوميات المضطهدة  نصير صلب في شكل دولة العمال بقيادة  لينين و تروتسكي.  ملهمين بثورة اوكتوبر كانت الجماهير الايرانية تردد اغنية ثورية نورد منها:

"فرح جديد تاتي به الينا ريح الشمال

فيصلنا في شكل  قلبي محبين متحدين"9

وجد الالهام و القوة التي اكتسبتها الجماهير الايرانية من ثورة اوكتوبر تعبير اكثر عمليا تمثل في سلسلة من الانتفاظات. كانت ايران اثر الحرب في  حالة عدم استقرار كبير. في 1920 اقام الثوريون في اذربيدجان  حكومة وطنية خاصة بهم. وانفجرت لاحقا سلسلة من التمردات ضد النظام الضعيف و الهش في طهران. وقد انشا المتمردون جمهوريات مستقلة. و في المدن كان السكان الذين تغيرت مواقفهم جذريا بسبب تجربة الاحتلال الاجنبي و انتصار ثورة اوكتوبر لسنة 1917 في  روسيا كانوا في حالة غليان ثوري. وقد قادت الطبقة العاملة الصناعية موجة جديدة من الكفاح في المدن الرئيسية. بحلول 1920 ضمت النقابات 20.000 عضوا في الصناعة البترولية وحدها. و في نوفمبر 1921 كانت الحركة العمالية قد اكتسبت من القوة ما  جعلها و بتاثير الحزب الشيوعي الايراني الناشئ حديثا تكون مجلس الاتحاد المركزي الذي  انضم الى  الاتحاد العالمي للنقابات الحمراء المؤسس من قبل الاممية الشيوعية.10 في نفس السنة اضرب عمال المطابع والبريد و المعلمين و عمال النفط و الرصيف. ورغم صغر حجم الطبقة العاملة كان مستوى النضال عال. وقد تم ارسال  تحية ثورية الى تروتسكي جاء فيها:

"يبعث مجلس الحرب الثوري للجيش الاحمر الفارسي المنظم بقرار من  قبل مجلس مفوضي شعوب فارس بتحياته الحمراء الى الجيش الاحمر و البحرية الحمراء.  وبعد المرور بمعاناة كبيرة و الخضوع لاشكال عديدة من الحرمان نجحنا  في سحق الثورة المضادة التي لم تكن الا عميلا الامبريالية.   فبفضل عزيمة الجماهير الكادحة تنظم الجيش الاحمر في فارس بغاية تحطيم استعباد شعب فارس.

ينتهي الخطاب بشعار: "يعيش الاتحاد الاخوي بين الجيش الاحمر الروسي و الجيش الاحمر الفتي لفارس!"  وقد كان الخطاب بامضاء رئيس مجلس الحرب الثوري ميرزا كشك خان و قائد القوات المسلحة احسان اولاه و عضو من مجلس الحرب الثوري مظفر زاده. وردا على الخطاب كتب تروتسكي قائلا بان خبر تشكيل الجيش الاحمر الفارسي "قد ملا قلوبنا فرحا".11

وتاسس حزب العدالة وانشا صحيفتين: حرمت ("احترام")  بالفارسية و يلداش ("رفيق") بالاذرية. مع نهاية 1919 انضم بعض القادة الثوريين لهذه المجموعة بمنظمة ثورية اخرى هي  قطار الشرق الاحمر الذي كان قريبا جدا من البلاشفة و حارب ضد الثورة المضادة في اسيا الوسطى. تكون الحزب الشيوعي لايران في جوان 1920 ولكن و منذ البداية ظهرت الاختلافات في صفوف اعضائه. فقد تمسك البعض  بخط البلاشفة في حين احتفظ اخرون  بالخط الذي يدافع عنه البلاشفة القدامى و الذي يسبق اطروحات افريل للينين. و ظل البعض الاخر على موقفهم المنشفي. وطفحت هذه الاختلافات على السطح خلال مؤتمر باكو لشعوب الشرق لسنة 1920 و الذي استغرق 7 ايام بحضور 204 ممثلا. وقد عقد الوفد الايراني سلسلة من الاجتماعات لمناقشة مشاكل الثورة الا انه لم يتوصل الى  نتيجة واضحة.

نجم عن هزيمة جمهورية غيلان السوفياتية احباط و اضطراب مما جعل الناس يلوم احدهم الاخر على ما حدث. ونظرا لحدة الاختلافات الداخلية انشا الحزب لجنتين مركزيتين منفصلتين. في 25 جانفي 1922 عقد الحزب الشيوعي لايران اجتماعا شارك فيه ايضا ممثلين عن الكومنترن و من المرجح ان كان ذلك بدفع من لينين.  قبل ذلك كانت اللجنة المركزية للحزب قد كتبت عدة رسائل الى لينين فيما يتعلق بالوضع في ايران و موقف الحزب. و في اخر الاجتماع تم رفض تواجد لجنتين مركزيتين في الحزب. و من اجل الحفاظ على الوحدة تم تشكيل لجنة مركزية موحدة ضمت 20 عضوا. وتم حل اللجان المحلية و اللجنة المركزية السابقة.  واخيرا تقرر انعقاد الاجتماع المكتمل (بلينوم) القادم للجنة المركزية في 1 ماي 1922.

الا انه خلال هذا الاجتماع لم يقع حل الاختلافات حول الافاق الايرانية و طرق العمل  بشكل تام. وظهرت في تلك الفترة عديد الصحف و عبرت مختلف الافكار السياسية عن نفسها على صفحات هذه الصحف و المجلات. و من بينها نذكر: الكومينيست ("الشيوعي"), انقلاب سرخ ("الثورة الحمراء"),  حقيقت ("الحقيقة"), كار ("العمل"), بيكان("السهم"),  خلق ("الشعب"), بارقه ("الشعلة"), بيك ("السفير"), نصيحت ("النصيحة"), عدالت ("العدالة"), ايران سرخ ("ايران الحمراء"), اقتصاد ايران,  بيكار ("كفاح"), نهضت ("الحركة"), ستاره سرخ ("النجمة الحمراء"), الخ...

شهد الحزب الشيوعي لايران  طوال العقود التي تلت تشكله في جوان 1920 عدة انحرافات و تحولات. و تميزت تلك العقود باحداث كبيرة في ايران: صعود و سقوط جمهورية غيلان السوفياتية, انهيار مملكة القجر و تكون مملكة بهلوي المستبدة الجديدة, كفاحية الجماهير الحضرية و خاصة الطبقة العاملة منها, موجات من الاضرابات الخ ...  وكان الحزب الشيوعي لايران نشطا جدا فقد بدا العمل بين النساء و شكل منظمات مختلفة مثل  جمعية التطور و استيقاظ النساء و النساء الوطنيات. و لم تقم هذه الجمعيات بتثقيف النساء فحسب و انما وفرت ايضا المعرفة التقنية للصناعات الحرفية. كما نظم الحزب  جناحا ثقافيا لعب دورا هاما في نشر الافكار بين الجماهير بطريقة بسيطة. ولعبت المسرحيات و الدراما دورا مميزا  في تطور المنظمة في صفوف شرائح اوسع من الجماهير. كانت اشهرها  واكثرها شعبية: شاه عباس دربراي مبارزة و انقلاب موردم تبريز و نظير شاه افشار.

في اجتماعات الكونمترن السادسة و السابعة (فيفري 1926 و نوفمبر- ديسمبر 1926) توجه السيكريتير العام للحزب الشيوعي الايراني بالنداء طالبا المساعدة لحل ازمة الحزب الداخلية. و تقرر خلال اجتماع خاص خلال اجتماع اللجنة التنفيذية للكومنترن, انعقد لمناقشة مشاكل الحزب  و افاقه, تقرر انعقاد المؤتمر الثاني في سبتمبر 1927 لمواصلة مناقشة الامر. وانعقد المؤتمر الثاني للحزب الشيوعي الايراني في ظروف سرية للغاية في سبتمبر 1927. شارك في المؤتمر 20  مندوبا وكان في برنامج العمل الوضع العالمي, خاصيات نظام رضا خان, المسالة القومية, المشاكل التنظيمية, القانون الاساسي للحزب الشيوعي لايران, نشاطات الكومسومول (الشباب), و العمل على الجبهة النسائية.

كانت اهم نقطة في جدول الاعمال هي  خاصية نظام رضا خان الذي كان قد اعلن نفسه ملكا في ظل مملكة رضا بهلوي الحديثة  في 12 ديسمبر 1925. والى جانب المسائل الاخرى كانت هذه النقطة مركز نزاع في الحزب. فقد طرحت اراء مختلفة ودافع البعض عن راي يقول بان انقلاب رضا خان يعني الغاء الاقطاعية و هيمنة البرجوازية  في حين تمسك الاخر براي ان الانقلاب ما هو ثورة في القصر و ليست لها اي تاثير على علاقات الملكية. وذهب البعض الاخر الى القول ان على الحزب ان يتحالف مع رضا خان لمحاربة الامبريالية  و وصفته بعض المجموعات الاخرى بانه عميل للامبريالية.

ومرة اخرى لم يصل الحزب الى حل و بقيت الخلافات عالقة داخل الحزب. و ما حدث في الواقع هو انه بعد ثورة اوكتوبر في روسيا بلغت ازمة مملكة القجر مرحلة  خطيرة. فقد كان هناك انشقاق بين  الملكية و النبلاء و الشريحة  الارستقراطية من البيروقراطية و التي كانت العمود الفقري للحكومة المركزية. وكانوا خبراء في فن المؤامرات و الدسائس. و من جهة اخرى كان الجيش منقسما على نفسه و كانت هناك انتفاضات من شعوب القوميات المضطهدة. اما العمال فقد كانوا في  وضع نضالي و حانقين على تواجد الجيوش الاجنبية و متاثرين  بوقع ثورة اوكتوبر.

وخيمت على البلاد حالة تشبه الحرب الاهلية. و قد كشف محد رضا شاه بهلوي في سيرته الذاتية عن جزئيات هامة حول الوضع في ذلك الوقت. فكتب عن كيف ان الجنود لم يتسلموا رواتبهم بانتظام بسبب عجز الحكومة عن جمع الضرائب. وفي يوم ما عندما كان كاتب الشؤون الخارجية  في عشاء مع ضيوف اجانب اتضح عدم وجود اموال في الخزينة فكان عليهم ان  ينزلوا الى البازار و يستعيروا المال لدفع  مصاريف المادبة. لقد كان التفكك الاجتماعي و الاقتصادي ينخر بناء المجتمع. ففي طهران اصبح الناس لا يغادرون ديارهم ليلا خشية ان تقطع رقابهم. وتدهورت حال الطرقات (التي كان يضرب بها المثل) في ايران  الى حد ان السفر من طهران الى مشهد كان يتم عن طريق روسيا و للسفر من طهران الى خوزستان في الشمال الغربي يجب عبور تركيا و العراق.12

ناور رضا شاه الذي كان ضابطا عسكريا في مختلف و