الفصل الثالث

الحزب الشيوعي لايران

 

ان بروز الافكار و الحركة الشيوعية في ايران بمعناها الحقيقي بدا في حقول النفط بباكو في روسيا قبل ثورة 1917. فقد كان هناك الاف من العمال المهاجرين الايرانيين المستخدمين من قبل النظام القيصري في حقول النفط يعملون جنبا لجنب مع العمال الروس و الاذاريين و الارمن و كانوا على اتصال بالدعاية و التحريض البلشفي. ولعب هؤلاء العمال دورا بارزا في نشوء الحزب الشيوعي لايران. كان ما يقارب 50 في المائة  من العمال في حقول نفط باكو من الايرانيين و كان العديد منهم على اتصال بالبلاشفة  الذين كانوا يعملون في الاتحادات العمالية لحقول النفط.1 وتبين الارقام الرسمية ان 190.000 من الايرانيين ذهبوا الى روسيا في 1911 و ان 16.000  عادوا الى ايران في نفس السنة.2 الا ان تقديرات غير رسمية تبين ان  ما لا يقل عن 300.000 عاملا ايرانيا هاجر الى روسيا سنويا. وكان هؤلاء العمال بالاساس من اذربيجان و جيلان (القسم الشمالي من ايران جنوبي بحر قزوين) ومن بعض المناطق الاخرى لايران. لقد تاثر العمال الايرانيين كثيرا بالبلاشفة وكلما عادوا الى ايران كانوا يجلبون معهم تقاليد و افكار الماركسيين الروس. ولاول مرة في تاريخ ايران تردد الشعار المشهور للبيان الشيوعي:"يا عمال العالم اتحدوا!"

كان الثوريون الايرانيون مرتبطين بنشاطات الحزب الاشتراكي الديمقراطي منذ البداية. وعندما بدا نشر "الاسكرا" (الشرارة) في ديسمبر 1900 اخذ الثوريون الايرانيون في جلب نسخ منها الى فارس عبر باكو. واصبح هؤلاء الثوريون يعرفون بالاشتراكيين الديمقراطيين.3 اما في ما يتعلق بشؤون الاسكرا كتبت كروبسكايا مرة الى طرخان طالبة معرفة ما اذا كان ممكنا ارسال النشرية عبر تبريز. و في رسالة الى  ل. غلبرين كتب لينين حاثا على عملية شحنها الى فارس عبر فيانا. و قال انها كانت تجربة حديثة, و من "السابق لاوانه الحديث عن الفشل, و قد يمكن ان تنجح".4  كان غلبرين مكلفا بارسال الاسكرا الى باكو (عن طريق الاشتراكيين الديمقراطيين الروس) في ربيع 1901. وهو الذي نظم لجنة باكو لحزب العمال الاشتراكيين الديمقراطيين الروس. وكان عمل اللجنة ادارة الطبع السري و نقل الادب الممنوع من الخارج وتوزيعه داخل روسيا.

وقد ساهم عديد البلاشفة في حركة المشروطيات (الحركة الدستورية) بين 1905 و 1911 وضحوا بحياتهم الى جانب الثوريين الايرانيين. كتب غارتوفك, سفير القيصر في ايران, في 2 اوكتوبر 1908 الى الحكومة الروسية مشيرا الى ان قائد المدفعية ستار خان (زعيم تمرد تبريز) كان بحارا على المدرعة المشهورة بوتمكين. وكان قد فر الى رومانيا  ثم عاد الى ايران وانضم الى الثوريين. واشارالسفير ايضا  الى انه  كان يتم نقل الادب الثوري  من تبريز عن طريق الثوريين الروس.5

وتم في تلك الفترة ترجمة اجزاء من البيان الشيوعي الى الفارسية وحدث ذلك عندما قدمت مجموعة من الثوريين الروس يتزعمها سيرغو اوريونيكيدشه الى ايران في 1909 للقيام بنشاطات ثورية. وقد ذكرت هذا زوجة سيرغو في كتابها "درب البلاشفة". وكان لينين نفسه على اتصال ببعض البلاشفة عبر القوقاز. و الذين كانوا في ايران خلال فترة الارتكاس بعد انهزام ثورة 1905. ولعب بلاشفة القوقاز دورا هاما في نشر الافكار الماركسية في ايران خلال الحركة الدستورية ضد مملكة القجر. 6

بيد ان  في البداية لم تكن الماركسية مهيمنة في الحركة الاشتراكية الديمقراطية الايرانية وانما كان هناك اتجاه قريب من النارودنيك. يصفهم الن وودز في كتابه "البلشفية, الطريق الى الثورة":" كان الناروديك مدفوعين بالطوعية الثورية وهي فكرة ان نجاح الثورة يمكن ضمانه بالارادة الحديدية و التصميم الذي تتحلى به مجموعة صغيرة تكرس نفسها للثورة. اكيد ان العامل الذاتي حاسم في التاريخ الانساني. وقد بين كارل ماركس ان الناس يصنعون تاريخهم لكنه اضاف انهم لا  يفعلون  ذلك خارج اطار من العلاقات الاجتماعية و الاقتصادية اقيمت بدون ارادتهم".7

ان الارهاب بالاساس اتجاه برجوازي صغير وغريب تماما عن الطبقة العاملة. وان تلجا الحركة في بداياتها الى مثل هذه الاساليب  هو انعكاس واضح لمرحلة غير متطورة من النضال. انها نتيجة مباشرة للمستوى المتدني للتطور الاقتصادي الاجتماعي في ايران. فالنمو البطيء لقوى الانتاج وجد انعكاسا له في البنية الطبقية اللامتطورة للمجتمع الايراني في مرحلة لا تزال فيها الطبقة العاملة في طفولتها. و بالنسبة الى الطلبة التقدميون الشباب و المفكرون يبدو المجتمع في حالة ركود. ونظرا لنفاذ صبرهم يستنتجون ان ليس هناك مخرج من ازمة المجتمع غير البندقية و القنبلة. و مع ان ذلك لم يكن من الصواب في ذلك الوقت كان ممكن فهمه لان  نمط الانتاج الراسمالي كان في مرحلة بدائية  من التطور. و كانت الطبقة العاملة في مرحلة جنينية. لهذا وجد الطلبة قاعدة لهم بين الفلاحين المستائين. فقد كان هؤلاء يعانون اضطهاد سيطرة ملاك الارض و النبلاء الاقطاعيين. الا ان تخلف الجماهير القروية وجهلهم و اميتهم الى جانب تشتتهم وعدم تنظمهم كان يعني انه لم يكن بمقدورهم ايجاد مخرج لوضعيتهم. فقط بوجود حليف ثوري في المدن يتسنى لاهل الريف الارتقاء الى مطلب التغيير الثوري للمجتمع.

كان هؤلاء الثوريون اناس يتحلون بالصدق والشجاعة و كرسوا حياتهم لقضية حرية الشعب. وكانوا يعتقدون انه عن طريق تلك الوسائل بامكانهم تحقيق تغيير في المجتمع و وضع نهاية للاضطهاد و الاستغلال. و لكن رغم جراتهم كانوا يفتقدون الى الفهم النظري الضروري لقيادة الثورة. فكانوا يمضون الوقت الطويل في مناقشة كيفية قتل الشاه والارستقراطيين و ملاك الارض. ففي احدى المرات ارسلوا بهدية الى حاكم مدينة ميراند باسم اصدقاء له يعيشون في الريف. وحين فتح الحاكم صندوق الهدية انفجرت قنبلة اودت بحياته. ولكن في غالب الاحيان كانت خططهم لا تنتهي بالنجاح.

كان  هؤلاء الشباب يستهدفون المسؤولين القساة و الحكام المتسلطين. فكانت اغلب عملياتهم تتمثل في اعمال ارهابية فردية ضد الاقطاعيين و افراد طبقة النبلاء. و لفترة كان مسؤولو الحكومة يعيشون حالة من الخوف المتواصل. كان حيدر خان اموغلي وجه بارز من بين الثوريين. وبتعليمات من المجلس الثوري المركزي حاول حيدر اغتيال الملك محمد علي شاه. و في 15 فيفيري 1908 و بعد فشل محاولته الاولى قام بمحاولة ثانية عندما وضع قنبلة  تحت المنصة التي كان من المفروض ان يقف عليها الملك و مسؤوليه. الا ان المحاولة الثانية فشلت هي اخرى.

وحتى ولو نجحوا ما كانت لتلك الاعمال فعالية في اضعاف النظام. ان خطا الارهابيين هو تصورهم ان الدولة تقوم على بضعة اشخاص. الا ان الامر ليس كذلك. اذ يقع استبدال حاكم رجعي باخر و يتم تقوية الدولة باجراءات وسلط قمعية جديدة. ان الاطاحة  بالملكية لم يكن ممكنا باستعمال التفجيرات الارهابية و انما فقط عن طريق الحركة الثورية للجماهير. وكما نلاحظ فان وسائل الارهاب البدائية الفردية  توافقت مع طبيعة العلاقات الطبقية الغير متطورة نسبيا في ذلك الوقت في ايران. فقد كانت البروليتاريا في مرحلة جنينية. ونجح الثوريون الى حد ما في ارساء قاعدة لهم بين الشباب و الفلاحين و بين القبائل الضعيفة و المضطهدة. و كانوا مخلصين لقضية الفقراء فذهبوا الى القرى و عملوا مع الفلاحين محاولين اقناعهم بضرورة الكفاح. ولكن مثلما حدث للنارودنيك الروس قبلهم لم يجدوا تجاوبا. وفي بعض الاحيان و بسبب الاحباط اساؤوا التصرف مع الفلاحين.

ان  حقيقة انهم حاولوا  ايجاد قاعدة في صفوف الجماهير  يدل على انهم لم يكونوا ارهابيين بالفعل. فقد كانوا يبحثون عن طريق لانهاء النظام القائم بواسطة الوسائل الثورية. ففي الظرف الذي تكون فيه قوة البروليتاريا واضحة للجميع و لا احد يجادل الدور القيادي للطبقة العاملة في الثورة فان هؤلاء يحاولون جر الحركة الى الوراء بانتهاجهم طريق الارهاب الفردي الذي ادانه لينين و جميع الماركسيين الروس. فهذه الوسائل لا تعمل الا على بث الفوضى و التشوش و تضعف الحركة الثورية و تدني وعي الطبقة العاملة في الوقت الذي تدعم الرجعية و جهاز الدولة الذي يدعون انهم  يحاربونه. ان مثل هذه الوسائل لا ترتقي بقضية الثورة الاشتراكية  و الطبقة العاملة و انما بالعكس تساعد اعوان و مرتزقة الامبرياليين  على اطالة حكمهم عن طريق تخريب الحركة و سلبها نهجها الثوري في النضال.

كانت هذه الوسائل القديمة و البدائية في الكفاح طورا انتقاليا تصبح بالية ما ان تدخل  الطبقة العاملة الصراع السياسي. و احد اول الامثلة على ذلك هي حركة عمال الطباعة و عمال مصنع الجلد في طهران الذين  وجهوا انذارا اخيرا الى المجالس بايقاف العمل اذا لم يتم تلبية مطالبهم. و كان رد فعل الحكومة على هذا التهديد بان شنت حملة من القمع ضد العمال الذين كان جوابهم على عنف الحكومة بالاضراب. و كان الاضراب هو الاول الذي يشنه العمال في تاريخ ايران. و كانت من مكاسب الاضراب التخفيض في عدد ساعات العمل  اليومية من 14 الى 10 ساعات. كانت تلك اولى تجاربهم عن كيفية بلوغ اهدافهم بواسطة العمل المشترك للطبقة العاملة. وكان اثر الاضراب قويا جعل النقاشات داخل الحلقات الثورية يتناول دور الطبقة العاملة و قوتها. بل و غير الاضراب موقف جميع الثوريين الجديين. وبتنامي قوة و لحمة الطبقة العاملة و توضح دورها الاجتماعي عدل الثوريون القدامى اساليب كفاحهم القديمة و اصبحوا ينظرون الى العمال بجدية.

وظهرت في هذه الفترة سلسلة من الصحف و تزايد نشر المقالات حول الماركسية.  وقد رفع  العالم السوفياتي افانوف النقاب عن عددا من  السجالات بين ثوريين ايرانيين و كاوتسكي و بليخانوف.8 وحسب ما جاء في تلك الوثائق التام اجتماع في 16 اوكتوبر 1908 عبرت فيه مجموعة من الاشتراكيين الديمقراطيين  بوجهة نظرها وهي ان ايران قد بلغت المرحلة الراسمالية. و حسب نظرهم على الثوريين ان لا يساندوا البرجوازية التي ستستغل الوضعية لصالحها كما فعلت خلال الثورة الفرنسية. فالبرجوازية لم تكن قادرة على لعب دورا تقدميا بل الحاق الضرر بحركة الطبقة العاملة و الثورة.

وفي الحقيقة كانت هناك اتجهات مختلفة داخل مجموعة "همات" (طموح)  التي تشكلت  من منفيين ايرانيين في باكو سنة 1904 بالتنسيق مع  حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي. وقد  شاركت مجموعة "همات"   في حركة  المشروطيات (الحركة الدستورية) في ايران. ومرت هذه المجموعة بعدد من الانشقاقات فكون احد الاطراف المنشقة مجموعة "مجاهدين". وتضمن المطلب الرئيسي لهذه المجموعة ارساء مجالس (برلمان), حق الانتخاب, حرية الصحافة و توزيع الارض. و في 1916 دخلوا في تعاون مع الحزب البلشفي. اما الثوريين المنفيين القدامى  الايرانيين فقد شكلوا مع المجاهدين (المجموعة المنشقة عن "همات") منظمة جديدة سميت "حزب العدالة" و التي اصبحت  العمود الفقري للحزب الشيوعي لايران القادم. وبعد ذلك بسنة وقع حدث غير المسار الكامل للتاريخ العالمي.

كانت ثورة اوكتوبر في روسيا مصدر الهام بالنسبة لايران. وقد ادى الثوريون الايرانيون واجبهم الاممي حينما حاربوا في صفوف الطبقة العاملة العالمية ضد قوات الثورة المضادة خلال الحرب الاهلية في الاتحاد السوفياتي. وبين 1907 و 1915  تم ابرام  معاهدتين سريتين بين القيصر و الامبريالية البريطانية ترمي الى تقسيم ايران الى مناطق نفوذ. وقامت ثورة اكتوبر بنشر الاتفاقات السرية و الغت جميع سياسات القيصر التوسعية. وكانت ايران مثالا جيدا للسياسة الاستعمارية  الوحشية التي اتبعتها روسيا القيصرية بالتعاون مع ما يسمى  بالديمقراطيات الغربية بحيث تم التعامل مع الحقوق القومية للشعوب المستعمرة  كامر ثانوي. واثبتت ثورة اوكتوبر على انها حصن فعلي ضد جميع انواع الاضطهاد القومي. و لاول مرة في التاريخ الحديث وجدت القوميات المضطهدة  نصير صلب في شكل دولة العمال بقيادة  لينين و تروتسكي.  ملهمين بثورة اوكتوبر كانت الجماهير الايرانية تردد اغنية ثورية نورد منها:

"فرح جديد تاتي به الينا ريح الشمال

فيصلنا في شكل  قلبي محبين متحدين"9

وجد الالهام و القوة التي اكتسبتها الجماهير الايرانية من ثورة اوكتوبر تعبير اكثر عمليا تمثل في سلسلة من الانتفاظات. كانت ايران اثر الحرب في  حالة عدم استقرار كبير. في 1920 اقام الثوريون في اذربيدجان  حكومة وطنية خاصة بهم. وانفجرت لاحقا سلسلة من التمردات ضد النظام الضعيف و الهش في طهران. وقد انشا المتمردون جمهوريات مستقلة. و في المدن كان السكان الذين تغيرت مواقفهم جذريا بسبب تجربة الاحتلال الاجنبي و انتصار ثورة اوكتوبر لسنة 1917 في  روسيا كانوا في حالة غليان ثوري. وقد قادت الطبقة العاملة الصناعية موجة جديدة من الكفاح في المدن الرئيسية. بحلول 1920 ضمت النقابات 20.000 عضوا في الصناعة البترولية وحدها. و في نوفمبر 1921 كانت الحركة العمالية قد اكتسبت من القوة ما  جعلها و بتاثير الحزب الشيوعي الايراني الناشئ حديثا تكون مجلس الاتحاد المركزي الذي  انضم الى  الاتحاد العالمي للنقابات الحمراء المؤسس من قبل الاممية الشيوعية.10 في نفس السنة اضرب عمال المطابع والبريد و المعلمين و عمال النفط و الرصيف. ورغم صغر حجم الطبقة العاملة كان مستوى النضال عال. وقد تم ارسال  تحية ثورية الى تروتسكي جاء فيها:

"يبعث مجلس الحرب الثوري للجيش الاحمر الفارسي المنظم بقرار من  قبل مجلس مفوضي شعوب فارس بتحياته الحمراء الى الجيش الاحمر و البحرية الحمراء.  وبعد المرور بمعاناة كبيرة و الخضوع لاشكال عديدة من الحرمان نجحنا  في سحق الثورة المضادة التي لم تكن الا عميلا الامبريالية.   فبفضل عزيمة الجماهير الكادحة تنظم الجيش الاحمر في فارس بغاية تحطيم استعباد شعب فارس.

ينتهي الخطاب بشعار: "يعيش الاتحاد الاخوي بين الجيش الاحمر الروسي و الجيش الاحمر الفتي لفارس!"  وقد كان الخطاب بامضاء رئيس مجلس الحرب الثوري ميرزا كشك خان و قائد القوات المسلحة احسان اولاه و عضو من مجلس الحرب الثوري مظفر زاده. وردا على الخطاب كتب تروتسكي قائلا بان خبر تشكيل الجيش الاحمر الفارسي "قد ملا قلوبنا فرحا".11

وتاسس حزب العدالة وانشا صحيفتين: حرمت ("احترام")  بالفارسية و يلداش ("رفيق") بالاذرية. مع نهاية 1919 انضم بعض القادة الثوريين لهذه المجموعة بمنظمة ثورية اخرى هي  قطار الشرق الاحمر الذي كان قريبا جدا من البلاشفة و حارب ضد الثورة المضادة في اسيا الوسطى. تكون الحزب الشيوعي لايران في جوان 1920 ولكن و منذ البداية ظهرت الاختلافات في صفوف اعضائه. فقد تمسك البعض  بخط البلاشفة في حين احتفظ اخرون  بالخط الذي يدافع عنه البلاشفة القدامى و الذي يسبق اطروحات افريل للينين. و ظل البعض الاخر على موقفهم المنشفي. وطفحت هذه الاختلافات على السطح خلال مؤتمر باكو لشعوب الشرق لسنة 1920 و الذي استغرق 7 ايام بحضور 204 ممثلا. وقد عقد الوفد الايراني سلسلة من الاجتماعات لمناقشة مشاكل الثورة الا انه لم يتوصل الى  نتيجة واضحة.

نجم عن هزيمة جمهورية غيلان السوفياتية احباط و اضطراب مما جعل الناس يلوم احدهم الاخر على ما حدث. ونظرا لحدة الاختلافات الداخلية انشا الحزب لجنتين مركزيتين منفصلتين. في 25 جانفي 1922 عقد الحزب الشيوعي لايران اجتماعا شارك فيه ايضا ممثلين عن الكومنترن و من المرجح ان كان ذلك بدفع من لينين.  قبل ذلك كانت اللجنة المركزية للحزب قد كتبت عدة رسائل الى لينين فيما يتعلق بالوضع في ايران و موقف الحزب. و في اخر الاجتماع تم رفض تواجد لجنتين مركزيتين في الحزب. و من اجل الحفاظ على الوحدة تم تشكيل لجنة مركزية موحدة ضمت 20 عضوا. وتم حل اللجان المحلية و اللجنة المركزية السابقة.  واخيرا تقرر انعقاد الاجتماع المكتمل (بلينوم) القادم للجنة المركزية في 1 ماي 1922.

الا انه خلال هذا الاجتماع لم يقع حل الاختلافات حول الافاق الايرانية و طرق العمل  بشكل تام. وظهرت في تلك الفترة عديد الصحف و عبرت مختلف الافكار السياسية عن نفسها على صفحات هذه الصحف و المجلات. و من بينها نذكر: الكومينيست ("الشيوعي"), انقلاب سرخ ("الثورة الحمراء"),  حقيقت ("الحقيقة"), كار ("العمل"), بيكان("السهم"),  خلق ("الشعب"), بارقه ("الشعلة"), بيك ("السفير"), نصيحت ("النصيحة"), عدالت ("العدالة"), ايران سرخ ("ايران الحمراء"), اقتصاد ايران,  بيكار ("كفاح"), نهضت ("الحركة"), ستاره سرخ ("النجمة الحمراء"), الخ...

شهد الحزب الشيوعي لايران  طوال العقود التي تلت تشكله في جوان 1920 عدة انحرافات و تحولات. و تميزت تلك العقود باحداث كبيرة في ايران: صعود و سقوط جمهورية غيلان السوفياتية, انهيار مملكة القجر و تكون مملكة بهلوي المستبدة الجديدة, كفاحية الجماهير الحضرية و خاصة الطبقة العاملة منها, موجات من الاضرابات الخ ...  وكان الحزب الشيوعي لايران نشطا جدا فقد بدا العمل بين النساء و شكل منظمات مختلفة مثل  جمعية التطور و استيقاظ النساء و النساء الوطنيات. و لم تقم هذه الجمعيات بتثقيف النساء فحسب و انما وفرت ايضا المعرفة التقنية للصناعات الحرفية. كما نظم الحزب  جناحا ثقافيا لعب دورا هاما في نشر الافكار بين الجماهير بطريقة بسيطة. ولعبت المسرحيات و الدراما دورا مميزا  في تطور المنظمة في صفوف شرائح اوسع من الجماهير. كانت اشهرها  واكثرها شعبية: شاه عباس دربراي مبارزة و انقلاب موردم تبريز و نظير شاه افشار.

في اجتماعات الكونمترن السادسة و السابعة (فيفري 1926 و نوفمبر- ديسمبر 1926) توجه السيكريتير العام للحزب الشيوعي الايراني بالنداء طالبا المساعدة لحل ازمة الحزب الداخلية. و تقرر خلال اجتماع خاص خلال اجتماع اللجنة التنفيذية للكومنترن, انعقد لمناقشة مشاكل الحزب  و افاقه, تقرر انعقاد المؤتمر الثاني في سبتمبر 1927 لمواصلة مناقشة الامر. وانعقد المؤتمر الثاني للحزب الشيوعي الايراني في ظروف سرية للغاية في سبتمبر 1927. شارك في المؤتمر 20  مندوبا وكان في برنامج العمل الوضع العالمي, خاصيات نظام رضا خان, المسالة القومية, المشاكل التنظيمية, القانون الاساسي للحزب الشيوعي لايران, نشاطات الكومسومول (الشباب), و العمل على الجبهة النسائية.

كانت اهم نقطة في جدول الاعمال هي  خاصية نظام رضا خان الذي كان قد اعلن نفسه ملكا في ظل مملكة رضا بهلوي الحديثة  في 12 ديسمبر 1925. والى جانب المسائل الاخرى كانت هذه النقطة مركز نزاع في الحزب. فقد طرحت اراء مختلفة ودافع البعض عن راي يقول بان انقلاب رضا خان يعني الغاء الاقطاعية و هيمنة البرجوازية  في حين تمسك الاخر براي ان الانقلاب ما هو ثورة في القصر و ليست لها اي تاثير على علاقات الملكية. وذهب البعض الاخر الى القول ان على الحزب ان يتحالف مع رضا خان لمحاربة الامبريالية  و وصفته بعض المجموعات الاخرى بانه عميل للامبريالية.

ومرة اخرى لم يصل الحزب الى حل و بقيت الخلافات عالقة داخل الحزب. و ما حدث في الواقع هو انه بعد ثورة اوكتوبر في روسيا بلغت ازمة مملكة القجر مرحلة  خطيرة. فقد كان هناك انشقاق بين  الملكية و النبلاء و الشريحة  الارستقراطية من البيروقراطية و التي كانت العمود الفقري للحكومة المركزية. وكانوا خبراء في فن المؤامرات و الدسائس. و من جهة اخرى كان الجيش منقسما على نفسه و كانت هناك انتفاضات من شعوب القوميات المضطهدة. اما العمال فقد كانوا في  وضع نضالي و حانقين على تواجد الجيوش الاجنبية و متاثرين  بوقع ثورة اوكتوبر.

وخيمت على البلاد حالة تشبه الحرب الاهلية. و قد كشف محد رضا شاه بهلوي في سيرته الذاتية عن جزئيات هامة حول الوضع في ذلك الوقت. فكتب عن كيف ان الجنود لم يتسلموا رواتبهم بانتظام بسبب عجز الحكومة عن جمع الضرائب. وفي يوم ما عندما كان كاتب الشؤون الخارجية  في عشاء مع ضيوف اجانب اتضح عدم وجود اموال في الخزينة فكان عليهم ان  ينزلوا الى البازار و يستعيروا المال لدفع  مصاريف المادبة. لقد كان التفكك الاجتماعي و الاقتصادي ينخر بناء المجتمع. ففي طهران اصبح الناس لا يغادرون ديارهم ليلا خشية ان تقطع رقابهم. وتدهورت حال الطرقات (التي كان يضرب بها المثل) في ايران  الى حد ان السفر من طهران الى مشهد كان يتم عن طريق روسيا و للسفر من طهران الى خوزستان في الشمال الغربي يجب عبور تركيا و العراق.12

ناور رضا شاه الذي كان ضابطا عسكريا في مختلف وحدات الجيش  لكسب الدعم و قاد في الاخير انقلابا عسكريا في 21 فيفري 1921. فاستولى على السلطة  موازنا باسلوب بونابرتي بين مختلف الطبقات و الاطراف المتنازعة في القمة. وقام في البداية  بالاستناد الى البازاريين مدافعا عنهم ضد البضائع الاجنبية. كما كسب  دعم القوميين و العمال. و ما ان  دعم سلطته حتى قام بهجوم على العمال و الحزب الشيوعي.

بعد 1928 كان لدى العمال مزاج كفاحي قوي فشاركوا في موجات من النضال. ففي الرابع من ماي 1929 تجمع عمال تكرير النفط لتقديم مطالبهم الاقتصادية. ورفعوا شعارات معادية للنظام مطالبين باستقالة الحكومة.  وانضم عمال اخرين من المصانع الى المظاهرة بحماس ثوري. اثرها قامت القوات المسلحة بالهجوم على العمال بعنف مستعملة السيوف ورد العمال بالعصي و الطوب. تم ايقاف عديد العمال و انتشرت الحركة الى مدن اخرى. ففي عبدان خرجت مظاهرة  قوية ضمت عشرون الفا احتجاجا على  الهجوم الوحشي للقوات المسلحة على العمال. و مرة اخرى حدثت مناوشات بين الجيش و العمال. و تواصلت الحالة لمدة ثلاثة اشهر. و تم ايقاف اكثر من ثلاث مائة عامل, لكن في الاخير وجدت الحكومة نفسها مجبرة على مساندة الحركة. و نظم العمال في 1931 اضرابا كبيرا  في مصنع فاطان للنسيج باصفهان اين اجبر العمال الادارة على الترفيع في  في اجورهم بنسبة 40%. كما اضرب في الشمال اتحاد عمال الانفاق.

في  تلك الفترة حقق الحزب الشيوعي تقدما معتبرا. اما فيما يتعلق  بالخلافات السياسية و الايديولوجية فقد ظلت بدون حل.  في نفس الوقت اتخذت الاحداث في روسيا منعطفا حادا  كانت له انعاكاسات كبيرة على الاحزاب الشيوعية في العالم. فمن اجل  التغلب على  تروتسكي و المعارضة اليسارية استند ستالين الى الشق اليميني في الحزب الشيوعي الروسي. و نجم عن ذلك صعود "الكولاك" (فلاحين اغنياء) الذين هددوا في سنة 1928 وجود الاتحاد السوفياتي ذاته. ويبين تاد غرانت في كتابه "روسيا من الثورة الى الثورة المضادة" (كتاب بالانجليزية) كيف  لعب ستالين  بالنار من خلال محاولاته الاستناد الى العناصر الراسمالية في روسيا (الكولاك و المستفيدين من السياسة الاقتصادية الجديدة). وخلفا ذلك انعكاسا  في مجال السياسة الخارجية و في عمل الاممية الشيوعية.  ففي الصين ادت محاولة  استمالة البرجوازية الوطنية الى اخضاع الحزب الشيوعي الى تشينغ كاي شاك و الكومينتنغ و ما تبعه ذلك من نتائج وخيمة. اما في بريطانيا ادت محاولة استرضاء البيروقراطية النقابية الى هزيمة الاضراب العام و ضعضعة الحزب الشيوعي البريطاني. عندئذ قام ستالين بتغيير حاد في مسار الكومنترن بانعطافه الى "اليسار". سياسة سرعان ما وقع تبنيها من طرف جميع فروع الكومنترن. يذكر تاد غرانت انه:

" خارقة لقانونها الاساسي لم تعقد  الاممية مؤتمرا لها لمدة اربع سنوات. ودعي لمؤتمر جديد في 1928 و الذي ادرج لاول مرة و بصفة رسمية في برنامج الاممية نظرية 'الاشتراكية في بلد واحد' المنافية للينينية. و اعلن كذلك عن نهاية استقرار الراسمالية و بداية ما اصطلح عليه ب "المرحلة الثالثة". فبخلاف  مرحلة المد الثوري التي تلت 1917('الفترة الاولى') و مرحلة الاستقرار النسبي للراسمالية بعد 1923 ('الفترة الثانية')  افترض ان ما تسمى ب "الفترة الثالثة" هي اعلان عن الانهيار النهائي للراسمالية العالمية. و في نفس الوقت و حسب النظرية التي كانت مشهورة (دفنت فيما بعد) و التي جاء بها ستالين من الفترض  ان الديمقراطية الاشتراكية قد تحولت الى "فاشية اشتراكية".13

وقد اثر هذا الانعطاف للاممية الشيوعية بصفة مباشرة على الحزب الايراني. فخلال المؤتمر السادس للكومنترن طفح الى السطح مرة اخرى  مشكل الخلافات الداخلية للحزب الشيوعي الايراني. فالى حدود تلك الفترة هيمن على الحزب الخط اليميني لكنه تبنى الان فجاة موقفا يساريا متطرفا متبعا تقلبات اسياده الستالينيين في موسكو. و لم يحدث ذلك فقط للحزب الشيوعي الايراني بل كان تطورا شمل الاحزاب الشيوعية في العالم عموما. و لمدة سنوات اتبعت الاحزاب الشيوعية جنون التطرف اليساري هذا الذي بتقسيمه للطبقة العاملة الالمانية القوية ادى مباشرة الى انتصار هتلر في 1933.

وهكذا و بين عشية و ضحاها ترنح الحزب الشيوعي لايران من موقف مساند لرضا خان بهلوي الى موقف يساري متطرف.  و حاربوا بثبات القوى الديمقراطية حجتهم في ذلك انه لا يوجد فرق بين الديمقراطية و الفاشية. و كانت نتائج ذلك وخيمة. فقد  انحرف الحزب الشيوعي بالحركة الكفاحية النامية للطبقة العاملة في تلك الايام نحو المغامرتية. و وفرت الاخطاء الفادحة العديدة الناجمة عن  هذه السياسة الفاسدة الاساس للنظام القمعي للدكتاتور رضا خان. فتمكن بسهولة من جعل المجالس توافق على  المرسوم المعادي للشيوعية ل 1 جوان 1931. فحظر الحزب الشيوعي و شرع في حملة كبيرة من  الاعدامات موجهة ضد عمال الحزب و النقابيين. فاعدم العديد من خيرة العمال و الشباب و الشعراء الثوريين. و تم ايقاف اكثر من الفي عامل.

اثر هذا القمع الوحشي و القهر خيم على قواعد و قيادة الحزب  الياس و  الاحباط و  الحزبية. وغادر العديد من العمال الحزب الذي  وجد نفسه مرة اخرى معزولا. فدخل العمل السري و ركز نفسه بصفة خاصة  في حلقات المثقفين و الطلبة. و بعثوا مجلة جديدة "عالم"-انحصر قرائها على اعضاء هذه الحلقات. و قام النظام بمنع المجلة و اوقف اعضاء الحلقات و احالهم على المحكمة. واشتهرت  هذه المحاكمة ب "مجموعة 53". حكم على جميعهم  بالسجن لمدة تترواح من ثلاث الى  خمسة عشر سنة. وقتل زعيم المجموعة الد. طغي ارني في السجن في 1940.

وبعد سنة من كارثة وصول هتلر الى السلطة في المانيا امر ستالين الكومنترن  باداء حركة بهلوانية اخرى بالميل الى اليمين عن طريق سياسة ما يسمى الجبهة الشعبية اي سياسة الاتحاد مع البرجوازية "الليبرالية" (التي  كانوا قد ادانوها سابقا بصفتها "فاشية راديكالية") ضد الفاشية. و في 1939 غير ستالين الاتجاه مرة اخرى  بامضائه معاهدة مع المانيا النازية. و سرعان ما تم التخلي عن الجبهة الشعبية. وعندما امضى  ستالين اتفاق عدم الاعتداء مع هتلر صرح تروتسكي بالقول ان الاتفاق مع هتلر قد وفر مقياسا اضافيا  لقياس درجة انحلال البيروقراطية السوفياتية و احتقارها للطبقة العمالية العالمية بما فيها الكومنترن. 14

الى حد اللحظة التي هاجم فيها هتلر الاتحاد السوفياتي كان ستالين يتصور انه هزم هتلر.  متصورا انه امن ظهره عندما امضى اتفاق ستالين-هتلر كان ستالين  ينتظر مشاهدة المانيا و بريطانيا  يدمران بعضهما البعض. و كما اشار تروتسكي كان ستالين يتصرف كامين مخازن هتلر. فمنذ اندلاع الحرب العالمية الثانية الى حد جوان 1941 تاريخ بداية هجوم هتلر على روسيا تلقت المانيا النازية زيادة كبيرة في الصادرات من الاتحاد السوفياتي. فبين  1938 و 1940 ارتفعت الصادرات نحو المانيا من 85.9 مليون روبل الى 736.5 مليون روبل الشيء الذي ساعد جهود هتلر الحربية بشكل كبير 15. وبتخليهم الكامل عن الافق الاممي الثوري كان الستالينيون  ثمالى بالاوهام  في حين كان هتلر يعد ضربة  مدمرة ضدهم. و هذا ما  شل الاتحاد السوفياتي في وجه اروع عدو له. وكان تروتسكي قد تنبا في اوائل 1931 بانه اذا وصل هتلر الى  السلطة فان المانيا ستقوم باعلان الحرب على الاتحاد السوفياتي.

واتخذ الوضع السياسي منعرجا خطيرا في 1941 عندما هاجم هتلر الاتحاد السوفياتي في 22 جوان . ومدركة لخطر التحركات الالمانية في ايران قامت الامبريالية البريطانية و روسيا الستالينية فجاة بالتحرك و  وارسلت بمذكرة الى الحكومة الايرانية طالبتا فيها:

1. قطع العلاقات الديبلوماسية مع المانيا و ايطاليا.

2. تسهيل الحكومة الايرانية تنقل المعدات الحربية للحلفاء برا و جوا.

3. السماح من طهران للحلفاء بنشر قواتها على الاراضي الايرانية.

رفض رضا خان تلك الشروط و اجبر على الاستقالة لصالح ابنه محمد رضا خان الكلب المطيع و المدلل للامبريالية و الذي اصبح ملكا في 16 سبتمبر 1941. وكان اول عمل قام به هو طرد جميع الالمان و الايطاليين من ايران. ثم قام باطلاق صراح جميع المساجين السياسيين بمن فيهم مجموعة 53. و ساندت اغلبية تلك المجموعة النظام الجديد و اعتبرته "معاد للفاشية". وبرشاقة  لا تصدق قام حزب توده بانقلاب ب 180 درجة مثله مثل سيده ستالين و اتخذ سياسة مساندة للحلفاء ضد المانيا. في ظل هذه الظروف انعكس التحول في السياسة الخارجية مباشرة على السياسة الداخلية و بشكل عنيف.  و بدون اي تفسير اسقط الحزب موقفه المعادي لبريطانيا و تبنى سياسة دعم كامل للحلفاء "الديمقراطيين" ضد المانيا.

ومتبعا خط موسكو بكل  حقارة قرر الحزب الشيوعي تغيير اسمه. كانت الاولية هي تشكيل جبهة "معادية للفاشية" و نشر صحيفة مردم ( الشعب) . وظهر حزب توده ايران الى الوجود في الثاني من اوكتوبر 1941. و انعقد المؤتمر  الاول لحزب توده في 9 اوكتوبر 1942. بحضور 120 مندوبا. و اكدوا على ضرورة الدفاع عن روسيا السوفياتية و  توجيه "مساندة نقدية" لنظام رضا خان. فاغرقت هذه الانعطافات الحزب في ازمة داخلية. غادرت على اثرها  العناصر المعادية لبريطانيا الحزب. و التحق البعض منهم بصفوف الفاشية الالمانية و كون البعض الاخر"جبهة وطنية" خاصة بهم و تبنوا سياسة  "لننتظر ما سيحدث". و كانت لديهم قاعدة اجتماعية في صفوف البرجوازية الصغيرة: التجار و ضمن قسم صغير من البرجوازية. و لم يكن لاحد منهم موقفا طبقيا لينينيا.

في هذه الفترة اضرب العمال في العديد من المصانع و مصافي النفط و سكك الحديد احتجاجا على العمل الشاق و الافراط في العمل الاضافي في ظروف الحرب. و في نفس الوقت كان حزب توده يقوم بالدعاية حاثا العمال على عدم المشاركة في الاضرابات و منددا بالذين يدعمون الاضرابات بانهم "فاشيين". و كانت حجتهم في ذلك انه بما ان  العمال يقومون بانتاج  حاجيات قوات الحلفاء فان اي اضراب يضر بقضية الحلفاء و يدعم القوات الفاشية عالميا. فقد لعبوا في الواقع دور مخربي الاضرابات.

توسعت خلال الحرب الصناعة الخاصة الى حد ما  و حقق الراسماليون الايرانيون بعض الارباح. الا ان بعد الحرب كان لفشل القوى الامبريالية بالايفاء بوعودها للمساعدة في التنمية اثرا سلبيا.  و كانت نهاية الحرب مؤشرا لفترة من الثوران في ايران. ففي 22 جانفي 1946 اعلنت كل من اذربيدجان و كردستان قيام حكم ذاتي مستقل. و ارتفع عدد الاضرابات  الى اكثر من مائة. كان ستون فقط في 1944. و انضمت اهم المراكز الصناعية الى الحركة. في تبريز على سبيل المثال التحق العمال في 16  مصنع من جملة الثمانية عشر الموجودة في المدينة بالاضرابات. و قد شهدت تلك الفترة العديد من  النزاعات الكفاحية و بصفة خاصة في قطاعات النفط و النسيج و في حظائر البناء. عاشت خوزستان في 1946 اضرابان كبيران لعمال النفط. كانت فترة ما بعد الحرب العالمية الاولى قد عاشت نموا سريعا للنقابات و شهدت الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية كذلك عودة مشابهة للنقابات و لكن بحجم اكبر. غير ان روسيا الستالينية لم ترغب في اي تغيير ثوري في ايران. فقد تم  حل الكومنترن المتفسخ من طرف ستالين سنة 1943 لارضاء القوى الامبريالية. فعوض مساندة  الاطاحة الثورية للملك فضلت البيروقراطية الستالينية رعاية علاقات جيدة مع رضا شاه. و بالرغم من سياسته الخاطئة كان حزب توده يكسب دعما له بوصفه الحزب العمالي الجماهيري الوحيد في ايران. خلال الانتخابات الرابعة عشر للمجالس (البرلمان) في شتاء 1943 اغتنم حزب توده الفرصة  و احرز على عشرة مقاعد من جملة ثلاثين. و اثر الانتخابات دعا الحزب الى اول مؤتمر له في اوت 1944.  الا انه برزت خلال المؤتمر  اختلافات حول المشاركة في الانتخابات و طريقة عمل الجبهة المعادية للفاشية  و مرة اخرى - حول النظام الايراني. و نظرا لانقسامه حول الموقف من هذه المسائل دخل الحزب في ازمة حادة.

اثر الحرب العالمية الثانية كان مد الحركة الاضرابية هائلا الى حد انه اخترق جميع الحواجز و عبر عن تضامن طبقي  رائع بين العمال. وكانت الفدرالية النقابية الجديدة التي يسيطر عليها حزب توده تضم  275.000 عضوا و بحلول سنة 1946 اصبحت تضم 186 نقابة و 335.000 عضوا. في 1946 شارك 65 الفا من عمال النفط في اضراب نال اثره العمال حقوقهم الاساسية مثل الرفع في الاجور و تحسين الاوضاع الصحية. و قد شارك في الاضراب  عمال النفط من خوزستان و عمال النسيج و حتى من قطاعات اخرى  ليست لها صلة مباشرة بقطاع النفط. لقد كانت الحكومة ضعيفة و كان هناك ضغط مستمر من العمال  لذا طرح حزب توده  عددا من المطالب الاصلاحية على البرلمان. و شمل ذلك الحقوق النقابية و الغاء العمل الاضافي و 48 ساعة عمل في الاسبوع و اجر ادنى. و قد تم  قبول جميع تلك المطالب.

واستخدمت الامبريالية البريطانية كالعادة تكتيكها القديم "فرق تسد" و شرعت في مساندة القوى القبلية قرب خوزستان و تمويل رجال الدين و ملاك الارض ضد العمال و النقابات و الحزب الشيوعي لايران.  في البداية عاضد الاتحاد السوفياتي الجمهوريتين المستقلتين اذربيدجان و كردستان الا ان  الجيش الروسي غادر ايران في التاسع من ماي 1946. عندها  اغرق الجيش الحكومي البلاد في حمام من الدم بذبح الالاف من  مساندي حزب توده.

اثر انسحاب قوات الحلفاء على قطاعات صناعية عديدة كانت معتمدة على الانتاج الموجه للحرب.  كما اثرت البطالة الناجمة عن ذلك على نفسية العمال و قلصت من النشاط النقابي. فقد توقف الانخراط في النقابات و بدا في الانحدار. و اثر الهزائم في اذربيدجان و كردستان اصيب العمال بالاحباط  و انخفضت العضوية في حزب توده  بشكل كبير. هذا و قد قام النظام بهجوم على العمال . وادى ذلك الى انخفاض نشاط الطبقة العاملة  الى ادنى مستوياته  من 1947 الى 1949.

في الرابع من فيفري 1947 عندما ذهب الشاه لحضور احتفال تاسيس جامعة طهران قام احد المصورين باطلاق خمس رصاصات عليه. الا ان الشاه لم يصب الا ببعض الخدوش. و عندما توجه بخطاب للامة عن طريق الاذاعة وهو في المستشفى اتهم الشاه حزب توده بكونه وراء محاولة الاغتيال.   كان ذلك مجرد افتراء و لكنه مثل تعلة لفرض حالة طوارئ اعلن عنها في السابعة و النصف من نفس اليوم. و في اليوم الموالي تم ايقاف قيادة توده و منع الحزب و طرد مساندوه من مؤسسات الحكومة. و اقيمت محاكم عسكرية خاصة لمحاكمة قادة الحزب الشيوعي. و التي عرفت في ايران بمحكمة الاربعة عشر.  في الخامس عشر من ديسمبر و بمساعدة الجناح المسلح لتوده هرب عشرة زعماء للحزب من السجن و

و عادوا مرة اخرى الى النشاط  السري. و هكذا ادت سياسة التعاون مع البرجوازية التقدمية الى كارثة.

قضية مصدق

قامت النزعات القومية و الاصولية في هذه الفترة بملئ الفراغ الى حد ما. فقد تنامى بعد الحرب شعور قوي معاد للبريطانيين.  و نجح مصدق في تشكيل جبهة وطنية من الاحزاب تمثل  المهنيين و البزاريين و بعض العناصر الدينية. و في 28 افريل 1951 تم تعيين مصدق وزيرا اول. وعندما و عن قصد اغلقت في افريل مصافي النفط التي يملكها الانجليز رفعت الامبريالية البريطانية الامر الى الامم المتحدة. و في نفس الوقت قطع مصدق العلاقات الديبلوماسية مع بريطانيا. وبلغت  الازمة اوجه حينما شرع مصدق في سياسة التاميم و مصادقة المجالس على  قرار تاميم شركة النفط الانجليزية-الايرانية.

و عن سذاجة اعتقد مصدق ان امريكا  ستقدم العون لايران في هذه الازمة. فذهب الى الولايات المتحدة قصد الحصول على مساعدة اقتصادية لكنه رجع بيدين فارغتين. فاثرالحرب العالمية الثانية  تغير ميزان القوى لصالح الامبريالية الامريكية. و قد اوضح تروتسكي ذلك قبل الحرب عندما تنبا بان الولايات المتحدة  ستخرج من الحرب القادمة منتصرة ونتيجة لذلك ستكون اسسها مشحونة  ديناميت. وقام الرئيس ترومان خلال هذه الازمة بارسال  مستشاره لشؤون الخارجية هاريمان الى طهران في 16 جويلية 1951 من اجل استغلال الوضع لصلح امريكا. فعندما وصل هاريمان الى طهران نظم حزب توده مظاهرة كبيرة معارضا الامبريالية الامريكية. و ادت الصدامات بين البوليس و المتظاهرين الى مقتل وجرح عشرون شخصا امام مبنى المجالس.

وبخلاف البرجوازية الوطنية اظهر العمال انهم على استعداد للصراع. فانفجرت اضرابات كبيرة في حقول النفط.  و نمت التحركات النقابية بانتظام كرد على  التقليص في الاجور. و بحلول شهر افريل بلغ عدد المضربين 45 الف عامل. و اعلنت الحكومة  حالة الطوارئ الا ان الاضرابات انتشرت  كالتيار الجارف. و عندما وعدت شركة النفط  باعادة الاجور الى ما كانت عليه وقع  ارجاء الاضرابات لحين. الا انه اكتشف ان الشركة كانت تستعمل التاخير كتكتيك فقط. و مرة اخرى اندلعت الاضرابات بمساندة الاف من العمال من مراكز صناعية اخرى. و كان الضغط الجماهيري في ازدياد لحمل مصدق على تاميم شركة النفط الانجليزية-الايرانية. و بالطبع لعب اعضاء حزب توده دورا حيويا في التحركات العمالية من 1951 الى 1953. و ازداد عدد الاضرابات الكبيرة مرة اخرى بالتوازي مع ارتفاع العضوية في النقابات.

تمثلت المطالب النقابية في الرفع في الاجور و الحقوق النقابية. غير ان الحركة كانت تتجه نحو مواجهة الدولة نفسها. فحدثت سلسلة من المواجهات مع البوليس  مع كل تحرك عمالي جديد. و انتشر التضامن الطبقي  بين العمال بمختلف شرائحهم و مناطقهم و مهنهم. كانت الحركة تنمو بقوة و تتخذ  صبغة سياسية. و حمل الضغط الجماهيري الحكومة على تقديم تنازلات اكبر من تلك التي قدمتها في 1946. و نتيجة لذلك نمت ثقة العمال بانفسهم  بشكل كبير. و طرحت مسالة السلطة  بشكل واضح.

كان حزب توده اكبر المستفيدين. اذ كان موقفه قويا في صفوف الطبقة العاملة. و كانت قوة الحركة لا تقاوم و وجهت حتميا ضد المؤسسات الملكية.  و ارهب ضغط الطبقة العاملة الساسة البرجوازيين و البرجوازيين الصغار. وتحت الضغط الشديد انحلت الجبهة الوطنية.

في الثاني من ماي 1953 كتب مصدق  رسالة الى الرئيس الامريكي ايزنهاور عبر فيها عن امل ان تتجاوز الامة الايرانية  العوائق التي تقف في طريق بيع النفط بمساعدة الحكومة الامريكية.  و  شكر صاحب السعادة على  تعاطفه و اهتمامه بالوضع الحالي الخطير الذي تعيشه ايران و انه سينظر مليا في جميع النقاط الواردة في الرسالة. و ينتهي الخطاب بنبرة مثيرة للشفقة: " ارجوا منكم سيادة الرئيس ان تقبلوا خالص احتراماتي." 16  تكشف هذه العبارات بكل دقة عن الطبيعة   الجبانة لما يسمى بالبرجوازية الوطنية. الا انه و بالرغم من تنافسها مع بريطانيا لم تكن الامبريالية الامريكية مستعدة للسماح بتاميم النفط في ايران لان ذلك سيكون سابقة خطيرة. و في جوابهم على رسالة مصدق كتب الامريكان انه لن تمنح ايران اية مساعدة قبل ان يفض النزاع الانجليزي الايراني.  علاوة على ذلك ابدت واشنطن قلقها الكبير من درجة الحرية التي توفرها الحكومة الايرانية لحزب توده. 17

عبر كاتب الدولة الامريكي جون فوستر دولس في تصريح صحفي عن قلقه من تنامي نشاطات حزب توده الشيوعي المحظور و اتهم الحكومة الايرانية بكونها تلعب دور المتفرج. و كان هذا يسبب "قلقا شديدا" لواشنطن و يجعل الامر صعبا على الولايات المتحدة لمنح المساعدة لايران. 18  و حتى قبل تصريحه ذاك كان دولس قد هدد  في 13 جويلية 1953 بانه  لن يتساهل مع مصدق اكثر. فامرت وكالة الاستخبارات الامريكية كرنيت روزفالت حفيد الرئيس الامريكي الاسبق بتدبير انقلاب ضد مصدق. وصدرت تعليمات من الشاه الى الجنرال زهدي       و العقيد نصير للتعاون مع الاستخبارات الامريكية. الا ان  محاولة الانقلاب ليوم 16 اوت 1953 باءت بالفشل و تم ايقاف الجنرال زهدي.  و اثار تصرف الامبريالية هذا ازمة في ايران تميزت  باستقطاب حاد نحو اليسار و اليمين. و بدات معركة ضارية في هرم السلطة في طهران. فامر مصدق الشاه بالاستسلام و تم  حل الحرس الملكي. و قد تحدث الشاه عن هذه الوضعية في سيرته الذاتية وكيف قام مصدق بتقليص عدد الدبابات التي تحرس قصره (قصر الشاه) ساداباد. اذ تم الاكتفاء باربع دبابات فقط لا يمكنها حتى مواجهة هجوم محتمل من حزب توده.

كانت ايران  تمر بوضعية تسبق الثورة. فقد  استيقظت الجماهير و تم تمزيق صور الشاه في الحوانيت و دور السينما و مكاتب الحكومة. و كانت هناك امكانية لاحباط الانقلاب لو كان مصدق قد توجه بالنداء الى الجماهير. الا ان هذا السياسي البرجوازي كان يخشى الجماهير الف مرة اكثر من خشيته من الرجعية. و حين اتت اللحظة الحاسمة فشل مصدق في التحرك و بذلك سمح للمتامرين بتجميع قواهم و الاستيلاء على السلطة. كتب نور الدين كيانوري: "وصلتنا معلومات عن مساندة و اضحة من وحدات في الجيش لعملية الانقلاب. و اتصلنا بمصدق للمرة الثانية  فرد قائلا: ' لقد خانني الجميع. الان لديكم مطلق الحرية لتحمل مسؤوليتكم بالطريقة التي ترونها مناسبة.' فطلبت منه اذاعة الخطاب. و لكن للاسف لم اتمكن من الحصول على جواب اذ  انقطع الخط" 19

برغم كل ذلك ظل مصدق بياس ينتظر العون من الامبريالية  الامريكية. و من جهة اخرى لم تكن البيروقراطية في موسكو مهتمة بالتطورات الثورية في ايران. و نتيجة لذلك وقع اجهاض الحركة بكاملها. و اعيد الشاه. و كان ان تلى ذلك سلسلة من الايقافات و القتل. و انقسم حزب توده مرة اخرى.  و كان موقف بعض اعضائه ان الجبهة الوطنية كانت تحالفا تقدميا مثلت كفاح البرجوازية  ضد الامبريالية البريطانية. و اعتبر البعض الاخر ان مصدق كان يمثل قسما من البرجوازية مرتبط بالمصالح الغربية. كتب اراج اسكندري احد قياديي الحزب: "لقد قمنا باخطاء كبيرة لانه لم يكن لدينا مفهوما واضحا عن دور و طبيعة البرجوازية الوطنية." و قال مضيفا بانه خلال النضال من اجل تاميم الصناعة النفطية الايرانية لم يساند زعماء حزب توده مصدق الذي كان بدون شك يمثل مصالح البرجوازية الوطنية. كان تفكير الحزب تقريبا- هو الاتي: "يكافح مصدق من اجل تاميم النفط الايراني. في نفس الوقت تدعم الامبريالية الامريكية ذلك. و هذا يعني انها توجه العملية. و هكذا وصل الحزب الى استنتاج خاطئ مفاده ان على الشيوعيين عدم مساندة حركة التاميم. و بالتالي عزل الحزب نفسه عن الجماهير التي اتبعت البرجوازية لا الحزب في علاقة بهذه المسالة.20

يقول إ.أ. باين بان قيادة الحزب عجزت اثر الانقلاب عن تبني اية سياسة و ذلك بسبب وجود عديد من المشاكل الجدية, بما فيها مسالة البرجوازية الوطنية, ظلت عالقة بدون حل.  و لاول مرة ادرجت هذه المسالة للنقاش في  الاجتماع الرابع للجنة المركزية الذي انعقد سرا (من المرجح في جمهورية المانيا الديمقراطية) في 17 جويلية 1957. و يعود انعقاد المجتمع الاول الى وقت طويل هو 1948. 21 كتب كيانوري: "حاولت خلال اقامتي في ايران الاتصال بالجبهة الوطنية و المجموعات الاخرى بما فيها بعض القبائل في الجنوب التي ادعت مساندتها لمصدق الا ان لا احد منها كان مهتما بالنضال ضد نظام الشاه. لقد ارسلنا  البعض من رفاقنا من  بينهم روزباه و كول شاليبه كخبراء عسكريين لتدريب القبائل التي كانت  مستعدة للكفاح المسلح ضد الشاه. و اردنا تنظيم  مظاهرة كبيرة في طهران  الا انه في اخر لحظة رفضت الجبهة الوطنية لمصدق (بقيادة الد. معظمي)  التعاون معنا و بالتالي فشلنا في تنظيمها. كان ذلك بمثابة الانتحار السياسي. و بعد الانقلاب حاولنا كذلك اقامة قاعدة عسكرية في شمال ايران الا انه غدر بالمحاولة من طرف اولائك الذين كانوا في السجن. فقد  كشفوا عن المخطط للبوليس. وحاولنا بعد هذا الفشل القيام بالكفاح المسلح في 1961 الا ان المحاولة باءت بالفشل بسبب عدم تعاون الجبهة الوطنية و انصار مصدق." 22

كان نور الدين كيانوري سكريتير الحزب خلال ثورة 1979. و قد قام الاجتماع الخامس في فيفري 1958 بتحليل انقلاب 1953. و صرح الحزب بان نجاح الرجعية في اوت 1953 كان مرده غياب التعاون الوثيق بين  القوى المعارضة  لحزب توده و البرجوازية الوطنية. و تفاقمت عدم الثقة التي كانت تميز موقف البرجوازية الوطنية من حزب الطبقة العاملة بفشل الحزب في ادراك طبيعة البرجوازية الوطنية و معاداتها للامبريالية. و كانت النتيجة هو ان تبنى الحزب التكتيك الخاطئ في علاقة بالتعامل مع حكومة مصدق." 23

الاستنتاج الوحيد الذي يمكن الخروج به هو ان حزب توده كان يامل في ثورة وطنية ديمقراطية قبل المرور الى ثورة اشتراكية في ايران. و باعتمادهم على هذا الافق الخاطئ  اخضعوا بذلك الطبقة العاملة الى البرجوازية الوطنية. ففي كل مرة يلهثون وراء هذا القسم او ذاك من البرجوازية لتشكيل "تحالف  من اجل الثورة الديمقراطية" ينتهي دائما بنتائج وخيمة. لقد  وصل قياديو حزب توده اثر الحركة الثورية لسنة 1953الى استنتاجات خاطئة تماما. ولم تكشف الحركة الثورية تلك عن  امكانيات الطبقة العاملة  فحسب بل و عرت الطبيعة الجبانة و المحدودة للبرجوازية و دورها المضاد للثورة.

شرح تروتسكي منذ وقت طويل بان البرجوازية الكولونيالية الضعيفة غير قادرة على الخروج بالمجتمع من المازق الذي يتخبط فيه. فالتطور المتاخر لما يسمى بالبرجوازية الوطنية جعلها مشدودة الوثاق الى مصالح الامبريالية. و اكد تصرف مصدق في 1953 هذه الحقيقة بوضوح. فقد تم التعبير بحيوية كبرى عن قدرة الطبقة العاملة على الاطاحة بالنظام الايراني  من خلال الحركة الجماهيرية الرائعة و  العمل التضامني. و لكن و بسبب غياب العامل الذاتي الحزب الثوري كان محكوما على الحركة بالهزيمة. و نظرا لسياسته الخاطئة سياسة "المرحلتين"- فرط حزب توده في فرصة ثورية و دفع ثمن فشله بالغا.

طوال فترة حكم الشاه كان حزب توده "في سبات". ففي 1963 لم يلعب اي دور في الحركة المعادية لبرنامج ثورة الشاه البيضاء. لذلك قاد الخميني الى حد ما الحركة. الا انها انتهت بتسوية مع الملكية. فخلال فترة الشاه لم يطرح حزب توده اي نوع من السياسة المستقلة. و  التفسير الوحيد لذلك هو  السياسة الخارجية للبيروقراطية الروسية. فقد كانت موسكو لا ترغب في الدخول في نزاعات مع الامبريالية الامريكية في ايران و ذلك لاهمية ايران الكبيرة كمنتج للنفط. في الحقيقة كانت البيروقراطية الستالينية للاتحاد السوفياتي قد تخلت منذ فترة طويلة عن التفكير في السياسة الثورية التي من شانها ان تهدد المصالح الحيوية للامبريالية و بالخصوص مصالح الامبريالية الامريكية. فسياسة ما يسمى بالتعايش السلمي كانت تعبيرا عن تقسيم العالم الى  كتلتين متضادتين يقبل فيها كل جانب بمناطق نفوذ الاخر.

لم تكن لموسكو المصلحة في تردي العلاقات بين روسيا و امريكا و يمكن ان ينبثق ذلك بصفة حتمية من  خلال ثورة اشتراكية في ايران. فبالعكس كانت البيروقراطية مهتمة بدعم الشاه و كانت تربط بينهما علاقات جيدة. فربطت موسكوعلاقات تجارية  مع طهران و تم تصدير كميات هائلة من الغاز الطبيعي من ايران الى الاتحاد السوفياتي وسعت الى المحافظة على علاقات حميمة مع الشاه. كانت تلك احد الاسباب الرئيسية التي جعلت حزب توده شديد السلبية في علاقة بالشاه. و لم يغير حزب توده من سياسته الا عندما هزت الحركة الجماهيرية نظام الشاه. عندها غير من سياسته بنسبة 180 درجة داعيا الى الكفاح المسلح عندما كانت الحركة في قمتها سنة 1979.  الا ان سياسة الحزب كانت  في تردي مستمر عندما اعلن زعماء توده مساندتهم لايات الله الخميني في 1 جانفي 1979. 24

كيف تم ذلك؟ فبعد ثورة فيفري 1979 طرحت قيادة حزب توده التالي: بما ان طبيعة الثورة معادية للامبريالية علينا القبول بحقيقة ان النظام الذي وصل الى السلطة بعد ثورة فيفري 1979 ذو طبيعة تقدمية. فهو ما انفك يحارب ضد الامبريالية التي تتامر بكل نشاط ضد الشعب الايراني لجره مرة اخرى الى عهد الس اي اي و السافاك.. و من ثمة فان المهمة  الاولى للشعب الايراني في مثل هذه الحالة ليس "بناء الاشتراكية مرة واحدة" و انما  "تدعيم المكاسب المعادية للامبريالية" بما  لا يسمح  بالناتو منظمة حلف شمال الاطلسي- ان تخيم على ايران مرة اخرى. "و في هذه الاطار فانه واضح جدا ان القوى المعادية للامبريالية بقيادة الخميني نشطة جدا. لهذا تقف اهم قوى اليسار حزب توده و منظمة فدائيي الشعب الايرانية (اغلبية) وراء الخميني. 25

هنا يظهر موقف حزب توده من الثورة الايرانية جليا: عدم الثقة التام في الحركة العمالية و الاشتراكية و التبعية الكاملة  للبرجوازية و ما يسمى بالقوى المعادية للامبريالية - بما فيها الخميني! و هذا في تعارض كامل مع موقف لينين الذي  وقف دائما من اجل سياسة طبقية  مستقلة و نقد بحدة و عرى عن  دورالبرجوازية الليبرالية المعادي للثورة في روسيا حتى في عهد الثورة البرجوازية الديمقراطية. لم يكن موقف توده هو موقف لينين بل كان موقف المناشفة الذين كانوا يدافعون دائما عن تبعية الحركة العمالية لليبراليين البرجوازيين بتعلة الحاجة الى توحيد كافة "القوى التقدمية".

 وصادق اجتماع (بلونم) الحزب  السادس المنعقد في فيفري- مارس 1980 في ايران على دعم الحزب لخميني و طرح النقاط التالية:

" ان المهمة الملحة للحزب في المجال السياسي هو التعاون مع القوى الثورية الحقة. ان الحزب يساند و بوضح الذين يدعمون الخميني. و قرر الحزب كذلك المشاركة في الاستفتاء و الانتخابات القدمة للمجالس .

"تقرر في الاجتماع  كذلك عقد المؤتمر الثالث للحزب في المستقبل القريب." (انعقد المؤتمر الثاني للحزب في 1948).

وفي وقت سابق وعندما اعلن عن الجمهورية الاسلامية في افريل 1979 خلال استفتاء شمل كامل البلاد ساند حزب توده ذلك: "ان سياسة حزب توده هو تكوين وحدة معادية للامبريالية. و بالتالي يمثل الاستفتاء بالنسبة لنا دفن نظام الشاه...لاننا نريد الوحدة مع الشعب فاننا نساند الاستفتاء من كل اعماقنا." 26

بعد الاعلان عن الجمهورية الاسلامية شرعت المحاكم الاسلامية, التي كانت قد بدات نشاطها بمعاقبة المئات من اعوان السافاك مستعملة نفس  الذريعة, شرعت هذه المحاكم في تنفيد احكام الاعدام في المناضلين من العمال. مع ذلك فان حزب توده شهر بالذين انتقدوا 'المحاكم الاسلامية' المعادية للثورة بل و اتهمهم بالعمالة للسافاك و الاستخبارات الامريكية.

وكان لمنظمتي فدائيين و مجاهدين من جهة اخرى موقفا يساريا متطرفا. فقد كان لهم دورا سلبيا مثلهم مثل تلك المنظمات المدعومة من طرف ما يسمى بالفرق التروتسكية التي كانت على ارتباط بشكل ما بمجموعات طلابية يسارية في ايران. للاسف لم يكن اتجاه الطلبة الثوريين في ايران نحو الطبقة العاملة و لم  يصيغوا برنامجا لها. فبالعكس فقد كانوا يتبعون  نصائح تلك الفرق في استعمال طرق الارهاب الفردي. فقد اعتبرت هذه الفرق دائما ان الطبقة العاملة عاجزة , جاهلة و لا حول و لا قوة لها لتغيير ميزان القوى الموجود في ايران. و تتدعم مفاهيمهم هذه بحقيقة ان الطبقة العاملة لم تكن منظمة البتة.

كانت وجهات نظر اليساريين المتطرفيين خاطئة من اولها الى اخرها. فقد بدؤا بتقييم متشائم للوضع الذي سبق سنة 1979. في الواقع حذفوا الطبقة العاملة و انكروا امكانية الثورة في ايران. كانت حجة تلك الفرق و اولائك الذين انتهجوا الارهاب الفردي هي ان الشاه كان يصنع (بتشديد النون) البلاد و ان جميع الاوراق كانت بيديه. فقد قام الشاه بتحسين الوضع المعيشي للطبقة العاملة و الفلاحين. و استنتجوا ان ذلك سيقود الى الى استقرار النظام. و اعلنوا ان الشاه بامكانه ان يثبت نفسه في الحكم لعقود نتيجة للثورة البيضاء" و تطور الصناعة. ومن الصدف ان الامبرياليين ايضا  صدقوا هذه الفكرة. فعلى سبيل المثال  نشرت الاستخبارات الامريكية تقريرا في اواخر سبتمبر 1978 يقول ان نظام الشاه  مستقر و سيواصل التحكم في السلطة الى ما لا يقل عن 10 او 15 سنة.

و كما ثبت دائما كانت نتيجة انتهاج اسلوب الارهاب الفردي وخيمة. فحسب الحقائق المتوفرة  و بعد ست سنوات من الكفاح المسلح ضد قوات الحكومة قتل 600 من مقاتلي حرب الغوار و تم ايقاف 2000 منهم مقابل مائتي قتيل في صفوف القوات الحكومية. 27 و كنتيجة  للنشاطات الصبيانية لحرب الغوار خلال تلك الفترة كان بمقدور السافاك ان يحقق عودته و ان تقوي الدولة من كافة اجهزتها القمعية البوليسية و القانونية.  قام امير بارفيز بويان في كتيبه "الحاجة الى الكفاح المسلح" بنقل واضح لموقف الارهابيين نحو الطبقة العاملة: "يمكن القول و من خلال تجربتنا ان الطبقة العاملة رثة. لا تملك وعيا سياسيا  و غالبا ما تشبع رغبتها بقراءة الادب الرجعي. 28 هذه هي  الاستنتاجات الرجعية التي خرج بها هؤلاء.  لم يكونوا قادرين على القيام بنقد ذاتي صريح لفشلهم و صبوا اللوم على الطبقة العاملة الطبقة الثورية الوحيدة في المجتمع و الطبقة الوحيدة كما بين ماركس القادرة على انجاز التغيير الاشتراكي للمجتمع.

هوامش:

1. تاريخ الحركة الشيوعية في ايران, تولسي رام , ص 2.

2. تحقيق موجز عن  الحركة العمالية و الشيوعية في ايران, عبد الصمد كامباكاش, 1972, ص 14.

3. المصدر السابق, ص 13

4.  لينين,  الاعمال الكاملة, المجلد 34, ص 72, دار التقدم, موسكو 1969.  5. تاثير ثورة 1905 على الحركة الدستورية في ايران, احسان طبري, ص53.

6. لينين و التحرر الوطني في الشرق, ب.ج. جافوروف و ج.ف. كيم, ص 307-308, دار التقدم, موسكو 1978.

7. البلشفية, الطريق الى الثورة, الن وودز, ص 38.

8. تحقيق موجز عن  الحركة العمالية و الشيوعية في ايران, ص 3.

9. مذكرات جمعية رضا روستا الادبية, فارهانغ, عدد 3, 1965, ص 82.

10. ايران بين ثورتين, ﺇ. ابرا هاميان ص 15.

11. تاريخ الحركة الشيوعية في ايران, تولسي رام,  ص42.

12. مهمة من اجل بلدي, محمد رضا شاه بهلوي, هاتشنسان, لندن 1961, ص 36 38 .

13.  روسيا من الثورة الى الثورة المضادة, تاد غرانت ص 153.

14. دفاعا عن الماركسية, تروتسكي, نيويورك 1970, ص 4 - 5.

15. روسيا من الثورة الى الثورة المضادة, تاد غرانت, ص231.

16.  قسم  نشرة الدولة للولايات المتحدة, نيويورك 20 جويلية 1953, ص 76.

17.  الشرق الاوسط في 1953, التحقيق السياسي السنوي لشؤون الشرق الاوسط  نيويورك, جانفي 1954, ص 11.

18.  قسم  نشرة الدولة للولايات المتحدة, 10 اوت 1953, ص 178.

19.  تجربة 19 اوت, ف.م. جوان شير, منشورات حزب توده, 1980, ص 312 313.

20.  ماذا نعني بالبرجوازية الوطنية, اراج اسكندري, المجلة الماركسية العالمية, لندن, سبتمبر 1959, ص 72.

21. الملكية الفارسية في تحول, ﺇ. ﺃ. بي باين, نيويورك 1968, ص 92.

22.  بعض النقاط المتعلقة بتاريخ حزب توده, منشورات طهران, 1980, ص 40 41.

23. ايران في مفترق الطرق, عبد الصمد كامباكاش ص40.

24. جريدة حزب الشعب, طهران, 22 جوان 1979, ص 4.

25.  تاريخ الحركة الشيوعية في ايران, ص157 158.

26.  مرة اخرى نحن و الاستفتاء, مردوم , 28 مارس 1974, ص 24.

27.  حوالي ست سنوات من الكفاح المسلح في ايران, دنيا, نوفمبر ديسمبر 1976, ص 22.

28.  ماذا تقول عصابات حرب الغوار, جوان شيري, سبتمبر 1972, ص 2.  

الفصل الرابع: ثورة فيفري 1979

المحتوى