في الظروف العادية لا تهتم الجماهير بالسياسة. فقلما يقرؤون الجرائد وحتى إذا ما قرؤوها فلكي يطلعوا على الصفحة الرياضية. وقلما تثير الانتخابات الكثير من الاهتمام فبالاحرى العواطف. يحدث هذا خاصة في المكسيك، حيث كان يُنظر، طيلة عقود، إلى الأحزاب السياسية كمجرد وسائل للحصول على الغنائم من الدولة وإثراء السياسيين وزبائنهم. لكن الوضع مختلف الآن.
لقد دفع التزوير الفاضح للانتخابات بالجماهير فورا إلى الشوارع. بدأت الاحتجاجات أواخر شهر يوليوز، وبعد تنظيم مسيرة هائلة ضمت ثلاثة ملايين متظاهر، أقام المحتجون مخيما طوله سبعة أميال في وسط مدينة مكسيكو، مما أدى إلى شل المواصلات. يقضي قاطنوا المخيم الليل بأكمله متحلقين حول النار، على أهبة الدفاع عن مخيمهم. آلاف الأشخاص يقطنون المخيم تحت الأمطار المنهمرة طيلة أسابيع في شوارع مكسيكو منتظرين قرار المحكمة. وهكذا بدأت أسابيع من عمليات قطع الطرقات ومخيمات الاحتجاج وسط العاصمة، والتي أدت إلى قطع المواصلات ووقف الأعمال.
لقد وضع لوبيز أوبرادور نفسه على رأس الحركة، وصار يتحدى الحكومة. نتيجة لهذا، بدأ حزب الثورة الديموقراطية يحقق تقدما، حتى صار الآن ثاني أكبر كتلة في البرلمان المكسيكي الجديد. شهر غشت، انتخب حزب الثورة الديموقراطية أول حاكم لولاية شياباس، ملحقا الهزيمة بخصم يتمتع بدعم ائتلاف اللحظة الأخيرة، الذي جمع حزب العمل الوطني وحزب الثورة المؤسساتية، الذي بقي في الرئاسة سبعة عقود إلى حين فوز فوكس سنة 2000.
إن هذا يعتبر ردا حاسما على من يدعون أن الروح الكفاحية تخيف الناخبين!
إن هذا يؤكد إفلاس التيارات العصبوية (والزباطيين) التي رفضت تقديم دعم نقدي للوبيز أوبرادور ضد كالديرون خلال الانتخابات. إن هؤلاء السيدات والسادة
لم يروا أي فرق بين الاثنين، إذ أن كلاهما برجوازيان. إذا ما نظرنا إلى برنامج لوبيز أوبرادور فبالتأكيد سنجد انه لا يذهب ابعد من حدود الرأسمالية.
انه برنامج برجوازي ديموقراطي. لكن هذا الواقع لا يكفي مطلقا لتحديد القاعدة الطبقية لحزب الثورة الديموقراطية.
كما لا يخول لنا أن نستخلص عدم وجود أي فرق بين لوبيز أوبرادور وكالديرون.
هذا مثال نموذجي عن طريقة تفكير العصبويين الصورية والمجردة في كل مكان، وعن عجزهم المطلق عن التفكير الجدلي وعجزهم المطلق عن وضع أنفسهم على نفس الأرضية مع الجماهير. إن الماركسيين في المكسيك لا يدافعون عن الديموقراطية البرجوازية، بل عن سلطة العمال والاشتراكية. من النافل قول هذا. لكن في المقام الأول، إذا لم نكن أقوياء بما فيه الكفاية لحسم السلطة واستبدال الديموقراطية البرجوازية المتعفنة والفاسدة بنظام ديموقراطية عمالية أرقى، فإننا مجبرون على الدفاع عن كل حق اكتسبه العمال، بما فيه الحق في التصويت والنضال ضد محاولات البرجوازية المكسيكية لحرمان الجماهير من حقهم في انتخاب حكومة من اختيارهم.
ومن جهة أخرى، من الضروري على القوى الماركسية القليلة، لكي تصير قوية بما فيه الكفاية لمواجهة النظام البرجوازي القائم، أن تصل إلى الجماهير أينما كانت، أن تخلق علاقات مع العمال والفلاحين، أن تؤسس لحوار معهم وتتوصل إلى اتفاقات تكتيكية تمكننا من النضال معا ضد العدو المشترك دون التنازل في المسائل الرئيسية. لقد كانت هذه دائما هي منهجية لينين وتروتسكي، وهي التي أطلق عليها لينين اسم سياسة الجبهة الموحدة. وهذا طبعا كتاب مغلق بسبعة أقفال بالنسبة للعصبويين
تعطي المذيعة التلفزية صوفي ماك نيل، التي زارت مخيم مدينة مكسيكو وحاورت لوبيز أوبرادور، وصفا مفصلا للقاعدة الطبقية للحركة انطلاقا من ملاحظتها الخاصة لأنصاره وتقول:
« أثناء تجوالك عبر المخيم، يمكنك أن ترى كيف أوضحت حركة الاحتجاج هذه، الانقسام الطبقي العميق الذي يوجد هنا بالمكسيك. إن قاعدة الدعم التي يمتلكها أوبرادور مشكلة أساسا من الطبقة الدنيا والمكسيكيين الأصليين وهم ينظرون إليه كمخلص، باعتباره الشخص الوحيد في وقتنا الحالي، الذي يريد النضال ضد فساد الطبقة السائدة. يشعر مؤيدو أوبرادور وكأنهم أعطاهم صوتا وهم الآن هنا لكي يُسمعوا صوتهم. وقد قال لي هندي شاب من أواكساكا "إذا لم نقضي على الجوع فسوف نواجه كارثة خطيرة لا يمكن تخيلها، سوف تسيل الكثير من الدماء إذا نحن لم نغير السياسات الاقتصادية في هذا البلد"» (التشديد من عندي، آ. و)
أغلق المتظاهرون الأبناك وكذلك مكاتب الضرائب. وعندما استجوبت الصحفية العمال أصحاب الياقات البيضاء التابعين لمكتب الضرائب، أشاروا باحتقار إلى المتظاهرين باعتبارهم « أناس جاهلون ذوو أجور متدنية». « وعندما رآني مؤيد لأوبرادور أتحدث إلى عمال المكتب هؤلاء، قال: "هؤلاء الناس يقفون ضدنا لأنهم يمتلكون في منازلهم كل شيء. ليسو في حاجة إلى أي شيء. نحن هنا لأننا نعاني الخصاص في قريتي. هل تفهمين، إنهم يدفعون لنا كأجر 600 بيسوس مقابل العمل من الاثنين إلى السبت من الثامنة صباحا إلى السادسة مساء، 600 بيسوس! – صاح الرجل- لهذا السبب نحن هنا!"».
يمكن ان لا تكون تلك الصحفية ماركسية، لكنها تمتلك عينين وأذنين وقد قدمت لنا صورة واضحة جدا عن الطبيعة الطبقية للحركة. لقد وصفت موقف جماهير الفقراء والشعب المسحوق من لوبيز أوبرادور.
يشعرون وكأنه قد أعطاهم صوتا وهم الآن هنا لكي يُسمعوا صوتهم. إن هذا وصف صادق جدا للعلاقة بين الجماهير ولوبيز أوبرادور.
أما العصبوي فيستنكر هذا. يحرك رأسه ويطلق عبارات الاستهجان. طبعا لأنه كان ينبغي للجماهير أن تدعمه هو وليس لوبيز أوبرادور!.
كان ينبغي عبارة فلسفية تنتمي إلى الكانطية المثالية وليس إلى المادية الجدلية. أما هذه الأخيرة فتنطلق من العالم كما هو وليس كما ينبغي له أن يكون، تحلل الاتجاهات المتناقضة التي يتضمنها وتبين كيف سيتطور.
وتواصل الصحفية قائلة: « لاحظت هنديا عجوزا وزوجته يسيران في مقدمة الجموع، كان الزوج قد فقد اغلب أسنانه الأمامية ويرتدي ثيابا ممزقة. وكانت الدموع تملئ عينيه وهو يغني مع الجموع: "أوبرادور! أوبرادور!". نظرت زوجته إليّ واتضح لي أنها كانت تبكي هي أيضا، قالت لي "فقراء المكسيك يحتاجون أوبرادور!" فقاطعها الرجل الذي يقف إلى جانبها قائلا: "الرئيس هو أندريس مانويل لوبيز أوبرادور. سواء أرادوا ذلك أم لم يريدوا!".»
من وجهة النظر الصورية للعصبوي، تكون مثل هذه المواقف غير مفهومة. فالجماهير لا تدعم لوبيز أوبرادور فقط، بل تدعمه بحماس شديد والدموع في أعينها. ما هو السر في هذه التركيبة الغريبة؟ السر بكل بساطة هو: أن الجماهير قد نهضت من حياة اللامبالاة وانخرطت في النضال. لقد بدأت تشعر بقوتها وسلطتها الجماعية. وهي تربط هذا بالرجل الذي توحدت الحركة حوله. فمن وجهة نظرها صار لصورة لوبيز أوبرادور دلالة جبارة أسطورية تقريبا.
لقد أعطت صحيفة The Nation وصفا دقيقا للمزاج السائد بين الجماهير: « لقد بدأوا يزورون الأضرحة والهياكل ويصلون من أجل تدخل العناية الإلهية. مئات الأشخاص حجوا إلى ضريح عذراء غوادالوبي، بعضهم حج على ركبتيه، ليطلبوا من السيدة العذراء أن تستخدم قوتها. "الله لا يحب حزب العمل الوطني!" هكذا ينشدون بينما هم يسيرون في الشارع الكبير الذي يقود إلى باسيليكا. وقد قالت إيستر أورتيز، جدة تبلغ من العمر سبعين عاما، لمراسل صحفي وهي تصلي أمام الهيكل المذهب: "إن لوبيز أوبرادور يستحق معجزة".»
بعض الكنائس عرضت شريط فيديو يقال فيه أن لوبيز أوبرادور سوف يدمر الأسرة المكسيكية، الشيء الذي دفع ببعض الأشخاص إلى مغادرة الكنائس. ويظهر نفس التقرير الغليان الاجتماعي الهائل الذي وصل صداه إلى داخل الكنائس:
« في كاتدرائية العاصمة المتواجدة في أحد جوانب ساحة زوكالو، قاطع متعبد شاب الكاردينال نوربيرطو ريفيرا برفعه لشعارات مؤيدة للوبيز أوبرادور، ليتم إخراجه بسرعة من الكنيسة من طرف الحراس. وفي يوم الأحد الموالي، كانت الأبواب الكبرى للكاتدرائية تحت حراسة مشددة، ووضع مرتادو الكنيسة تحت الرقابة لكشف أي مؤشر عن تأييد لوبيز أوبرادور. وقد احتشد مئات من مؤيدي أوبرادور أمام الهيكل القديم يصيحون "voto por voto!" وبأن الكاردينال ريفيرا شاذ جنسيا.» (The Nation، 25 غشت)
تُظهر الأسطر التي استشهدنا بها أعلاه تغييرا عميقا في مزاج الجماهير ونظرتها للأمور. إن الناس الذين تتحدث عنهم هذه السطور ليسو مناضلين سياسيين بل رجال ونساء الطبقة العاملة المكسيكية العاديين، الذين نهضوا إلى النضال ليس بفضل قراءتهم للكتب والنظريات، بل بفضل الحياة نفسها. إنهم لا يمتلكون نظرية واضحة محددة. إنهم لا يزالون تحت تأثير الدين، لكن هكذا كان حال العمال الروس إبان الثورة الأولى.
إن ما حدث في المكسيك هو تأكيد تام للتحليل الماركسي. ففي الصراع بين لوبيز أوبرادور وفيسنتي فوكس قدم الماركسيون المكسيكيون دعما نقديا للوبيز أوبرادور. لقد شاركوا إلى جانب الجماهير في الحملة الانتخابية ودعوا إلى التصويت لمرشح حزب الثورة الديموقراطية وفي نفس الوقت طالبوا بتطبيق برنامج اشتراكي. وقد وجد هذا الموقف الصحيح صدى كبيرا لدى الجماهير التي كانت تناضل من أجل إسقاط حكومة فوكس.