بوليفيا: الرئيس الجديد يحاول إيقاع حركة الجماهير في الفخ البرلماني

بقلم: خورخي مرتين

 

          بعد ثلاثة أسابيع من النضال الذي اتخذ أبعادا ثورية، صار لبوليفيا الآن رئيس جديد، بينما العمال و الفلاحون يناقشون كيف يواصلون النضال.

يوم 9 يونيو، حاول رئيس البرلمان، فاكا دييز (Vaca Diez)، أن يحصل من البرلمان على قرار بانتخابه رئيسا للجمهورية بعد استقالة ميسا (وهي الاستقالة التي يجب أن تحصل على موافقة البرلمان لتصبح سارية المفعول). كان صعود حكومة فاكا دييز سوف يعني تدخل الجيش "لإعادة النظام". و هو ما يعتبر الخيار المفضل لدى السفارة الأمريكية.

لقد أعطت حكومة ميسا الدليل على عجزها المطلق عن إيقاف التجدر المتزايد لحركة العمال و الفلاحين. إذ امتدت حركة الإضرابات من إيل ألطو (El Alto)  و لاباث (La Paz) إلى مناطق أخرى، من قبيل بوتوسي (Potosi) و كوشبمبا (Cochabamba ). كما تم تنظيم إغلاقات للطرق في أكثر من 100 نقطة من الشبكة الطرقية للبلاد.

يوم 8 يونيو، نظمت منظمات العمال و سكان المدينة العمالية، إيل ألطو و شمال لاباث، جمعية شعبية هددت بأن تصير جهازا لسلطة بديلة للحكومة الرأسمالية. لقد كانت الطبقة السائدة مستعدة للتخلي عن ميسا و استخدام الجيش للقضاء على هذه التحركات.

و من جهتهم دعم كل من ميسا و موراليس(Morales ) - قائد (MAS)-، تعيين رئيس المحكمة العليا إدواردو رودريغيز(Eduardo Rodriguez)  كبديل. يعني هذا من الناحية التقنية انه على كل من فاكا دييز و كوسيو (Cossio) ـ رئيسي الغرفتين ـ أن يقدما استقالتهما هما أيضا. إن المبرر الذي قدم لصالح تولية رودريغيز، هو كونه يمتلك الحق الدستوري للدعوة إلى انتخابات سابقة لأوانها. و لم تتم الإشارة هنا لا للجمعية التأسيسية (التي يعتبرها قادة "MAS" هي الحل) و لا لتأميم قطاع النفط و الغاز (الذي يعتبر أهم مطلب للحركة). لقد استوعب ميسا أن استعمال الجيش ضد الشعب سوف لن يؤدي إلا إلى مفاقمة الأزمة، و سيدفع حتى بأكثر قطاعات الحركة اعتدالا إلى دعم إستراتيجية السلطة العمالية.

للحيلولة دون تنصيب فاكا دييز، الذي قام بنقل البرلمان إلى مدينة سوكر (Sucre) "الآمنة" (بعيدا عن العمال و الفلاحين المتجدرين في لاباث)، اتحدت جميع القطاعات المشكلة للحركة لمحاصرة سوكر و منع ذلك من الحدوث.

لقد زادت مناورة فاكا دييز هاته من تسعير غضب الجماهير و أعطت دفعة جديدة للحركة. ففي كوشبمبا (حيث تتمتع "MAS" بنفوذ قوي) صادق اجتماع جماهيري لمجلس موسع (Cabildo Abierto) ضم 60000 شخص على توصية تضمنت الخطوط التالية: "إن مجلس ـ Cabildo ـ شعب كوشبمبا قرر تنظيم جمعية شعبية و بناء حكومة العمال و الفلاحين، متبعا في ذلك خلاصات اللقاء الموسع لنقابة (COB) و اجتماع لجان الأحياء لمدينة إيل ألطو". و تضمنت هذه التوصية كذلك نقاطا أخرى هي أقرب إلى مواقف قادة (MAS) ـ من قبيل الدعوة إلى جمعية تأسيسية ـ لكن كان واضحا أن المطلب الرئيسي هو تأميم قطاع المحروقات. إن هذا تعبير واضح جدا عن تجدر حتى تلك القطاعات التي التحقت مؤخرا بالنضال و في مناطق لا يزال فيها لقادة (MAS) نفوذ قوي.

في تظاهرة لاباث التي نظمت في اليوم نفسه، كان هناك حضور قوي للعمال الصناعيين. و لقد صرح ماكس تولا، القائد العمالي في مصنع الجعة، (الذي يعتبر واحدا من أكبر المصانع في لاباث): "لا يمكن للبرجوازية أن تقدم أي حل سياسي. إن ما نطالب به نحن هو التأميم و حسم السلطة من طرف العمال. إن شعارنا هو السلطة للعمال و الفلاحين". (المرجع: Econoticiasbolivia.Com, 9 junio).

و صرح فرانسيسكو كويسبي، زعيم فيدرالية العمال في لاباث :"إذا لم تتم الاستجابة إلى مطلب التأميم فإننا سنواصل النضال. إن التأميم هو الطريق الوحيد لخلق مناصب شغل أكثر و القضاء على الجوع و البؤس اللذان يسحقاننا. إن الحل الوحيد بالنسبة لنا هو حسم السلطة من طرف العمال". (مصدر سابق). إن واحدا من أهم مميزات الحركة ، خاصة في لاباث و إيل ألطو، هي فقدان الثقة ليس في هذا السياسي البرجوازي أو ذاك فحسب، بل في مجمل مؤسسات الديمقراطية البرجوازية.

في الوقت الذي كان من المفترض فيه انعقاد جلسة البرلمان، كان هناك عدد هائل من الجماهير الشعبية يتظاهرون في شوارع سوكر (بما فيهم عمال منجميون و فلاحون و معلمون..الخ). بعد فترة عملت الجماهير على إغلاق المطار أيضا والتحق عمال المطار بالإضراب، لمنع أعضاء البرلمان ( الذين اضطروا إلى المجيء إلى المدينة جوا بسبب إغلاق جميع الطرق الرئيسية بالمتاريس ) من مغادرة المدينة دون إذن الجماهير. لقد تم تعليق الجلسة. و في فترة الظهيرة جاءت الأخبار بسقوط أحد عمال المناجم قتيلا، إثر مواجهات مع الجيش، الذي حاول إنهاء أحد إغلاقات الطرق. لقد أدى هذا الحدث إلى تسعير التوتر أكثر. مما جعل فاكا دييز يفر للاختباء في أحد الثكنات العسكرية، بينما عاد البرلمانيون إلى غرف فنادقهم الآمنة. لقد صارت السلطة في الشارع فعلا، و اجتاحت البلاد إشاعات حول حدوث انقلاب عسكري.

أخيرا، و مع حلول المساء كانت محاولة تنصيب فاكا دييز رئيسا للبلاد قد فشلت. لقد زاد قتل العامل المنجمي، على أحد المتاريس، من تجدر الحركة إلى درجة أن تولية فاكا دييز كانت سوف تؤدي إلى حدوث انتفاضة عامة. فقدم فاكا دييز و كوسيو استقالتهما و تم انتخاب رودريغيز. كل هذا في جلسة قصيرة جدا. إن الطريقة التي تمت بها المراسيم تبين بوضوح حقيقة أنها حدثت تحت ضغط الجماهير في الشوارع. و قد تم التخلي عن جميع الشكليات الدستورية. الفرقة التي غنت النشيد الوطني كان صوتها خافتا و كذلك صوت النواب البرلمانيين القلائل اللذين حضروا الجلسة. لم يتوصل الرئيس الجديد بالوسام الرئاسي الرسمي و لا بـ "العصا" الرئاسية، اللتان كانتا لا يزالان عند ميسا، الذي بقي في لاباث. لقد كانت الجلسة قصيرة و بدا أغلب البرلمانيين مذعورين. إن هذا كان تعبيرا واضحا عن موازين القوى السائدة في البلاد. لقد تمكنت الجماهير من أن تفرض فعلا ـ  عبر تحركاتها في الشوارع ـ حقها في الفيتو على أي قرار يتخذه البرلمان.

لقد احتفلت الجماهير في سوكر بما اعتبرته نصرا. إلا أن الحركة كان بإمكانها أن تسير أبعد مما سارت عليه لو أن قادة (MAS)  لم يعملوا على تقديم دعمهم لهذه المناورة البرلمانية، مسخرين في ذلك كل السلطة التي يمتلكونها. لقد عمل قادة (MAS)، مباشرة، على توجيه دعوة إلى مغادرة المتاريس و وقف الإضراب، الشيء الذي حدث فعلا في تلك المناطق التي لديهم فيها نفوذ قوي.

مباشرة بعد توليته ، تلقى رودريغيز دعم السفارة الأمريكية و فيدرالية العمال و الكنيسة الكاثوليكية. بينما رد باطانا (Patana)، قائد المركزية العمالية الجهوية (COR) في إيل ألطو، و سوروكو (Soruco)، قائد فيدرالية الأساتذة في نفس المدينة، قائلين: "إن نضالنا هدفه تأميم قطاع المحروقات، و ليس مجرد تعويض مهرج بمهرج آخر" و قالوا بأنهم سوف يواصلون النضال .

يوم 10 يونيو، انعقد اجتماع طارئ في إيل ألطو، قرر الاستمرار في النضال. و قد صرح أبيل ماماني (Abel Mamani)، رئيس فيدرالية لجان الأحياء (FEJUVE)، قائلا : "إننا سوف نواصل النضال، بغض النظر عن من هو الرئيس. إننا لم نكن نطالب باستقالة ميسا بل بتأميم قطاع الغاز. لاهدنة!". (Econoticiasbolivia.com 10 junio) و قال باطانا: " إن التأميم لم يتحقق بعد و لا أحد في الحكومة يريد سماع الحديث عنه. بل حتى إيفو موراليس (Evo-Morales) نفسه لم يشر إلى الموضوع إلا بعد ما تجاوزته القواعد. " و قال ألفاريز (Alvarez)، قائد نقابة المعلمين القرويين في لاباث: " لقد عاشت إيل ألطو هذا النوع من الانتقال السياسي عندما عوض ميسا لوسادا (Losada) و استمر في الحكم لصالح الشركات متعددة الجنسيات و الأغنياء. سوف لن نعيد نفس الخطأ مع رودريغيز". كما قال ويلما بلاطا(Wilma Plata) ، من نقابة معلمي لاباث: " يجب علينا ألا ننخدع بالمناورات البرجوازية التي دفعت إلى السلطة [برودريغيز] المستشار السابق في السفارة الأمريكية، و شريك سانشيز بيرزاين (Sanchez Berzain)  المقرب. [ بيرزاين كان وزيرا في حكومة لوسادا و هو المسئول عن مجزرة إيل ألطو في أكتوبر 2003]. لقد قرر اجتماع إيل ألطو الطارئ، إعطاء رودريغيز مهلة 72 ساعة لتأميم النفط و الغاز.

تبنى ممثلو الفلاحين و الشعوب الأصلية في أقاليم لاباز العشرين نفس المطالب و قرروا الاستمرار في إغلاق الطرقات و التعبئة و عدم تمكين رودريغيز من أية هدنة. و قد صرح قائد نقابة توباك كاتري،  للفلاحين و العمال قائلا: "لم يعملوا سوى على تغيير مهرج بآخر". و أضاف:" لقد سبق لنا أن سمحنا لميسا سنة 2003، لكننا لم نحقق أي شيء، سوف لن يخدعوننا مرة أخرى" (المرجع: Bolpress).

من جهتها قررت تعاونية عمال المناجم بلاباث تمكين الحكومة الجديدة من مهلة عشرة أيام و إيقاف التحركات خلال تلك الفترة. و صرحوا: "إن الحكومة الجديدة قد حددت على رأس أولوياتها تأميم النفط و الغاز و الدعوة إلى جمعية تأسيسية" لكنهم هددوا قائلين: "إن عمال المناجم كانوا هنا و سوف يعودون إذا ما اقتضت الضرورة".

قد قررت تنسيقية الماء و الغاز (Coordinadora del Agua y el Gaz) بكوشبمبا إعلان هدنة فسرتها بتعب الجماهير بعد عشرين يوما من التحركات و بالرغبة في إعطاء الوقت الكافي لسماع ما سيقوله رودريغيز. هذا في الوقت الذي أكدوا فيه، في بيانهم، أن المطالب الأساسية لم تنجز (مطلب تأميم المحروقات و تنظيم جمعية تأسيسية). كما تمت الإشارة إلى ضرورة بناء حكومة شعبية في التحركات المقبلة و أنه يجب مستقبلا أن لا يتم الاكتفاء باحتلال و إغلاق مصاف النفط و الغاز، بل يتوجب تشغيلهم لصالح الشعب.

لقد قدم لويزا (Loayza)، الزعيم الفلاحي في MAS، مهلة عشرة أيام للرئيس الجديد للاستجابة لمطالب الحركة. في نفس الوقت، استعمل قادة MAS خاصة منهم إيفو موراليس، الإذاعة و التلفزة للدعوة إلى رفع المتاريس و إنهاء الإضراب.

سوف يتضح جليا خلال الأيام القليلة المقبلة، أي من الإستراتيجيتين ستنال دعم الحركة. هل تلك التي يفضلها قادة MAS و الداعية إلى إعطاء مهلة للحكومة و إيلائها الثقة، أو إستراتيجية COB و إيل ألطو المبنية على اللاهدنة و مواصلة النضال.

من الجد محتمل أن تنتصر الإستراتيجية الأولى مؤقتا. فرودريغيز يمتلك إلى جانبه دعم وسائل الإعلام و الكنيسة الكاثوليكية،..الخ، كما يقف إلى جانبه موراليس بكل النفوذ الذي يتمتع به، خاصة خارج لاباث و إيل ألطو، و بين فئات واسعة من الجماهير (مزارعوا الكوكا، تعاونيات عمال المناجم). و أخيرا الشعور الطبيعي بالتعب الذي بدأت تحس به القطاعات الأكثر جذرية و التي هي في نفس الوقت القطاعات التي ناضلت أكثر.

يوم الأحد 13 يونيو كان هناك اجتماع بين ممثلي إيل ألطو و الرئيس الجديد رودريغيز. حيث شرح الرئيس لهم أنه لا يستطيع القيام بأي شيء فيما يتعلق بمطالب الحركة الأساسية، أي تأميم الغاز و النفط، لأن هذا سوف يكون مسؤولية البرلمان الجديد الذي سوف يتم انتخابه خلال انتخابات سابقة لأوانها. إن هذا يبين لنا بوضوح ما هو دور رودريغيز: صرف حركة العمال و الفلاحين عن النضالات الثورية في الشوارع نحو حقل الديمقراطية البرجوازية الآمن. لقد تحدث ممثلوا فيدرالية لجان الأحياء (FEJUVE) و أعضاء (COR) بإيل ألطو و آخرون، في نهاية اللقاء، بلهجة قوية. فأعضاء فيدرالية لجان الأحياء يتظاهرون اليوم في لاباث، و غدا ستأخذ (COR) في إيل ألطو دورها و ستنظم مجلسا شعبيا موسعا لنقاش مستقبل النضالات.

إلا أنه من غير المحتمل أن يحصل رودريغيز على مثل تلك الهدنة الطويلة نسبيا ـ 18 شهرا ـ التي استفاد منها ميسا. إذ من جد المحتمل أن لا يستمر طويلا. على عكس ما كان عليه الحال في شهر أكتوبر 2003، حيث كان هدف الحركة معارضة بيع الغاز للشيلي، فإنها الآن صارت تملك مطالب أكثر وضوحا و حدة و بمضمون سياسي أكبر: تأميم الغاز و النفط. لقد سبق للجماهير أن مرت من تجربة تحوير مسار حركتها الثورية نحو السياسات البرلمانية و تأكدت أن ذلك لم ينفع. إن فكرة الحاجة إلى حكومة عمال و فلاحين قد غرست جذورها عميقا في أذهان شرائح واسعة من العمال و الفلاحين، في إيل ألطو و لاباث خصوصا، لكن كذلك في باقي أنحاء البلاد الأخرى.

إن تأسيس جمعية وطنية شعبية يشكل خطوة عظيمة إلى الأمام بالنسبة للحركة، بالرغم من أنها ما تزال جنينية و لا تمتلك سلطة سياسية سوى في بعض المناطق. إن رودريغيز سوف يكون عاجزا عن تلبية مطالب الجماهير. و سوف يؤدي هذا إلى دفع حتى أشد الفئات اعتدالا بين الجماهير إلى تبني مواقف أكثر جذرية.

إن المعركة المقبلة سوف تكون حاسمة. يجب أن يعطى للجمعية الشعبية مضمون محدد و يجب أن يتم امتلاك إستراتيجية عمالية واعية طبقيا لشق صفوف الجيش و الشرطة. يجب على جماهير العمال و الفلاحين أن يستوعبوا الدروس السياسية لهذه المرحلة من النضال. إن المهمة الآن هي بناء منظمة (مشكلة من أكثر المناضلين الثوريين تقدما) قادرة على قيادة الجماهير نحو النصر في المرحلة المقبلة. و على حد تعبير زوبيطا (Zubieta)، زعيم فيدرالية عمال المناجم: "يتوجب علينا أن نواصل بناء هذه الحكومة الموازية بهدف بناء سلطتنا و إقامة حكومة عمال و فلاحين".

إن ما ينقص، مع الأسف، هو وجود قيادة ثورية، داخل منظمات إيل ألطو، قادرة على تطوير فكرة أنه يجب علينا حكم أنفسنا بأنفسنا.

الثلاثاء 14 يونيو 2005

 

العنوان الأصلي للنص:

Bolivia: New President tries to devert the movement towards parliamentary trap.

  أمريكا اللاّتينيّة / الصفحة الرئيسية