|
بيان التيار الماركسي الأممي حول
الأزمة الاقتصادية:
إن هذه الكلمات المقتبسة من البيان الشيوعي، الذي كتب سنة 1848، ما تزال آنية وراهنية اليوم مثلما كانت عليه آنذاك. حتى ليمكن القول إنها كتبت بالأمس. إن المسألة الأكثر أهمية، في كل الحالات، ليست هي البنك بل الاقتصاد الحقيقي: أي إنتاج السلع والخدمات. من أجل تحقيق الربح، يجب إيجاد سوق. لكن الطلب في تراجع مستمر، ويتفاقم هذا التراجع بفعل غياب القروض. إننا نقف أمام أزمة كلاسيكية للنظام الرأسمالي، قد بدأت تضرب العديد من الضحايا الأبرياء. إن انهيار أسعار المنازل في الولايات المتحدة أدى إلى حدوث أزمة في قطاع البناء، الذي فقد من الآن مئات الآلاف من مناصب الشغل. قطاع صناعة السيارات في أزمة، حيث تسجل المبيعات أدنى مستوى لها منذ 16 سنة. وهذا بدوره يعني تراجع الطلب على الحديد، والبلاستيك، والمطاط،، والكهرباء، والنفط، وغيرها من المنتجات. سوف يكون له تأثير هائل على جميع قطاعات الاقتصاد، مما سيعني ارتفاع البطالة وانهيار مستويات العيش. فوضى الرأسمالية لقد قيل لنا طيلة السنوات الثلاثين الأخيرة، أو أكثر، إن أفضل نظام اقتصادي ممكن هو ما يدعى باقتصاد السوق الحرة. ومنذ أواخر السبعينات والشعار الأساسي للبرجوازيين هو: "دعوا السوق يسير" و"أبعدوا الدولة عن الاقتصاد". كان من المفترض في السوق أن تمتلك قوى سحرية تمكنها من تنظيم القوى المنتجة بدون أي تدخل من طرف الدولة. تعود هذه الفكرة إلى زمن أدم سميث الذي كان خلال القرن الثامن عشر يتحدث عن "اليد الخفية للسوق". وطالما افتخر السياسيون بالاقتصاديين بكونهم ألغوا الدورة الاقتصادية. وطالما كرروا مقولة: "لا عودة إلى دورة الازدهار والأزمات".
هناك قانون قديم جدا يحكم السوق، إنه قانون غريزة القطيع. إذ تثير أقل رائحة للأسد في الغابة موجة رعب في القطعان لا يمكن لأي شيء إيقافها. هذه هي الآلية التي تحدد مصير ملايين الناس. هذه هي حقيقة اقتصاد السوق. فبالضبط مثلما يمكن للحيوانات أن تشعر بوجود الأسد، يمكن للأسواق أن تشعر بقرب حدوث الركود. إن احتمال حدوث الركود هو السبب الحقيقي للرعب. وبمجرد ما يدب الرعب في النفوس، لا شيء يمكنه أن يوقفه. فلا الخطابات المطمئنة، ولا كل التخفيضات في معدل الفائدة، ولا جميع المنح المقدمة للأبناك، سيكون لها أي تأثير على الأسواق المالية. سيرى الناس أن الحكومات والأبناك المركزية مرعوبة، ومن ثم سيستخلصون الخلاصات الضرورية. إن الرعب الذي اجتاح الأسواق يهدد بإفشال جميع المحاولات التي تقوم بها الحكومات لمحاصرة الأزمة. لن تنجح أي من تلك الإجراءات اليائسة المتخذة من طرف الاحتياطي الأمريكي والحكومات الأوربية والأبناك المركزية، في إيقاف الذعر الجماعي. إن ما يعطي للفضيحة الحالية أثرا أكثر حدة هو أن نفس هؤلاء الناس الذين يصرخون اليوم طلبا للنجدة من طرف الدولة، هم أنفسهم من كانوا دائما يقولون بأنه ليس للحكومة أي دور تلعبه في الاقتصاد، وإن يجب السماح لاقتصاد السوق الحرة أن تعمل بدون أي تنظيم أو أي شكل من أشكال تدخل الدولة. إنهم الآن يشتكون بمرارة من أن الأجهزة المنظمة للاقتصاد لم تقم بدورها كما يجب. لكن ولحدود وقت قريب جدا كان هناك اتفاق عام على أن الدور الوحيد الذي يمكن للأجهزة المنظمة للاقتصاد أن تلعبه هو بكل بساطة ترك السوق وشأنها. إن كلاب الحراسة هؤلاء محقون عندما يقولون إنه ليس من شأنهم أن يسيروا الأبناك، لأن هذا هو الشعار الذي كان سائدا طيلة الثلاثين سنة الأخيرة. لقد كانت الأجهزة المنظمة للاقتصاد عاجزة في كل مكان عن أن تتحكم في "تجاوزات" القطاع المالي. إذ طيلة العقود الثلاثة الأخيرة كان جميع المدافعين عن السوق الحرة يطالبون بإلغاء الأجهزة المنظمة للاقتصاد. كان من المفترض أن التنافس بين المراكز المالية سيضمن اشتغال الأسواق بطريقة فعالة، بفضل اليد الخفية للسوق. إلا أن إفلاس سياسة "دعه يعمل" هذه اتضح بجلاء خلال صيف 2007. وهاهم الآن كلهم يلطمون خدودهم ويشتكون من عواقب تصرفاتهم. إن المجتمع يدفع الآن ثمن السياسات التي حاول من خلالها الرأسماليون وممثلوهم السياسيون أن يحافظوا على استمرار فترة الازدهار عبر الاستمرار في نفخ الفقاعة المضارباتية. كانوا جميعا مشاركين في هذه الخدعة الكبرى. الجمهوريون والديمقراطيون، حزب العمال والمحافظين، الاشتراكيون الديمقراطيون و"الشيوعيون" السابقون، جميعهم صفقوا لاقتصاد السوق ولكرنفال ربح الأموال السعيد. من السهل جدا أن يكون المرء حكيما بعد وقوع الحدث، ومثلما يفعل جميع المخمورين صبيحة حفل صاخب، بعد أن ينهضوا والصداع يشق رؤوسهم، هاهم جميعا يقسمون بكونهم قد تعلموا الدرس، وإنهم لن يعودوا مجددا لشرب الخمر، وهو الوعد الذي يصممون بصدق على الوفاء به، إلى حين موعد الحفل التالي. والآن يدس المراقبون الماليون أنوفهم حتى في أبسط شئون الأبناك، لكن فقط بعد أن صارت الأبناك على حافة الهاوية. أين كانوا من قبل؟ الجميع يلومون الآن البنكيين الجشعين على التسبب في الأزمة. لكن بالأمس فقط كان نفس هؤلاء البنكيين الجشعين يوصفون من طرف الجميع بكونهم منقذو الأمة، وبكونهم خالقو الثروات، ومتحملو المخاطر، ومانحو منصب الشغل. العديد من موظفي بورصة لندن ووول ستريت مهددون الآن بفقدان مناصب شغلهم، لكن المضاربين حققوا الملايين بفضل المضاربات القصيرة الأمد. لقد سمح المراقبون باستمرار عمل الكازينو لأن رواتبهم مرتبطة هي أيضا بالنتائج القصيرة الأمد. تحاول السلطات، بعد فوات الأوان، أن تفرض القيود على أجور كبار مدراء الأبناك مقابل تطبيقها لسياسة الإنقاذ المالي. إنهم لا يقومون بذلك بسبب مبدأ أو بناء على قناعة منهم، بل لأنهم يخافون من رد فعل الجماهير على فضيحة المكافئات الضخمة التي تقدم من الميزانية العامة إلى نفس هؤلاء الأشخاص الذين تسببوا في فوضى الاقتصاد. إن هؤلاء السادة غير واعين بمزاج الغضب والكره الذي يتصاعد داخل المجتمع، أو أنهم لا يبالون به. لكن السياسيين لا يمكنهم أن يتجاهلوا بشكل كلي المزاج السائد بين المصوتين الذين يمكنهم أن يسقطوهم خلال الانتخابات التالية. لكن المشكل الذي يواجهونه هو أنه من المستحيل فرض النظام على الفوضى الرأسمالية. إنهم يشتكون من الجشع، إلا أن الجشع مكون بنيوي لاقتصاد السوق ويجب ألا يقيد. كل المحاولات التي تبذل للحد من المكافئات والعلاوات "المبالغ فيها" ستقابل بالرفض. سوف تعبر السوق عن عدم رضاها عن ذلك من خلال انهيار فجائي لأسعار الأسهم. الشيء الذي سوف يؤدي إلى لفت انتباه واضعي القوانين ويجبرهم على الانتباه للمصوتين الحقيقيين، أي: مالكو الثروة. عندما يضحي عامل ما بعلاوة في الأجر خلال هذه السنة فإن ذلك المال يضيع إلى الأبد. لكن ليست نفس القاعدة تطبق على كبار مدراء الأبناك والرأسماليين. إذ حتى وإن قبل هؤلاء الأخيرين، لأسباب قاهرة، بالتقليص من المكافئات التي يحصلون عليها هذه السنة، فإنهم سيكافئون أنفسهم على هذه "التضحية" العظيمة بالرفع من المكافئات التي يحصلون عليها في السنة التالية. ليست المسألة صعبة على الإطلاق. إن الفكرة القائلة بأن الشعب عاجز عن تسيير شئونه بطريقة أفضل مما هو الحال الآن، ليست سوى افتراء بشع في حق الجنس البشري. فطيلة العشرة آلاف سنة الماضية أبانت الإنسانية عن أنها قادرة على التغلب على جميع العراقيل والتقدم نحو الهدف النهائي، نحو الحرية. تضع الاكتشافات الرائعة، التي تشهدها ميادين العلوم والتكنولوجيا، بين أيدينا وسائل حل جميع المشاكل التي أرهقتنا طيلة قرون عديدة. لكن هذه الإمكانيات العظيمة لن يمكن تطويرها إلى أقصى حدودها ما دامت رهينة بنظام السعي وراء الربح. من أجل حياة أفضل والعجيب حقا هو أن بعض المعلقين، وفي سياق سعيهم إلى الدفاع عن الرأسمالية، يحاولون إلقاء اللوم على المستهلكين ومقتنيي المنازل، يقولون بدون خجل: "الجميع مسئولون"، ويحتجون قائلين بأنه لا أحد أجبرنا على أخذ رهن عقاري بـ 125%، ولا على الاقتراض من أجل أداء ثمن عطلة بالخارج وأحذية فاخرة. لكن في ظل وضع يكون الاقتصاد بصدد النمو بسرعة، وتكون القروض رخيصة، حتى الفقراء يميلون إلى "العيش في مستوى يفوق إمكاناتهم". في الواقع كانت معدلات الفائدة الحقيقية، في فترة معينة بالولايات المتحدة، سلبية، مما يعني أن الناس كانوا يعاقبون على عدم أخذ قروض. إن الرأسمالية تخلق بشكل مستمر حاجيات جديدة، والإشهار صار الآن صناعة ضخمة، تستعمل أكثر الوسائل تعقيدا لإقناع المستهلكين بأنه يجب عليهم الحصول على هذا المنتج وذاك. حيث يتم عرض نمط حياة البذخ التي يعيشها "المشاهير" الأثرياء أمام أنظار الفقراء، ويضفى عليها صورة خادعة ويتم غسل دماغ الناس لجعلهم يحلمون بأشياء لا يمكن أبدا أن تكون في ملكهم. بعد ذلك يقوم المنافقون البرجوازيون بتوجيه أصبع الاتهام إلى الجماهير المحكوم عليها، مثل Tantalus ا(2)، بأن تشاهد مأدبة فاخرة بينما هي تعاني من آلام الجوع والعطش.ليس هناك أي شيء غير أخلاقي أو غير منطقي في التطلع إلى حياة أفضل. ولو لم يكن الإنسان يتطلع دائما إلى شيء أفضل، لما حدث أي تقدم مطلقا. ولغرق المجتمع في مستنقع من الركود والسلبية. ينبغي علينا بالتأكيد أن نتطلع إلى حياة أفضل، لأننا لا نعيش إلا حياة واحدة فقط. وإذا كان ما يوجد الآن هو كل ما يمكننا التطلع إليه، فإن مستقبل الإنسانية سيكون كئيبا حقا. إن الشيء الغير أخلاقي والغير إنساني فعلا هو هذا التنافس المسعور الذي تخلقه الرأسمالية، حيث ينظر إلى الجشع الأناني بإجلال ليس فقط باعتباره ميزة، بل أيضا باعتباره المحرك الأساسي لكل التقدم الإنساني. تؤمن الطبقة الرأسمالية بما يسمى بمبدأ البقاء للأصلح. إلا أنها لا تعني بهذا أن البقاء للناس الأصلح والأكثر ذكاء، بل تعني به البقاء للأغنياء فقط، مهما كانوا غير أكفاء، وأغبياء، وقبيحين، أو سقيمين، ولا يهم كم عدد الناس الصالحين والأكفاء والأذكياء الذين يموتون آنذاك. الفكرة التي يتم نشرها بشكل منهجي هي أن تطور الفرد يجب أن يكون على حساب كل الآخرين، وأن جشعه الأناني يجب أن يلبى عبر خسارة الآخرين، وأنه لكي يتقدم المرء يجب عليه أن يسحق الآخرين. إن هذه الفردانية البرجوازية المشئومة هي الأساس النفسي والأخلاقي للعديد من الأمراض التي تصيب المجتمع حاليا، وتنخر أحشائه وتجره إلى مستويات الهمجية البدائية. إنها أخلاق أكلة لحوم البشر، وعقلية "فليأتي الطوفان من بعدي". إن هذه الصورة الكاريكاتورية عن الانتخاب الطبيعي إهانة لذكرى شارل داروين. في الحقيقة كان التعاون، وليس الصراع، هو السر في بقاء وتطور الجنس البشري منذ بداياته الأولى. لقد كان أسلافنا في غابات السافانا الإفريقية (على اعتبار أننا جميعا ننحدر من مهاجرين أفارقة) كائنات صغيرة وضعيفة. لقد كانوا يفتقرون إلى المخالب والأسنان القوية. لم يكونوا يستطيعون الركض بمثل سرعة الحيوانات التي كانوا يريدون التهامها أو المفترسات التي كانت تريد الانقضاض عليهم. بتطبيق نظرية "البقاء للأصلح" كان على جنسنا أن ينقرض قبل حوالي ثلاثة ملايين سنة. إن الامتياز التطوري الرئيسي الذي امتلكه أسلافنا كان هو التعاون والإنتاج الاجتماعي. لقد كانت الفردانية في ظل تلك الظروف ستعني الموت المحقق. تغير الوعي
إن الانهيارات الاقتصادية التي نتابع أخبارها كل يوم على صفحات الجرائد وشاشات التلفزيون، تحكي لنا قصة معناها واضح للجميع، وهي أن: النظام الرأسمالي القائم لم يعد صالحا. لقد أفلس تماما. ليست هناك أموال للرعاية الصحية، ولا للمدارس أو المعاشات، لكن عندما يتعلق الأمر بوول ستريت فإن هناك كل أموال الدنيا. وعلى حد تعبير الكاتب الأمريكي العظيم، غور فيدال، إن ما لدينا هو الاشتراكية لصالح الأغنياء واقتصاد السوق الحرة للفقراء. لقد بدأ الكثير من الناس العاديين يستخلصون الخلاصات الصحيحة من كل هذا. لقد بدءوا يساءلون النظام الرأسمالي ويبحثون عن بديل. لكن ليس هناك مع الأسف أي بديل جاهز. مما يجعل الناس في أمريكا يولون وجوههم جهة أوباما والديمقراطيين. إلا أن الجمهوريين والديمقراطيين لا يشكلان سوى فردتي حذاء يمنى ويسرى في أرجل كبار الرأسماليين. وحسب غور فيدال مرة أخرى: "ليس هناك في جمهوريتنا سوى حزب واحد، إنه حزب الملكية الخاصة، بجناحين يمينين". كلاّ من أوباما وماك كاين ساندا بحماس خطة الإنقاذ المالية القاضية بمنح الشركات الكبرى مبلغ 700 مليار دولار. إنهما يمثلان نفس المصالح، مع بعض الاختلافات الطفيفة في التكتيك. سوف يكون لهذه الحقيقة تأثير جبار على الوعي. من البديهيات في الماركسية القول بأن الوعي الإنساني محافظ جدا. إن الناس بشكل عام لا يحبون التغيير. إن العادة والتقاليد والروتين تلعب دورا هاما جدا في تشكيل نظرة الجماهير إلى الأشياء. والتي تقاوم عادة فكرة إجراء تعديل شامل في حياتهم وعاداتهم. لكن عندما تهز المجتمع أحداث عظيمة من أساسه، يجبر الناس على إعادة النظر في أفكارهم القديمة ومعتقداتهم القديمة وأحكامهم المسبقة. لقد دخلنا للتو هذه المرحلة. إن المرحلة الطويلة من الازدهار النسبي التي استمرت عقدين من الزمن أو أكثر، في البلدان الرأسمالية المتقدمة، باستثناء الركود القصير الأمد الذي حدث سنة 2001، تركت بصماتها. بالرغم من كل مظالم الرأسمالية، وبالرغم من ساعات العمل الطويلة، وتكثيف الاستغلال، واللامساواة الفاضحة، والبذخ الفاحش للأثرياء الذي يستعرض بوقاحة أمام الأعداد المتزايدة من الفقراء والمهمشين، بالرغم من كل هذا، كان أغلب الناس يعتقدون أن اقتصاد السوق كان صالحا وسيبقى صالحا. ويصدق هذا القول بالخصوص على الولايات المتحدة الأمريكية. لكن بالنسبة لعدد متزايد من الناس لم يعد كل هذا صحيحا.
الجزء الثاني» عنوان النص بالإنجليزية: The Crisis: Make the bosses pay! - Manifesto of the International Marxist Tendency – Part One |