العمال والطلاب الفرنسيون يتحدون ضد قانون عقد العمل الأول:
لا لجميع العقود التي تضرب استقرار الشغل


www.marxy.com


مايكل دوثو
الخميس: 16مارس 2006

 

شهور قليلة بعدة انتفاضة شباب الضواحي، وجدت فرنسا نفسها، مرة أخرى، في قلب انتفاضة شبابية ثانية واسعة النطاق. خلال خريف السنة الماضية شهدنا انتفاضة لشباب ضواحي المدن المحرومين ضد البطالة وتدني الأجور وغياب البنية التحتية والبؤس والتمييز العنصري. لقد انطفأت هذه الانتفاضة دون أن تتوصل إلى إحداث تغيير يذكر في الأوضاع. والآن هاهم شباب الجامعات ينتفضون ضد قانون "عقد العمل الأول" الذي سوف يحول الشباب العامل إلى قوة عمل يسهل التخلص منها. اليوم دخلت 64 جامعة فرنسية، من أصل 84، في إضراب والذي كان مصاحبا، في العديد منها، باحتلال الحرم الجامعي والاعتصام فيه. في العديد من الجامعات التحق العمال الجامعيون بحركة الاحتجاجات وبدأت الحركة تمتد إلى تلاميذ المدارس الذين التحقوا اليوم بطلاب الجامعات والنقابات للمشاركة في اليوم الوطني للتظاهر. يوم السبت سيتم تنظيم مظاهرة وطنية في باريس ومن المتوقع أن تنظم مابين مليون ومليون ونصف متظاهر. إن الطلاب الذين خرجوا إلى شوارع فرنسا اليوم ليسوا هم نفس الطلاب الذين انتفضوا سنة 1968. إذ العديد من طلاب اليوم، إن لم نقل أغلبهم، مجبرون على العمل لأداء مصاريف دراستهم. العديد من هؤلاء الطلاب المشاركين في المظاهرات عمال، لكنهم في الغالب عمال يشتغلون في أسوء الشروط: في مطاعم الأكلات الخفيفة، شركات النظافة، مراكز الهاتف، إلخ. العديد منهم يعرف انطلاقا من خبرته الخاصة معنى الاستغلال. لكن وبما أن هذه الأشغال كانت تبدو لهم مؤقتة فإن العديد منهم كان مستعدا، إلى هذا الحد أو ذاك، لتحمل ظروفها الصعبة. لكن الآن وبعد أن أعلنت الحكومة قانون "عقد العمل الأول" استوعب الشباب الجامعي – الذين هم في الواقع شباب يعمل جزئيا – أنهم سوف يواجهون نفس الظروف بعد إكمالهم لدراستهم. سوف يواجهون العقود المؤقتة، المرونة والإجراءات التعسفية لأرباب العمل طيلة حياتهم. ليس من المصادفة أن تكون فرنسا البلد الذي يسجل أعلى نسبة لعقود الشغل المؤقتة بين بلدان منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD)! لا يمكن للعمال والشباب أن يتحملوا هذا الوضع. إذن تجد نضالات الطلاب جذورها في الاستغلال المتزايد في أماكن العمل. لقد انخرط الطلاب والعمال، عبر نقاباتهم، في حركة يمكنها أن تجبر الحكومة اليمينية على التراجع. إذا ما حققوا النصر، وهذا احتمال وارد جدا، سوف يعطي ذلك دفعة جديدة لليسار في فرنسا وخارجه.


خلال الأسبوع الماضي، شهدت التحركات ضد قانون "عقد العمل الأول"(CPE) تصاعدا ملحوظا، إذ بلغت حد تظاهرة وطنية ضمت أكثر من مليون شخص. إن النجاح الباهر الذي عرفته معركة 7 مارس وضح بجلاء الموقف الرافض لقانون "عقد العمل الأول" من طرف الطبقة العاملة والشباب. وهو ما ينزع الشرعية تماما عن ادعاءات الحكومة بأنها تتمتع بدعم الأغلبية الصامتة، في حربها ضد بطالة الشباب، هذه بالرغم من ضعف حركة النضالات التي شهدها شهر فبراير (التي تشارك فيها 400.000 متظاهر على الصعيد الوطني) والتي توقفت بسبب العطلة المدرسية. إن نجاح هذه المعركة هام جدا لكونه يوضح وحدة العمال والشباب والطلاب والأساتذة في النضال ضد العمل المؤقت وضرب شروط العمل.

انتفاضة الضواحي تأتي

الاحتجاجات الأخيرة على خلفية حركات تمرد شباب الضواحي المحروم من الحقوق والغارق في البطالة، التي اجتاحت فرنسا أواخر سنة 2005. ( أنظر مقال: انتفاضة ضواحي المدن بفرنسا). لقد كانت حركات التمرد تلك، وبالرغم من كل شيء، رسالة واضحة للحكومة بأن سياستها التقشفية، هجوماتها على العاطلين وإهمالها لتعليم الشباب، أبناء الطبقة العاملة (خاصة أبناء المهاجرين) وكذا الاستهداف المتصاعد للمكاسب الاجتماعية للطبقة العاملة، كلها سياسات يجب أن تتوقف.

في مواجهة حركات التمرد هذه، وبالإضافة إلى إعلان حالة الطوارئ وإنزال قوات مكافحة الشغب (CRS)، عملت الحكومة على تسليط سوط الرجعية ضد الطبقة العاملة والشباب. وعوض أن تولي الحكومة اهتماما أكبر بالتعليم وتحسين وضعية المدارس في الأحياء العمالية (في بلد صارت فيه إمكانية الدراسة اللائقة حكرا على أقلية صغيرة)، قامت بتمرير قانون يشرعن تشغيل الأطفال البالغين أربعة عشرة سنة كمتدربين، ويقر خمسة تشغيل الأطفال البالغين خمسة عشرة سنة في الأعمال الليلية. بقيامها بهذا تكون الحكومة قد كنست ما اعتبرته الطبقة العاملة حقا أساسيا، منذ الحرب العالمية الثانية. أي الحق في تعليم مجاني إجباري إلى حدود سن السادسة عشر.

لكن وبالرغم من ذلك، لم يكن كل هذا كافيا من وجهة نظر حكومة فيلبان اليمينية والطبقة البرجوازية التي تدافع عنها. فخلال منتصف يناير من هذه السنة، طرح فليبان قانون أثار سعادة أرباب العمل، أسماه "عقد العمل الأول"، بمبرر الحد من بطالة الشباب، عبر تمكين أرباب العمل من حرية أكبر في تحديد شروط العمل التي يشغلون فيها عمالهم الشباب هؤلاء. طبعا، الواقع مختلف جدا عن ما يقال، إذ ليس هذا القانون شيئا آخر سوى هدية جديدة لنقابة أرباب المقاولات الفرنسية (MEDEF)، ستمكن الرأسماليين من طرد العمال الجدد البالغين أقل من 26 سنة في أي وقت ولأي سبب طيلة سنتي الاختبار. كما أن هذا القانون سيجعل من الصعب على العمال المطرودين مقاومة الطرد التعسفي والغير مبرر، إذ أن هذا العقد الجديد يجعل من مثل هذه الممارسات مسألة قانونية تماما.

شبح قانون عقد الإدماج المهني (CIP)

خلف ظلال قانون "عقد العمل الأول" يكمن شبح عقد "عقد الإدماج المهني"، الذي طرحته حكومة بالادور(Balladur) قبل اثنا عشر سنة. كان ذلك القانون يهدف إلى خلق حد أدنى للأجور خاص بالعمال الشباب. لكن وتحت ضغط نضالات العمال والشباب، اضطر بالادور إلى التراجع عن مقترحه. والآن هاهو بالادور نفسه، يحث فليبان على أن يبقى صارما.

إن محاولة فرض قانون "عقد العمل الأول"، يعبر عن الرغبة في الانتقام لدى حركة أرباب المقاولات الفرنسية وباقي قوى الرجعية البرجوازية في المجتمع الفرنسي، ليس فقط ضد الهزيمة التي تكبدها قانون "عقد الإدماج المهني"، بل كذلك للتنفيس عن حقدهم الجارف ضد إقرار 35 ساعة عمل في الأسبوع من طرف حكومة "اليسار المتعدد" (التي قامت، من جهة أخرى، بتطبيق سياسة الخوصصة) وباقي الإصلاحات التقدمية التي طبقتها.

لقد اضطر أرباب العمل، لوقت طويل، إلى القبول بأن يظل الأطفال البالغون 14 سنة في مقاعد الدراسة، دون أن يتمكنوا من استغلالهم كيد عاملة رخيصة. إن أرباب العمل لم يعد يمكنهم أن يقدموا تنازلات للعمال ويسمحوا بتأجيل الهجوم على المكاسب الاجتماعية، التي تحققت بفضل نضال شرس، خلال النصف الأخير من القرن 20. وليس من المصادفة، طبعا، تزامن طرح قانون "عقد العمل الأول"، مع اقتراح وزير الداخلية نيكولا ساركوزي، تطبيق خطة الهجرة الانتقائية، فالمهاجرون يشكلون مصدر عظيما آخر للعمالة الرخيصة بالنسبة لأرباب العمل.

جاء رد نقابات الطلاب والمنظمات الشبيبية فوريا على إعلان الحكومة للقانون المذكور. إذ سرعان ما خرجوا إلى الشوارع بأعداد كبيرة، للاحتجاج على الحكومة متحدين مرة أخرى مع الأساتذة والحركة العمالية عموما، كما كان قد حدث إبان النضالات ضد قانون "عقد الإدماج المهني" سنة 1994 وقانون فيليون (Fillion) الخاص بالتعليم خلال السنة الماضية.

إن الحركة العمالية الفرنسية ليست بليدة أو فاقدة للحياة، كما أنها أبعد ما تكون عن الانخداع بوعود الحكومة، إذ فهمت طبعا ان المسألة مسألة وقت فقط قبل أن يعمم قانون "عقد العمل الأول" على العمال من جميع الأعمار وهكذا خرجت لمساندة العمال الشباب والطلاب. فحتى النقابات الأشد يمينية وإصلاحية مثل "Force Ouvrière" دعت هي أيضا إلى تنظيم مظاهرات وإضرابات ضد قانون الحكومة الجديد.

مرة أخرى، عملت نقابات الطلاب على ربط مطالبها بمطالب الحركة العمالية (وهو الشيء الهام جدا من وجهة نظر الماركسيين) بدل الاقتصار على إنفجارات "طلابوية" وهكذا ضمنوا الحصول على دعم كل الطبقة العاملة لنضالهم المشروع ضد خطة التشغيل الحكومية التي تضرب مصالح الشباب والعمال بشكل واضح.

الأحزاب العمالية والمعارضة البرلمانية

بعد فشله في الوقوف إلى جانب العمال طيلة الحملة ضد الدستور الأوربي. يحاول الحزب الاشتراكي الفرنسي الآن تعويض ذلك باتخاذه لموقف برلماني جد معارض لقانون الحكومة. وفي الوقت الذي يعتبر فيه هذا الموقف في حد ذاته جيد وهام، يتوجب على قاعدة الحزب الواعية وعلى الماركسيين أن يقوموا بكل ما في استطاعتهم للحيلولة دون أن تقوم الطغمة البيروقراطية الموجودة في قيادة هذه الحزب، باحتواء هذه الحركة واستخدامها وسيلة لتحقيق مآربها الخاصة.

بعجرفتها المعتادة، قررت حكومة قيلبان أنه لن يسمح للنقاش البرلماني والتعديلات حول القانون (أي للديمقراطية البرلمانية وإجراءاتها) أن يبطئ "الحملة ضد البطالة" وحاول فرض المادة 49.3 من الدستور الفرنسي، التي تسمح للحكومة بتمرير قانون ما دون اللجوء إلى التصويت. فهدد الحزب الاشتراكي، الذي سبق له أن لجأ إلى هذه الوسيلة، بكونه سيطرح ملتمسا لنزع الثقة عن الحكومة إذا ما هي لجأت إلى استعمال المادة 49.3. بطبيعة الحال، لم يكن لهذا التهديد أن يتحقق بالنظر إلى الأغلبية الساحقة التي يمتلكها المحافظون داخل البرلمان.

الحزب الشيوعي بدوره عارض القانون الجديد، وبالرغم من كونه لم ينسق مع الحزب الاشتراكي لنزع الثقة، فإنه صوت لصالح القرار. وقد قامت جميع أحزاب "اليسار" الأخرى، بالتصويت لصالح نزع الثقة. من الواضح أن بعض الأحزاب، أو كلها (وعلى رأسها الحزب الاشتراكي) يحضرون لتشكيل حكومة "يسار متعدد" جديدة.

وسائل الإعلام وسيغولين رويال (Segolene Royal)

إن البرجوازية الواعية بالهزيمة التي ستتكبدها أحزابها خلال الانتخابات المقرر عقدها سنة 2007 (ليس فقط بسبب القانون الجديد، بل لكل تلك الخمسة سنوات من السياسة التقشفية التي طبقتها الحكومة) بدأت تقوم بالدعاية لمرشحها لتمثيل الحزب الاشتراكي في السباق نحو الإليزيه.

خلال الشهور القليلة الماضية، بدأت وسائل الإعلام البرجوازية تقدم سيغولين رويال (رئيسة جهة Poitou-Charente، وزوجة أمين عام الحزب، فرانسوا هولند) باعتبارها المرشح الأوفر حظا لقيادة الحزب الاشتراكي نحو رئاسة الحكومة سنة 2007. إن رويال لزمت الصمت اتجاه الاحتجاجات ضد "عقد العمل الأول" وصرحت بسرور أن بلير هو "مثلها الأعلى".

يظهر مرة أخرى أن هذه المحاولات للدعاية لرويال باعتبارها الأوفر حظا في الفوز بانتخابات 2007، هي تكتيك تقوم به البرجوازية للتأكد من أنه، في حالة ما فازت الحركة العمالية بالانتخابات، فإن شيراك وفيلبان سيعوضان في الحكومة برئيسة ناعمة وإصلاحية موالية لقانون السوق.

المعارك المستقبلية: لا لجميع العقود التي تضرب استقرار الشغل ! لا لاستهداف العمل !

إن النضال ضد قانون "عقد العمل الأول" وسياسات التقشف الاجتماعي هو أبعد ما يكون عن نهايته، بل أبعد ما يكون عن النصر، خاصة بعد ما صودق عليه مرة أخرى في البرلمان، يوم الخميس 9 مارس. لقد دعت نقابات الطلاب والعمال، مجتمعة، إلى تنظيم يوم وطني ثالث للاحتجاج ضد القانون الجديد، كما انخرطت 45 جامعة في إضراب منذ 9 مارس. في الليلة نفسها هاجمت قوات مكافحة الشغب، جامعة السوربون وأقامت الحواجز في شارع سان ميشيل، لتعمل على إزالتها فيما بعد. نحن كماركسيين ننظر بحماس وتفاؤل إلى هذه الوحدة بين الشباب والطلاب والعمال أيضا بطبيعة الحال. إنها خطوة جد بناءة في النضال ضد النظام الرأسمالي وسادته البرجوازيين. يتوجب علينا، نحن الماركسيون، أن نكافح من أجل الحفاظ على هذه الوحدة والمساهمة في هذه المظاهرات الوحدوية للدفاع عن مواقفنا ومنهجيتنا، باعتبارها الوحيدة القادرة على التحقيق الفعلي للمجتمع الاشتراكي. إن المكاسب الاجتماعية للطبقة العاملة لا يمكن الحفاظ عليها في مرحلتنا هذه حيث تعيش الرأسمالية أزمتها. إن الطريق الوحيد الذي يمكن من الحفاظ على مكاسبنا يمر عبر انتزاع الأبناك ووسائل الإنتاج من يد الطبقة التي تملكها حاليا، أي الطبقة البرجوازية، ووضعها في يد الطبقة التي تنتج الثروة للمجتمع، الطبقة العاملة.

لا لاستهداف العمل!

لا لضرب شروط عيش العمال!

عنوان النص بالإنجليزية:

French workers and youth unite against the First Employment Contract: No to all precarious contracts