marxy.com

مؤلفات

كارل ماركس
وفريديريك انجلز

 فلاديمير إيليتش لينين

ليون تروتسكي

تيد غرانت

المغرب

إعلان المبادئ

البرنامج الانتقالي

كتب


البلشفية طريق الثورة

الفصل الأول: ميلاد الحركة الماركسية الروسية

الاقتصادويون في تراجع


Bookmark and Share

آلان وودز
ترجمة: هيئة تحرير موقع ماركسي

كانت القاعدة الرئيسية التي بقيت مع اقتصادويي تيار رابوتشي ديلو هي منظمة المنفيين السياسيين "اتحاد الاشتراكيين الديمقراطيين في الخارج". وكانت محاولة تحقيق الوحدة على أساس مبدئي قد فشلت بعد المؤتمر التوحيدي الذي انعقد بداية عام 1901. غادر أنصار الإيسكرا الاتحاد في شتنبر، وأنشأوا في الشهر الموالي "رابطة الاشتراكيين الديمقراطيين الثوريين في الخارج". اقتصادويي اتحاد الاشتراكيين الديمقراطيين في الخارج، الذين رأوا أن الوضع في روسيا يخرج من تحت سيطرتهم، قرروا توجيه ضربة استباقية بالدعوة سريعا لعقد مؤتمر للحزب، كانوا يأملون ان يعطيهم الامتياز.

كان أتباع رابوتشي ديلو على اتصال مع حزب البوند الذي، وبصرف النظر عن دعمه العام للاقتصادويين، كان له اهتمام خاص بمسألة عقد المؤتمر. كان البوند يطالب ليس فقط بالاستقلال الذاتي داخل الحزب، بل وبالحق الحصري في الكلام باسم حزب العمال الاشتراكي الديموقراطي الروسي - الذي تأسس في المؤتمر الأول لكن لم يتنظم بشكل صحيح إلا في عام 1903- فيما يخص الشؤون اليهودية. أدى ذلك إلى اندلاع مواجهة مباشرة مع الإيسكرا، التي اعتبرت، كما قالت كروبسكايا، أن «هذه التكتيكات انتحارية بالنسبة للبروليتاريا اليهودية. لا يمكن للعمال اليهود ان ينتصروا بمفردهم. ولا يمكنهم الانتصار إلا باندماجهم مع القوى الأخرى للبروليتاريا في جميع روسيا».[1]

ولمنع الإيسكرا من عقد مؤتمر يعرفون أنهم سيكونون فيه أقلية، لجأ الاقتصادويون والبوند إلى القيام بمناورة. في نهاية مارس 1902، دعوا إلى ما أسموه مؤتمر بيلوستوك. وكانت الفكرة هي استبعاد الإيسكرا، لكن غياب التمثيلية الكافية في الاجتماع كان واضحا جدا (في الواقع، كان الحضور أقل حتى مما كان عليه خلال المؤتمر الأول)، مما أفشل المناورة. بالإضافة إلى ذلك كانت الإيسكرا قد علمت بالاجتماع وبعثت ممثلا عنها، فيدور دان، الذي حضر دون دعوة وتوصل إلى دفع الحاضرين إلى التخلي عن إطلاق اسم مؤتمر على الاجتماع، وأطلقوا عليه اسم كونفرانس مهمته انتخاب لجنة تنظيمية للتحضير للمؤتمر. بعد ذلك بوقت قصير، ألقي القبض على أغلبية المندوبين في المؤتمر، إلى جانب عضوين في اللجنة التنظيمية. عندها سقطت كل مهام عقد المؤتمر على كاهل الإيسكرا. وفي اجتماع جديد عقد في بسكوف، في نوفمبر 1902، تم تشكيل لجنة تنظيمية جديدة، كانت هذه المرة مشكلة في غالبيتها من أنصار الإيسكرا. وبدأت الأعمال التحضيرية للمؤتمر الثاني بجدية.

كانت المهمة التي تواجه الإيسكرا هائلة جدا. كان مجرد نقل الصحيفة كابوسا. كانت تهرب إلى روسيا في حقائب مزدوجة القاع، ملزمة كما لو كانت كتبا، وكانت ترسل مع البحارة والطلاب، عبر مرسيليا وستوكهولم ورومانيا وبلاد فارس وحتى مصر. وكانت كميات كبيرة من الجرائد تضيع في الطريق. تقدر كروبسكايا أن الجرائد التي كانت تصل إلى وجهتها لا تتجاوز 10%. وكانت المراسلات مع الداخل غير منتظمة. في كثير من الأحيان لم يكن أنصار الإيسكرا على اتصال منتظم مع المركز في لندن، وهو ما كان يفقد لينين أعصابه في بعض الأحيان. وحتى عندما كانت الرسائل تصل، لم تكن المشاكل قد انتهت. كثيرا ما كانت العناوين غير مقروءة أو منتهية الصلاحية. لم يكن من الممكن قراءة الرسائل المشفرة لأن الحليب أو عصير الليمون الذي كتبت به يكون قد فقد صلاحيته. وكان العمل ينقطع في كثير من الأحيان بسبب الاعتقالات.

لكن وعلى الرغم من كل المشاكل، تمكنت الإيسكرا من التقدم بوتيرة ثابتة. كان نشر صحيفة نصف شهرية منتظمة هو مفتاح نجاح الإيسكرا. وعلى عكس طابع الهواية الذي كان يميز الصحف المحلية المتنافسة، كانت الإيسكرا تكتب وتطبع بطريقة احترافية. كانت الاحترافية هي السمة المميزة لعمل الإيسكرا. وليس من قبيل الصدفة أن لينين قد ركز كثيرا على أهمية ذلك في كتابه "ما لعمل؟".

نجاح الإيسكرا في روسيا زاد إلى حد كبير من نفوذ لجنة التحرير التي كان مقرها لندن، والتي كانت بمثابة المركز الذي ينطلق منه ليس فقط التوجيه النظري فحسب، بل أيضا التوجيهات العملية. لكن، وعلى غفلة من المناضلين، كانت هناك توترات خطيرة ومتنامية بين الشخصيات البارزة في الإيسكرا. وبينما كانت التحضيرات للمؤتمر تتقدم وكان التاريخ الحاسم يقترب، بدأت تلك التوترات أيضا تصير أكثر فأكثر حدة. كان معظم العمل على كتفي لينين وزوجته نادزدا كونستانتينوفنا كروبسكايا. كان لينين هو المحرر الحقيقي للجريدة، وكروبسكايا المتفانية والدؤوبة حققت المعجزات في العمل التنظيمي والحفاظ على المراسلات الهائلة مع الداخل. كان ذلك عنصرا هاما في نجاح الإيسكرا. كان هناك أشخاص آخرون متفانون في العمل، مثل بلومنفلد، المسؤول عن طباعة الإيسكرا، والذي كتبت عنه كروبسكايا قائلة: «كان منضدا ممتازا ورفيقا رائعا، كان لديه حماس متقد لعمله. (...) كان رفيقا يمكن للمرء أن يثق فيه بشكل كامل. وأي عمل يقوم به يتمه بإتقان».

لعب مارتوف دورا هاما على المستوى الأدبي، وكان بليخانوف عملاقا نظريا. لكن في الممارسة العملية لم يكن بقية الأعضاء الآخرين، من المخضرمين في مجموعة بليخانوف، يلعبون سوى دور صغير جدا، أو لا شيء على الإطلاق. كان هؤلاء المناضلين القدامى قد اعتادوا طيلة عقود على الحلقات الصغيرة للمنفيين السياسيين، والتي تتميز بغياب كلي للعلاقات الرسمية وحيث تهيمن العلاقات الشخصية، والتي تتفوق أحيانا على السياسية، فصاروا أكثر فأكثر عجزا عن التكيف مع متطلبات الوضع الجديد. كان أعضاء مجموعة تحرير العمل قد علقوا أهمية كبيرة على القدرة التنظيمية لدويتش، لكنه عندما جاء أخيرا إلى لندن، سرعان ما أتضح أن سنوات المنفى الطويلة قد تركت عليه بصماتها. وبعد فترة قصيرة قضاها في لندن، غير دويتش رأيه وعاد إلى الأجواء الأكثر بهجة بين المنفيين السياسيين في باريس، تاركا لينين تحت عبء الإعداد للمؤتمر. وتتذكر كروبسكايا الوضع خلال الأشهر المرهقة التي سبقت المؤتمر الثاني:

«في الواقع، لقد وقع كل عمل اللجنة التنظيمية والإعداد للمؤتمر على كاهل فلاديمير إليتش. كان بوتريسوف مريضا، إذ لم تتمكن رئتاه من تحمل ضباب لندن وكان قد ذهب للعلاج في مكان ما، وكان مارتوف متعبا من لندن وحياته وحيدا فذهب إلى باريس حيث كان مثل سمكة خارج الماء».[2]

كانت لجنة التحرير تتألف من ستة أعضاء (لينين وبليخانوف وأكسلرود وزاسوليتش ومارتوف وبوتريسوف)، والذين كثيرا ما كانوا يتورطون في نزاعات مريرة. وفي الفترة التي سبقت المؤتمر، كانت هناك معركة بين لينين وبليخانوف حول مسودتي البرنامج اللتان كان كل منهما قد كتب واحدة. وفي جو التوتر الشديد، كانت نبرة النقاش تحتد في كثير من الأحيان. وعندما قدم بليخانوف مسودته، في يناير 1902، أثار لينين ومارتوف تجاهها بعض الانتقادات، والتي اعتبرها بليخانوف، كما كانت العادة دائما، بمثابة إهانة شخصية له. وعندما اقترح الرفاق أن يتم التصويت على مشروع البرنامج نقطة بنقطة، كان رده هو مغادرة الاجتماع. وفي وقت لاحق كتب لينين مسودة بديلة نوقشت في جو متوتر جدا. كانت هناك مشاهد من الغضب والتهديدات والإنذارات. ويقدم لنا وصف كروبسكايا لذلك الاجتماع صورة حية عن الحياة الداخلية للجنة تحرير الإيسكرا في تلك الفترة:

«كان يتم إعداد برنامج الحزب للمؤتمر. ولمناقشته جاء إلى ميونيخ كل من بليخانوف وأكسلرود. هاجم بليخانوف بعض مقاطع البرنامج التي وضعها لينين. لم تكن فيرا ايفانوفنا متفقة على جميع النقاط مع إليش، لكنها لم تتفق تماما مع بليخانوف كذلك. كما اتفق أكسلرود مع لينين حول بعض النقاط. كان الاجتماع شاقا جدا. أرادت فيرا ايفانوفنا الاعتراض على بليخانوف، لكنه اعتمد موقفا متصلبا، وعقد يديه فوق صدره ونظر إليها نظرة جعلتها تفقد أعصابها تماما. عندما حان وقت التصويت، قال أكسيلرود، الذي كان قد اتفق مع لينين بشأن هذه المسألة، إنه يعاني من صداع في الرأس وأنه يريد الذهاب في جولة على الأقدام. غضب فلاديمير إيليتش غضبا شديدا وقال: "لا يمكننا العمل بهذه الطريقة، هل يمكن وصف مثل هذا النقاش بأنه نقاش عملي؟".»[3]

كان الخلاف المبدئي حول موقف بليخانوف بأن الرأسمالية الروسية كانت قد بدأت "تصير نمط الإنتاج المهيمن". يبدو هذا للوهلة الأولى مجرد تصريح بسيط، لكنه في مشروع لينين كان يعني التأكيد على نضج الظروف الموضوعية في روسيا لقيام البروليتاريا بالدور القيادي، وأضاف لينين: «إذا لم تكن الرأسمالية قد صارت بعد الشكل المهيمن، ألا ينبغي لنا أن نؤجل، ربما، الحركة الاشتراكية الديمقراطية؟»

إصرار لينين على هذه النقطة، وإحجام بليخانوف عن قبول ذلك، يوضح التكوين النفسي والسياسي المختلف تماما للرجلين: فلينين الواقعي الثوري، الذي لا يتحمل الصيغ المجردة، كان دائما على استعداد لاستخلاص استنتاجات عملية جريئة والبحث عن التطبيق الملموس والثوري للنظرية؛ بينما بليخانوف لم تكن مواهبه النظرية العظيمة مصحوبة بغريزة ثورية وكان مفصولا عن متطلبات الحركة الواقعية. كانت صيغ بليخانوف النظرية العامة، باعتبارها إعلانا عاما للمبادئ، قد لعبت دورا تقدميا في النضال ضد النارودنية، لكنها لم تعد صالحة في المرحلة الجديدة للصراع الطبقي في روسيا. لقد اشتكى لينين من ان مسودة بليخانوف ليست مرشدا للعمل الثوري، بل كتابا مدرسيا لطلاب «العام الأول الذين يتحدث لهم عن الرأسمالية بشكل عام، وليس عن الرأسمالية الروسية».[4]

ومع ذلك فإن جوهر الخلاف لم يركز كثيرا على القضايا الأساسية، كما ركز على تحديد طريقة جديدة للعمل وعلى مفهوم مختلف لدور البرنامج. كانت هناك أفكار مجردة في مشروع بليخانوف، اعتبرها لينين أكاديمية جدا وغير ملموسة بشكل كاف. كان [بليخانوف] صوت داعية منفي وليس صرخة موحدة لحزب جماهيري ثوري جديد. أما بالنسبة إلى بليخانوف فلا شك في أنه كان هناك بعض الحقد الشخصي في هجماته ضد لينين، والتي تضمنت عبارات توجه عادة، كما اشتكى مارتوف، للأعداء السياسيين. وقد عمل بليخانوف على ملء مشروع لينين بالخطوط المزدوجة والملاحظات والتعليقات الساخرة حول الأسلوب، وما إلى ذلك.

وصلت العلاقات بين لينين وبليخانوف إلى نقطة القطيعة. لينين الذي، باسم الحفاظ على الوحدة، تحمل بصبر جميع الإهانات من جانب بليخانوف، وصل صبره إلى نهايته، وقال بمرارة: «بالطبع، أنا لست سوى حصان، لست سوى أحد أحصنة الحوذي بليخانوف، لكن الحقيقة هي أنه حتى أكثر الأحصنة صبرا سينهار بسبب فارس متطلب جدا».[5] عند نقطة معينة أخذ لينين يفكر في إخراج كل شيء إلى العلن، وتوضيح خلافاته مع بليخانوف أمام قواعد الحزب، لكنه في النهاية ضبط نفسه، إذ خشي من الضرر الذي قد يسببه هذا الانقسام عشية المؤتمر. ومع ذلك فإن التجربة المريرة لهذه المعارك التي لا نهاية لها اقنعته تدريجيا باستحالة الاستمرار على الأسس القديمة. في أواخر مارس، كتب إلى أكسلرود قائلا:

«ما يخيفني كثيرا هو أنه في ظل عدم وجود تغيير في تركيبة الناخبين، وفي حالة عدم وجود اتفاق حول كيفية التصويت ومن سيصوت، وما المعنى الذي ينبغي أن يعطى لعملية التصويت، فإن مؤتمر زيوريخ ، مرة أخرى، لن يحل أي شيء».[6]

وأدى تراكم أعباء العمل المفرط والمشاغل المتعلقة بالصعوبات المستمرة في التواصل مع روسيا وضغط الصراع داخل لجنة التحرير، إلى تقويض صحة لينين، فأصيب بمرض يطلق عليه اسم نار سانت أنتوني، والذي تمظهر على شكل التهاب في النهايات العصبية للظهر والصدر. لم يكن لينين وكروبسكايا يمتلكان المال للذهاب إلى طبيب إنجليزي فاضطر إلى الخضوع لعلاج منزلي مؤلم. ولدى وصوله إلى جنيف انهارت صحته تماما، وكان عليه أن يقضي أسبوعين في السرير عشية انعقاد المؤتمر. وحده ضغط أكسلرود وزاسوليتش من أجبر بليخانوف على التراجع والاعتذار. وفي النهاية تم التوصل إلى حل توفيقي، لكن الحادثة أدت إلى تسريع تدهور الحالة المأساوية للجنة التحرير. كان مارتوف وزاسوليتش هما من يقومان عادة بالتوفيق بين لينين وبليخانوف. كان مارتوف، وهو شخص يتمتع بموهبة كبيرة، قد جاء من داخل روسيا، مثله مثل لينين، لكن مزاجه ونمط حياته جعلاه يقترب من زاسوليتش والآخرين.

اشترك كل من زاسوليتش ومارتوف وأليكسييف في حياة بوهيمية في منزل كان بليخانوف يطلق عليه بسخرية اسم "العرين". وقد قدمت لنا كروبسكايا وغيرها صورة حية عن فيرا زاسوليتش التي كانت تقفل غرفتها على نفسها، وهي تقرأ مقالة وتدخن سيجارة تلو الأخرى، وتعيش على أكواب لا نهاية لها من القهوة السوداء القوية. وكتب لوناتشارسكي: «أعتبر مارتوف أحد البوهيميين الساحرين، كان يشبه الطلاب في مظهره، كان يتردد باستمرار على المقاهي، غير مبال بالراحة، يناقش على الدوام وكان غريب الأطوار بعض الشيء».[7] كان لدى لينين دائما احترام كبير للمواهب الفكرية التي كان يتميز بها مارتوف. في الواقع يمثل مارتوف احد أكثر الشخصيات تراجيدية في تاريخ الحركة الثورية الروسية. لقد كان، كما كتب تروتسكي:

«كاتبا موهوبا وسياسيا محنكا وذا فكر نفاذ ومتفوقا في مدرسة الماركسية، لكنه دخل تاريخ الثورة البروليتارية بسمعة سيئة جدا. كان فكره يفتقد للشجاعة، وكان ذكاءه يفتقر إلى الإرادة. ولم تكن مثابرته كافية، بل إنه دمرها. (...) كان مارتوف يمتلك بدون شك الغريزة الثورية، كان أول رد فعل يقوم به تجاه الأحداث الكبرى يكشف دائما وجود طموح ثوري عنده، لكنه بعد بذل مثل هذا الجهد يتعرض فكره، الذي لا يجد المساندة من طرف الإرادة، إلى التفكك والغرق، كما ظهر عندما اندلعت الشرارة الأولى للثورة».[8]

وقد أدى شعور الأعضاء الأكبر سنا بأنهم يتخلفون عن الواقع إلى خلق استياء ضد لينين كانوا بالكاد يستطيعون إخفاءه. وعلى سبيل المثال، أعرب أكسلرود عن أسفه من أن الإيسكرا كان مقرها لندن بدلا من سويسرا. وقد كان عمل لجنة التحرير يتعرض للعرقلة لأن الأعضاء الستة كانوا ينقسمون في كثير من الأحيان إلى مجموعتين متساويتين. كان لينين يبحث بفارغ الصبر عن رفيق شاب من روسيا مؤهل لدمجه في لجنة التحرير وبالتالي كسر حالة الجمود التي تعيشها. فاستغل لينين بسرعة فرصة مجيء تروتسكي، الذي كان قد هرب للتو من سيبيريا، لهذا الغرض.

تروتسكي، الذي كان في ذلك الوقت يبلغ من العمر 22 عاما، كان قد فرض بالفعل اسمه ككاتب ماركسي؛ وكان يوقع باسم Pero (الريشة). في الطبعات الأولى من مذكراتها عن لينين، قدمت كروبسكايا وصفا صادقا لموقف لينين المتحمس تجاه تروتسكي، "النسر الشاب". وبما أن تلك السطور قد اختفت من جميع الطبعات اللاحقة، فإننا سنعمل هنا على اقتباسها كلها:

«التوصيات الودية لصالح "النسر الشاب" وتلك المحادثة الأولى جعلت فلاديمير إيليتش يولي اهتماما خاصا بالوافد الجديد. تحدث معه طويلا وبشكل عميق وذهبا معا في نزهة على الأقدام.

سأله فلاديمير إيليتش عن زيارته لصحيفة يوجني رابوتشي [العامل الجنوبي، التي اتخذت موقفا مترددا بين الإيسكرا وخصومها]. وأعرب عن سروره البالغ للطريقة الدقيقة التي صاغ بها تروتسكي موقفه. لقد أحب قدرة تروتسكي على أن يفهم بسرعة جوهر الخلافات وأن يدرك، خلف البيانات حسنة النية، وجود رغبات في الحفاظ على استقلالية المجموعات الصغيرة تحت ستار الدفاع عن الصحيفة الشعبية.

وفي ذلك الوقت نفسه، جاءت دعوة من روسيا تطالب بإلحاح شديد إعادة إرسال تروتسكي. بينما أراد فلاديمير إيليتش منه البقاء في الخارج للمساعدة في عمل الإيسكرا.

نظر بليخانوف على الفور إلى تروتسكي بريبة: رآه كنصير للفئة الشابة داخل لجنة تحرير الإيسكرا (لينين ومارتوف وبوتريسوف) وكتلميذ للينين. وعندما أرسل فلاديمير إيليتش إلى بليخانوف مقالا لتروتسكي، أجاب: "أنا لا أحب أسلوب ريشتك"، فرد عليه فلاديمير إيليتش: "إن الأسلوب هو مجرد مسألة تكتسب، لكن الرجل قادر على التعلم وسيكون مفيدا جدا".»[9]

وفي مارس 1903، طلب لينين رسميا إدراج تروتسكي بوصفه العضو السابع في لجنة التحرير. وفي رسالة موجهة إلى بليخانوف، كتب:

«أقدم إلى جميع أعضاء لجنة التحرير اقتراحا بإدماج الريشة عضوا كامل العضوية في اللجنة. (لأني أفهم أنه من أجل إدماج عضو لا يكفي الحصول على أغلبية، بل هناك حاجة إلى قرار بالإجماع).

لدينا حاجة كبيرة إلى عضو سابع لأنه سيبسط عملية التصويت (ستة عدد زوجي) وأيضا لأنه سيعزز صفوف اللجنة.

لقد واضب الريشة على الكتابة في جميع الأعداد طيلة عدة أشهر. وهو، بصفة عامة، يعمل من أجل الإيسكرا بنشاط شديد، ويلقي الخطب (وبنجاح هائل)، وما إلى ذلك. بالنسبة لقسم مقالاتنا ذات الراهنية وأشياء أخرى سيكون ليس فقط مفيدا جدا، بل إنه أيضا لا غنى عنه على الإطلاق. إنه بدون شك رجل ذو قدرة أعلى من المتوسط ، مقتنع وحيوي وواعد. ويمكنه أن يسهم بشكل كبير في مجال الترجمة والأدبيات الشعبية.

يجب علينا استقطاب القوى الشابة: وهذا من شأنه تحفيزهم وتشجيعهم على اعتبار أنفسهم كتابا محترفين. كون أن لدينا عدد قليل من هذه الشريحة واضح كما يظهر من خلال: 1) صعوبة العثور على محررين للترجمات و2) ندرة المقالات التي تحلل الوضع الداخلي و3) ندرة الأدب الشعبي. والأدب الشعبي هو المجال الذي يرغب الريشة أن يشتغل فيه.

الحجج المحتملة ضد المقترح: 1) صغر سنه 2) احتمال عودته قريبا (ربما) إلى روسيا 3) في أسلوب الريشة (بدون مزدوجتين) آثار لأسلوب صحافة الإثارة وقدر كبير من التباهي، الخ.

إضافة 1) اقتراح الريشة ليس لموقع مستقل بل للعمل داخل اللجنة. وداخلها سوف يكتسب الخبرة. إنه يمتلك بدون شك "حدس" رجل الحزب، رجل ينتمي لتيارنا؛ أما فيما يتعلق بالمعرفة والخبرة، فإنه يمكن اكتسابهما. كما أنه لا شك في كونه يعمل بجد. من الضروري اختياره من أجل إشراكه وتشجيعه...».[10]

بيد ان بليخانوف، الذي تكهن بأن تروتسكي سيدعم لينين، مما سيضعه في موقع الأقلية، رفض بشدة ذلك الاقتراح. وتضيف كروبسكايا قائلة: «بعد ذلك بوقت قصير، ذهب تروتسكي إلى باريس، حيث بدأ يحقق نجاحا كبيرا».[11]

تعتبر هذه الشهادة، التي كتبتها رفيقة عمر لينين، أكثر إثارة للاهتمام لكونها كتبت في عام 1930، عندما كان تروتسكي قد طرد من الحزب ويعيش في المنفى في تركيا وتحت حظر شامل داخل الاتحاد السوفياتي. لم تنج كروبسكايا من غضب ستالين إلا لكونها كانت أرملة لينين. وفي وقت لاحق اضطرت تحت ضغوط لا تطاق لأن تحني رأسها وتقبل بشكل سلبي تشويه الحقائق التاريخية، رغم أنها في النهاية رفضت بحزم الانضمام إلى جوقة تمجيد ستالين، الذي كان له موقع ثانوي في صفحات سيرتها عن لينين، وهو ما كان في الحقيقة يعكس موقعه الحقيقي.

كانت تجربة السنوات الثلاث الماضية قد أظهرت ضرورة وضع الحزب على أسس جديدة. كان من الضروري إحداث قطيعة حاسمة مع الماضي وإنهاء عقلية الحلقات الصغرى وأساليب الهواة والضعف التنظيمي وإرساء الأسس لحزب عمالي جماهيري قوي وموحد. وبالنظر إلى الأضرار التي تسببت فيها النزعة المحلية والحاجة إلى التكيف مع ظروف السرية الصعبة، ركز لينين كثيرا على الحاجة إلى المركزية.

كان على المؤتمر المقبل أن يختار قيادة في وضع كان فيه أهم القادة السياسيين موجودين في المنفى. بالطبع كان من الضروري أن تكون لمنظمات الحزب داخل روسيا تمثيلية في الهيئات القيادية، لكن لينين عارض فكرة أن تتخلى لجنة تحرير الإيسكرا -التي كانت مسؤولة كليا عن إعادة بناء الحزب- عن القيادة.

تروتسكي، الذي كان، كما رأينا، قد فر للتو من سيبيريا، فوجئ بصيغة لينين:

«لقد جئت إلى الخارج ولدي اقتناع بأن لجنة التحرير يجب أن تكون "خاضعة" للجنة المركزية. وهذه، في روسيا، فكرة غالبية أنصار الإيسكرا.

"كلا، لا يمكن أن يكون الأمر كذلك"، رد لينين عندما تحدثنا عن هذا. "إن القوى غير متكافئة، كيف يريدون توجيهنا من روسيا؟ لا يمكن أن يكون ذلك... نحن نشكل مركزا ثابتا، نحن الأقوى أيديولوجيا وسنوجه الحركة من هنا".»[12]

لا أحد كان ليتوقع أن تيار الإيسكرا كان سينشق خلال المؤتمر القادم (الثاني) حول مسألة الهيئات القيادية.

هوامش:

1: Krupskaya, O Vladimirye Ilyiche, 1924 edition, Vol. 1, 89.

2:Ibid., 63 (footnote) and 88.

3: Krupskaya, Reminiscences of Lenin, 67.

4: Leninskiy Sbornik, vol. 2, 65 and 84.

5: Leninskiy Sbornik, vol. 3, 395.

6: Pis’ma PB Aksel’roda i YO Martova, 60.

7: A.V. Lunacharsky, Revolutionary Silhouettes, 132–33.

8: Trotsky, Political Profiles, 97–98

9: Krupskaya, O Vladimirye Ilyiche, vol. 1, 85–86

10: LCW, To G.V. Plekhanov. March 2, 1903, vol. 43, 110–11

11: Krupskaya, O Vladimirye Ilyiche, 1924 edition, vol. 1, 86.

12: Trotsky, My Life, 157.

عنوان النص بالإنجليزية:

Bolshevism: The Road to Revolution

الصفحة التالية

الفهرس

الصفحة السابقة


أعلى الصفحة

  الصفحة الرئيسية


التيار الماركسي الأممي


اقتصاد وعولمة


المرأة والماركسية


ثقافة وفن


الفلسفة والعلم


Audio & Video


حملات تضامنية


تاريخ وتحليلات نظرية


إفريقيا


آسيــا


أوروبا


الشرق الأوسط


أمريكا الشمالية


أمريكا اللاتينية


مواقع أممية


هدفنا


إتصل بنا