تونس: تنحى بن عليّ، لم تنتهِ الانتفاضة، لتبدأ للتو!


توصلنا من الرفيق عمار شريف بهذا المقال الهام حول الثورة التونسية والمخاطر المحدقة بها من جانب زبانية نظام بن علي.

طباعة Bookmark and Share

عمار شريف، العراق
السبت: 15 يناير 2011

أعلن محمد الغنوشي رئيس الوزراء التونسي، يوم أمس، عن تنحي الرئيس زين العابدين بن علي وتوليه هو منصب رئاسة الجمهورية ثم أُعلن اليوم عن اداء فؤاد المبزع رئيس مجلس النواب اليمين الدستورية لتولي رئاسة الجمهورية. لاشك ان هذا الارتباك في أوساط الهيئة الحاكمة يأتي بعد تصاعد أصوات الاحتجاج على استمرار رموز نظام بن عليّ في مناصبهم. لم يتسن للرئيس الاعلان عن تنحيه وتبين انه فرّ من البلاد ولجأ الى السعودية تحت ضغوط الانتفاضة التونسية العارمة.

إن اجبار بن علي على التنحي والفرار هو نتيجة التحرك الاجتماعي الواسع خلال الاسابيع الأخيرة. ولكن ليس رحيل بن عليّ وبقاء كامل هيكل السلطة الرأسمالية هي مايحقق أهداف ومطالب تلك الحركة الاحتجاجية. الاحتجاج على اوضاع الحرمان والفقر والتفاوت الطبقي الفاحش هي مفردات ودوافع تلك الحركة الحية. هذا الصراع ينطوي على محتوى طبقي صريح. فقد شكل العمال والشباب المحروم والعاطل عن العمل عماد الاضرابات والتظاهرات ودفعوا بها نحو مرحلة الانتفاض ضد السلطة المستبدة. السلطة التي حولت حياة الملايين الى جحيم لايطاق. وأصبح في ظلها أي حلّ فردي لايعني سوى الهلاك والانتحار. إن منطق الطبيعة والمجتمع ينحو الى السعي للدفاع عن الحياة وصونها حتى آخر لحظة وليس افنائها. هذا ما ادركته الجماهير المناضلة والمتنورة في تونس سريعاً وحولته الى فعل نضالي فريد.

لجوء الطبقة البرجوازية الحاكمة في تونس لتكتيك التضحية بشخص بن عليَ هي محاولة لانقاذ سلطة طبقتها وسيادتها الاقتصادية والسياسية وهو مايعني ادامة نفس الاوضاع السابقة، بل فرض اوضاع أسوأ على عمال ومحرومي المجتمع والبدء بمرحلة أقسى من الاستبداد والقمع لضمان كسر شوكة الاحتجاج واعادة الجموع المحتجة الى بيوتها للتنصل حتى عن الوعود البائسة لاحقاً وما أن تشعر الطبقة الحاكمة بالثقة مجدداً. هذه الأحابيل السياسية تكررت في التاريخ المعاصر والحديث كثيراً. ان اعتبار رحيل بن عليّ وبقاء مجمل البطانة السياسية لنظامه أو مجرد اجراء تعديلات ورتوش على بعض الوجوه لايعني سوى انتكاسة حقيقية لكلّ تلك التضحيات والنضال الطويل والمرير من جانب، واعطاء حقنة انعاش للهيئة الحاكمة نفسها وتأهيلها لمرحلة أخرى طويلة من ممارسة الاستغلال الشنيع وفرض الاستبداد والظلم.

استمرار طاقم الحكم والمؤسسة الحاكمة وبقاء حكومة الغنوشي يفصح بوضوح عن المخاطر الجدية التي يمكن ان تواجه مستقبل العمال والعاطلين وجموع الكادحين المنتفضة. فمحمد الغنوشي هو مهندس الفقر والحرمان في تونس طيلة عقود. فهو رئيس للحكومة لأكثر من عقد من الزمان. وقبلها ومنذ الثمانينات ظلّ يتولى مناصب وزير التخطيط والاقتصاد والمالية. ان اول أمر نطق به الغنوشي هو لغة التهديد وفرض الطواريء ومنع أي تجمع يزيد على ثلاثة أشخاص! إضافة الى منع التجوال الليلي. لاشك ان الغنوشي يعتبر الاحتجاج نوعاً من الهراء وحكومته هي المسؤولة عن اطلاق النار على المتظاهرين خلال الأيام والاسابيع الماضية.

حينما كان الغنوشي رئيساًَ يوم أمس تعهد باتخاذ اجراءات ترضي التونسيين كافة. حقاً انّها نية ليست طيبة. ارضاء التونسيين كافة يعني البصق في وجوه الملايين من العمال والشباب الذين قدموا مثالاً نضالياً يستحق الاعجاب. يعني ارضاء الجناة ومصاصي دماء غالبية التونسيين وعدم تعكير صفوهم بمسائلتهم وتقديمهم للمحاكم. ولكن كيف يمكن ان نتوقع مثل هذا الأمر من شخص هو أكبر المسؤولين عن تلك الفظائع بعد زين العابدين بن عليّ.

باتت بطاقة بن عليّ خاسرة بالنسبة للامبريالية في الغرب التي سهر الرئيس على مصالحها وتلقى دعمها بالمقابل. ولخسران بطاقته أدارت أمريكا وفرنسا ظهرهما له ولاحتواء أي تطور للانتفاضة باتجاه ثوري وضمان اخمادها تبدوان مرتاحتين لطبخة الحكومة في تونس الآن وترعيانها. الاستبداد في الشرق هو الابن (غير الشرعي) للرأسمال في الغرب.

الاستجابة الحساسة والدقيقة من قبل الطليعة الثورية للطبقة العاملة للنضج وتوجيه دفة الحراك باتجاه الثورة هي أمر حياتي للانتصار ولضمان التحرر وتحقيق أهداف ومطالب الحركة. هذه المسألة هي التي ستحسم نتيجة تلك الانتفاضة بالنصر أو الهزيمة. تنحي بن علي لوحده لايعني شيئاً بالنسبة للعمال والشباب والعاطلين وجموع المحرومين. انما تحقق أهداف الحركة بالعدالة والحرية والرفاه هي مغزاها الفعلي والصريح. حكومة ائتلاف ووحدة وطنية هي أحد بدائل واهدف الطبقة البرجوازية لممارسة الحكم. الوقوف عند هذا الحد يعني تقديم كلّ تلك الجهود والتضحيات قرباناً على مذبح الرأسمال وطبقته ومهر حياة الملايين مجدداً بالعبودية. يعني اشتراك كافة أجنحة البرجوازية وأحزابها القومية والاسلامية في أدراة الدولة واقتسام السلطة وفرض الاستغلال والفقر والحرمان الاقتصادي والسياسي على الغالبية في المجتمع التونسي.

من زاوية مصالح العمال والعاطلين والشباب وجموع المسحوقين، فان الفعل الثوري لاينتهي بتنحي زين العابدين بن عليّ إنما يبدأ للتو.